أظهر وقف إطلاق النار المعلن بين واشنطن وطهران في 8 نيسان 2026 حدود التصور التقليدي للأمن الإقليمي.
تعامل الإعلان مع الحرب بوصفها مواجهة يمكن احتواؤها بتعليق الضربات، بينما اشتعلت جبهة لبنان، وبقي هرمز مقيدا، وتحركت فصائل العراق واليمن خارج التفاهم الثنائي.
أكدت عودة القصف في تموز أن وقف العمليات بين الطرفين لا يساوي وقف الحرب داخل الإقليم.
ينتقل الشرق الأوسط من نظام تقاس حدوده بالدول والجبهات البرية إلى شبكة تتشكل من الممرات البحرية والقواعد ومنشآت الطاقة وخطوط الإمداد والفصائل المسلحة، كما تتحرك المخاطر داخل هذه الشبكة عبر السفن والصواريخ والمسيرات والعقوبات أسرع من انتقالها عبر الحدود.
أصبحت السيطرة على عقدة مثل هرمز أو باب المندب وسيلة للتأثير في دول بعيدة وأسواق عالمية من دون احتلال أراض جديدة.
هدنة ثنائية داخل حرب متعددة الجبهات
احتوت هدنة نيسان المواجهة الأمريكية الإيرانية لفترة، لكنها لم تعالج البنية التي أنتجت التصعيد.
ربطت طهران التزامها بما تفعله “إسرائيل” في لبنان، وفصلت واشنطن بين الملفين، بينما احتفظت “إسرائيل” بحق العمل العسكري، وأظهر هذا الخلاف أن المنطقة لم تعد مجموعة أزمات متوازية، بل منظومة تستطيع فيها جبهة واحدة تعطيل اتفاق أبرم في جبهة أخرى.
حملت مذكرة 17 حزيران المشكلة نفسها، فنصت على إنهاء العمليات وإزالة الحصار وضمان الملاحة ومراقبة المواد النووية عالية التخصيب.
بقي معنى إدارة هرمز موضع خلاف، وغابت آلية تلزم “إسرائيل” وحزب الله والفصائل العراقية والحوثيين.
تحول الغموض إلى مدخل لانهيار الاتفاق، لأن الأطراف قرأت البنود وفق موازينها الخاصة.
اندماج الخليج وبلاد الشام والبحر الأحمر
ربطت الحرب ثلاثة مجالات كانت تدرس غالبا بصورة منفصلة، فأصبح الخليج مركز الضغط على إيران والطاقة العالمية، وتحولت جبهة لبنان إلى مقياس لصدقية التهدئة، ودخل البحر الأحمر باعتباره طريقا بديلا عند تعطل هرمز.
أسهمت الفصائل العراقية في وصل هذه المجالات بقدرتها على استهداف الخليج، بينما منح الحوثيون طهران وسيلة ضغط إضافية على السعودية والملاحة من دون تحريك قوات إيرانية مباشرة.
يمتد المجال الأمني الفعلي من منشآت التخصيب داخل إيران إلى القواعد الأمريكية في الخليج والأردن والعراق، ثم يمر بالموانئ والأنابيب والسفن وصولا إلى لبنان وباب المندب وقناة السويس.
تحدد هذه العقد قدرة الأطراف على مواصلة الحرب أكثر مما تحددها مساحة الأرض التي تسيطر عليها، فأصبحت الجغرافيا شبكة استخدام وحركة، وليست خريطة صامتة للحدود.
الممرات بوصفها أدوات للردع
منح مضيق هرمز إيران قدرة على موازنة جانب من التفوق العسكري الأمريكي، حيث يمر عبره في الظروف الطبيعية قرابة خمس تجارة الطاقة العالمية، فيرفع تقييد الملاحة كلفة التأمين والشحن وأسعار النفط.
سجل خام برنت ارتفاعا بنحو 23% خلال تموز، رغم عبور عدد محدود من السفن، وكانت الرسالة أن التفوق الجوي لا يضمن انسياب الاقتصاد العالمي.
أضاف باب المندب مجالا ثانيا للضغط، فيمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية، ويهدد استهداف الملاحة السعودية جدوى خط النفط شرق – غرب، الذي ينقل قرابة 2.5 مليون برميل يوميا إلى البحر الأحمر كبديل عن هرمز.
أدخل وصول الخطر إلى ميناء دمياط، مع بقاء هوية الفاعل مجهولة، قناة السويس ومنشآت الغاز المصرية في حسابات الحرب.
أصبحت القوة قدرة على تعطيل التدفق أو فرض شروطه، لا مجرد السيطرة الدائمة على المضيق، فتستطيع مسيرة منخفضة الكلفة رفع تكاليف النقل وإجبار السفن على تغيير مسارها، بينما تحتاج حماية الطريق إلى أساطيل واعتراضات جوية وتمويل مستمر.
يمنح هذا التفاوت القوى المتوسطة والفصائل تأثيرا يتجاوز وزنها العسكري التقليدي.
سيادة موزعة بين الدولة والشبكات
احتفظت الدول بالقرار الرسمي حول الحرب والسلام، لكن أدوات التصعيد توزعت بين مؤسسات وجماعات متعددة.
يمتلك حزب الله ترسانة وقرارا ميدانيا لا تضبطهما الحكومة اللبنانية بالكامل، وتنقسم الفصائل العراقية بين جماعات تقبل تسليم جزء من سلاحها وأخرى ترفض، بينما يدير الحوثيون جبهة بحرية مرتبطة بحساباتهم اليمنية والإيرانية معا.
هذا التوزع يجعل تنفيذ الاتفاق أصعب من توقيعه.
تعمل القوة الأمريكية أيضا عبر شبكة من القواعد والدفاعات الجوية والشركاء المحليين، فيحول استهداف قاعدة في الأردن أو الكويت سيادة الدولة المضيفة إلى جزء من معادلة الرد، لأن واشنطن تستطيع الإجابة داخل إيران أو ضد فصيل في العراق.
تظهر المشكلة في العراق ولبنان بصورة مباشرة، حيث تريد بغداد حصر السلاح بيد الدولة من دون صدام داخلي، فيما تربط بيروت الانسحاب “الإسرائيلي” باستعادة سلطتها جنوبا.
تبرر “إسرائيل” ضرباتها باستمرار سلاح الفصائل، وتربط الفصائل سلاحها ببقاء الاحتلال أو التهديد الخارجي، وتعيد هذه الحلقة إنتاج ضعف الدولة.
تحالفات مرتبطة بالمهمة
كشفت استجابات الخليج تراجع فكرة المحور المتماسك، تعاونت السعودية مع الولايات المتحدة عسكريا، ثم ضغطت لمنع توسيع الحرب مع الحوثيين.
اختارت قطر وعمان الوساطة، بينما ركزت الكويت والبحرين والإمارات على حماية المنشآت.
أنتجت هذه الاستجابات تحالفات للدفاع الجوي والملاحة وقنوات منفصلة للتفاوض، فأصبحت الدولة شريكا لواشنطن في ملف ووسيطا بينها وبين طهران في آخر.
تحدد الوظيفة الأمنية شكل التحالف أكثر من الهوية السياسية العامة.
سوريا بين الحزام الأمني والممر الإقليمي
تنبع أهمية سوريا في النظام الإقليمي الجديد من وقوعها عند تقاطع محورين استراتيجيين.
يمتد الأول من العراق عبر البادية وحمص إلى لبنان والبحر المتوسط، بينما يصل الثاني تركيا بالشمال السوري ثم الأردن و”إسرائيل” جنوبا، وتنقل هذه المسارات السلع والطاقة والأشخاص، لكنها تستطيع أيضا نقل السلاح والنفوذ والضغط العسكري.
لذلك لم تعد قيمة الأرض السورية مرتبطة بمساحتها وحدودها، بل بمن يملك القدرة على إدارة العقد التي تربط هذه المحاور والتحكم في طبيعة التدفقات العابرة لها.
يكشف التفاوض السوري – “الإسرائيلي” صراعا بين تعريفين مختلفين للأمن، فتسعى إسرائيل إلى إنشاء عمق أمني في الجنوب يحد من انتشار القوات والأسلحة ويمنحها القدرة على التدخل عند ظهور تهديد، بينما تحتاج سلطة دمشق إلى ربط أي ترتيب بانسحاب “إسرائيلي” واستعادة سلطتها على الأرض.
يضع هذا التباين الأمن قبل السيادة في التصور “الإسرائيلي”، مقابل اعتبار السيادة شرطا لإنتاج الأمن في التصور السوري.
تعكس العمليات “الإسرائيلية” المستمرة سعيا إلى إدارة الجنوب من خارج مؤسسات الدولة السورية، وهو مسار يمكن أن يخفض مستوى التهديد المباشر لـ”إسرائيل”، ويضعف قدرة سلطة دمشق على ضبط المنطقة بصورة مستدامة.
ترتبط هذه المعادلة بالحدود العراقية واللبنانية، لأن إغلاق المعابر الرسمية لا يكفي لمنع شبكات السلاح من الانتقال إلى طرق فرعية، وتتطلب استعادة السيطرة إدارة فعلية للبادية والمناطق الحدودية، وربط الجمارك بالأمن والطرق وحركة التمويل، وتقاس السيادة بقدرة الدولة على تنظيم ما يعبر أراضيها، لا بحضورها الشكلي عند الحدود.
يحمل الاقتصاد الحدودي وظيفة أمنية موازية، فتنمو شبكات التهريب حيث تغيب فرص العمل والخدمات، لذلك يحتاج ضبط الحدود إلى معابر قانونية وأسواق ونقل منظم يربط السكان بمصالح الدولة، ويحول هذا المسار الطرق من مصادر نفوذ خارج المؤسسات إلى أدوات للإيرادات والشرعية.
يتحدد موقع سوريا المقبل بين التحول إلى أحزمة أمنية تديرها حسابات الدول المحيطة، أو منصة ربط إقليمية تخضع لمؤسساتها.
يصطدم الخيار الثاني بتعدد مراكز السيطرة، وتضرر شبكات النقل، وترسخ اقتصاد التهريب، وتعارض مصالح القوى التي تستخدم الطرق السورية للنفوذ، ويحتاج تحويل الموقع إلى مورد وطني إلى سلطة موحدة تدير المعابر وتحمي الطرق وتربط التجارة بالإنتاج والعمل والخدمات.
ثلاثة مسارات للأمن الإقليمي
إحدى الافتراضات هي أن التفوق الجوي والاستخباري الأمريكي و”الإسرائيلي” ما زال يحكم المنطقة.
يشرح هذا التفوق حجم الأضرار، لكنه لا يفسر تعطل الملاحة أو عجز الضربات عن فرض اتفاق على الفصائل، فيختلف تدمير الهدف عن إدارة المجال بعده، حيث تحتاج حماية السفن إلى تفاهمات مستمرة، ويتطلب نزع السلاح سلطة محلية قادرة على التنفيذ، فتمنح القوة العسكرية قدرة على العقاب، لكنها لا تنتج نظاما مستقرا وحدها.
عمليا، يتجسد انهيار النظام الدولي حين تبقى القواعد والمؤسسات قائمة، بينما تنتقل سلطة تطبيقها إلى الدول الأقوى والتحالفات المؤقتة، وكشف التعامل الدولي مع أزمة هرمز انتقائية جميع القوى في استخدام القانون.
استخدمت الصين وروسيا النقض ضد مشروع أمريكي بحريني عدتاه منحازا وممهدا لإجراءات قسرية ضد إيران، بينما فرضت واشنطن حصارا ونفذت ضربات من دون تفويض جماعي، وقيدت طهران الملاحة تحت عنوان الدفاع عن النفس.
عجزت المنظمة البحرية الدولية عن إلزام الأطراف بحرية العبور، فتحول دورها إلى إجلاء السفن والبحارة.
في الملف النووي، عطلت الحرب والضربات أعمال التفتيش، بينما منع حجب إيران الوصول إلى المنشآت الوكالة من تتبع نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم عالي التخصيب.
يكشف ذلك نظاما تستخدم أطرافه القواعد بصورة انتقائية، فيما تدير المؤسسات الدولية نتائج القوة بدلا من تقييد استخدامه، وهذا الواقع بضع ثلاث احتمال:
- إدارة الانهيار عبر مناطق نفوذ
يتمثل المسار الأول في نشوء نظام أمني مجزأ، تتولى فيه كل قوة حماية المجال المرتبط بمصالحها، فتقود الولايات المتحدة ترتيبات القواعد والدفاع الجوي، وتسعى إيران إلى فرض قواعد للمرور في هرمز، بينما تبني السعودية تحالفا بحريا في البحر الأحمر، وتعمل “إسرائيل” على إنشاء أحزمة أمنية في لبنان وسوريا.
- تدويل الحرب وتفكك القواعد المشتركة
يرتفع احتمال الحرب الإقليمية عندما تفشل مناطق النفوذ في ضبط الاحتكاك بينها، تستطيع ضربة أمريكية على منشأة نووية أو نفطية، أو هجمة إيرانية توقع خسائر كبيرة، دفع العراق ولبنان واليمن إلى القتال بصورة متقاربة.
يتجاوز أثر الحرب المنطقة عندما تتحرك روسيا والصين لمعارضة الشرعية الأمريكية، وتعيد أوروبا والدول الآسيوية تنظيم حماية إمداداتها، وتصبح السفن مرتبطة بهوية مالكيها وتحالفات دولها أكثر من ارتباطها بالقانون البحري.
يرتفع احتمال هذا المسار مع كل انتقال من استهداف القوات إلى ضرب البنية المدنية والطاقة والمرافق النووية، ويصبح احتواء الحرب أصعب، لأن القوى الكبرى ستدافع عن قواعد مختلفة للنظام، لا عن أطراف إقليمية فقط.
- تسوية بين القوى بدلا من استعادة النظام
يظهر المسار الثالث في صورة صفقة متعددة الأطراف تعيد بعض وظائف النظام من دون إصلاحه، فيمكن أن تتفق الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج، بمشاركة صينية وروسية وأوروبية، على توزيع مسارات الملاحة وعودة التفتيش النووي وتخفيف العقوبات وضبط بعض الجبهات، وتدخل الأمم المتحدة والوكالة الدولية بعد التفاهم لتوثيقه ومراقبته، بدلا من إنتاج الحل وفرضه.
تكشف المسارات الثلاثة أن الاحتمال الأرجح ليس عودة النظام السابق ولا اندلاع حرب شاملة مباشرة، بل إدارة انهيار طويل.
تظهر الحرب أن الأمن الإقليمي أصبح في القدرة على حماية الحركة أو تعطيلها إلى جانب حماية الأرض، ويحتاج الاستقرار إلى معالجة العقد التي تنتقل عبرها القوة، وإعادة قدرة الدول على ضبط أراضيها، ويمثل مستقبل هرمز وباب المندب المؤشر الأدق إلى اتجاه الإقليم بعد الهدنة.
من أمن الحدود إلى أمن الممرات
حصة الممرات البحرية في التجارة العالمية
تأثير إغلاق الممرات على أسعار النفط
إدارة الانهيار عبر مناطق نفوذ
نظام أمني مجزأ، كل قوة تحمي مجالها: الولايات المتحدة ترتيبات القواعد والدفاع الجوي، إيران قواعد المرور في هرمز، السعودية تحالف بحري في البحر الأحمر، وإسرائيل أحزمة أمنية في لبنان وسوريا.
احتمال مرتفعتدويل الحرب وتفكك القواعد
ارتفاع الاحتكاك بين مناطق النفوذ يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة، تتحرك فيها روسيا والصين، وتعيد أوروبا ودول آسيا حماية إمداداتها، وتصبح السفن مرتبطة بهوية مالكيها.
خطر قائمتسوية بين القوى الكبرى
صفقة متعددة الأطراف تعيد بعض وظائف النظام: توزيع مسارات الملاحة، عودة التفتيش النووي، تخفيف العقوبات، وضبط الجبهات. الأمم المتحدة توثّق الحل بدلاً من أن تنتجه.
أقل احتمالاً لكن ممكن
