تتحرك المواجهة الأميركية – “الإسرائيلية” – الإيرانية داخل فضاء جغرافي لا يسمح بفصل السياسة عن الممرات البحرية، ولا الاستراتيجية عن خطوط الطاقة، ولا القرار العسكري عن خرائط النفوذ المحلي.
تبدو الحرب في ظاهرها نزاعا على النووي الإيراني وتوازنات الردع، لكنها في جوهرها صراع على الجغرافيا التي تمنح السياسة قدرتها على الإكراه؛ من يتحكم بالممرات ويملك تعطيل الاقتصاد ويستطيع تحويل الجبهات المحلية إلى أوراق تفاوض إقليمية.
يظهر الشرق الأوسط بوصفه رقعة متداخلة لا تسمح بعزل الحرب عن الاقتصاد، ولا الجبهة المحلية عن التوازن الإقليمي، وتتحرك الأزمة عبر شبكة واحدة من الممرات والحدود والتحالفات، بحيث يصبح أي تفاهم مؤقت جزءا من صراع أوسع على إدارة المجال لا مجرد اتفاق لوقف النار.
السؤال المركزي هل تستطيع التسوية أن توقف الحرب، أم أنها تؤجل انفجارا جديدا لأن شروط الصدام ما تزال قائمة؟
هرمز.. المضيق الذي يحكم الإيقاع
يمثل مضيق هرمز قلب الصراع لأنه يحول القوة الإيرانية من قدرة عسكرية إقليمية إلى ورقة ضغط عالمية.
تستطيع طهران، عبر التهديد بالملاحة أو تقييدها، نقل الحرب من المجال العسكري إلى الاقتصاد الدولي، ومن حسابات واشنطن الأمنية إلى قلق الأسواق وسلاسل الإمداد، فلا تعود الصواريخ والطائرات المسيرة وحدها أدوات الردع، بل يصبح المكان نفسه سلاحا استراتيجيا.
تعرف الولايات المتحدة أن حماية حرية الملاحة اختبار لموقعها العالمي، وأي عجز عن ضمان المرور في المضيق يرسل رسالة إلى الحلفاء والخصوم بأن الهيمنة الأميركية لم تعد قادرة على إدارة أهم عقد الطاقة والتجارة.
في المقابل، تدرك إيران أن قدرتها على تعطيل المضيق أو التلويح بذلك تمنحها تعويضا عن الخلل الكبير في ميزان القوة التقليدية أمام الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
أي صفقة حول هرمز تبدو اتفاقا تقنيا في الشكل، لكنها سياسية في الجوهر، ففتح المضيق يعني خفض الضغط على الاقتصاد العالمي وإتاحة هامش للدبلوماسية، بينما يبقى التحكم به ورقة يمكن لطهران العودة إليها عند تعثر المفاوضات أو عند شعورها بأن المكاسب الاقتصادية الموعودة لا تتحقق، فالمضيق يحمل في داخله احتمالين متناقضين: بوابة تهدئة، أو زناد حرب جديدة.
لبنان: الجبهة الصغيرة التي تختبر الصفقة الكبرى
يحتل لبنان موقعا يتجاوز حجمه الجغرافي، فالجبهة الجنوبية ليست مجرد خط تماس بين حزب الله و”إسرائيل”، بل مساحة اختبار لكل تفاهم أميركي إيراني.
تستطيع “تل أبيب”، عبر التصعيد في لبنان، أن تقيس حدود الصبر الإيراني، وأن تضغط على واشنطن، وأن تحاول منع أي تسوية تراها مقيدة لحريتها العسكرية، وتستطيع طهران، عبر حزب الله، أن تذكر خصومها بأن أمن إسرائيل لا ينفصل عن ملفات التفاوض الكبرى.
يعاني حزب الله من معادلة شديدة التعقيد، فالاستمرار في المقاومة المسلحة يحافظ على دوره داخل محور إقليمي واسع، لكنه يفاقم الضغط الداخلي اللبناني عليه، خصوصا بعد الدمار والنزوح وتزايد الأصوات المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة.
أما الدخول في ترتيب تفاوضي فيخفف الضغط على لبنان، لكنه يطرح سؤالا وجوديا حول وظيفة السلاح ودور الحزب في المرحلة المقبلة.
تكشف الجبهة اللبنانية هشاشة أي تسوية لا تشمل الأطراف المتأثرة بها، فيجلس الأميركيون والإيرانيون إلى طاولة التفاوض، بينما يتحمل اللبنانيون جزءا كبيرا من كلفة النتائج، وتظهر مفارقة الخريطة السياسية في الشرق الأوسط، فالقرارات تصاغ في عواصم كبرى، والاختبار يجري في مناطق حدودية صغيرة، غالبا على حساب مجتمعات منهكة أصلا.
“إسرائيل”.. فائض القوة وقلق الجغرافيا
تنظر “إسرائيل” إلى التسوية الأميركية – الإيرانية بقلق لأنها تخشى أن تتحول إلى اعتراف غير مباشر ببقاء النظام الإيراني ودوره الإقليمي.
من منظورها، لا يكفي تجميد التصعيد أو ضبط الملاحة أو تأجيل الملف النووي، لأن المشكلة الأساسية تكمن في شبكة النفوذ التي تربط إيران بلبنان والعراق واليمن وغزة، وتفضل “إسرائيل” تحويل التفوق العسكري إلى نتائج استراتيجية قبل أن تغلق الدبلوماسية نافذة الحرب.
يرتبط الموقف “الإسرائيلي” أيضا بحسابات الداخل، فالقيادة تواجه انتخابات وضغطا شعبيا وتراجعا في الصورة الدولية وتحتاج إلى نصر قابل للتسويق، فالحرب لا تخضع فقط لمنطق الأمن، بل لمنطق الشرعية السياسية أيضا.
كلما تعذر تحقيق نصر حاسم على إيران، ازدادت جاذبية الجبهات البديلة، وفي مقدمتها لبنان، لأنها أقرب جغرافيا وأكثر قابلية للعرض بوصفها دفاعا مباشرا عن “الأمن الإسرائيلي”.
تواجه تل أبيب مفارقة القوة غير المكتملة، فتستطيع توجيه ضربات موجعة، لكنها لا تستطيع بناء توازن إقليمي جديد، فالنجاح العسكري، حين ينفصل عن أفق سياسي واضح، يترك خلفه فراغا تملؤه الردود المؤجلة والحسابات الانتقامية وشبكات النفوذ التي يصعب تفكيكها بالقصف وحده.
إيران.. الردع عبر التمدد لا عبر الحدود
تعتمد إيران في صراعها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” على هندسة نفوذ تتجاوز حدود الدولة، فقوتها لا تقوم فقط على الصواريخ والمنشآت والقوات النظامية، بل على تحويل الجوار إلى عمق دفاعي.
العراق ولبنان واليمن والخليج ليست ساحات خارجية بالنسبة إلى طهران، بل حلقات في منظومة ردع واحدة تمنحها القدرة على الرد من أكثر من اتجاه، وبأكثر من مستوى.
تسعى القيادة الإيرانية إلى تثبيت مكاسبها بعد أن أظهرت قدرتها على الصمود وإيلام الخصوم، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطا اقتصادية داخلية تجعل الوقت عاملا ضاغطا، وتريد مكاسب ملموسة وسريعة، مثل الإفراج عن أصول مجمدة وتخفيف العقوبات، لأنها لا تثق بالوعود الأميركية بعد تجارب الانسحاب والعودة إلى الضغط.
تريد واشنطن، في المقابل، ضمانات أمنية وسياسية لا تستطيع إيران تقديمها دفعة واحدة من دون المساس ببنية قوتها الإقليمية.
تصبح المفاوضات هنا صراعا على الزمن، فالولايات المتحدة تريد فترة اختبار تقيس خلالها سلوك إيران، وطهران تريد فوائد مسبقة تضمن ألا تتحول الهدنة إلى فخ لإعادة ترتيب الهجوم عليها، وبين الزمنين، ينشأ خطر “اللاحرب واللاسلم”، حيث تتراجع النار الكبرى من دون أن تولد تسوية حقيقية.
الخليج.. الحليف الذي اكتشف هشاشته
وجدت دول الخليج نفسها أمام حقيقة قاسية، فأمنها ما يزال مرتبطا بقرار أميركي لا تملكه، وبصراع إيراني – “إسرائيلي” لا تتحكم بمساره.
الهجمات على البنى التحتية والقواعد وحركة التجارة أظهرت أن الحماية التقليدية لم تعد كافية، وأن الاصطفاف الكامل مع واشنطن يحمل كلفة مباشرة عند اندلاع الحرب.
تتحرك العواصم الخليجية بين اتجاهين، الأول يريد تعزيز الردع والاقتراب أكثر من المظلة الأميركية، والثاني يرى أن الدبلوماسية الإقليمية وتخفيف التصعيد مع إيران أكثر واقعية من انتظار ضمانات خارجية مطلقة، وهذا الانقسام لا يعني تفكك مجلس التعاون، لكنه يكشف حدود وحدته عندما تصبح التهديدات عملية وفورية.
تكتسب الوساطات الخليجية وزنا أكبر لأنها تنبع من الحاجة لا من الرفاهية، فلم تعد دول الخليج قادرة على مراقبة المفاوضات من الخلف، لأن نتائجها ستحدد أمن الموانئ، واستقرار الطاقة، ومستقبل الاستثمار، وقدرة العواصم الخليجية على تقديم نفسها كمراكز آمنة في اقتصاد عالمي مضطرب.
بين هدنة تكتيكية وانفجار مؤجل
تقوم التسوية الحالية على وقف القتال وإعادة فتح المسارات الاقتصادية ومنح الدبلوماسية فرصة قصيرة.
تعمل هذه الصيغة كفرامل مؤقتة لا كمخرج سياسي، فهي تمنع الانزلاق السريع إلى حرب واسعة، لكنها لا تغير المنطق الذي قاد إليها، فكل طرف يريد وقفا للنار يخدم موقعه التفاوضي، لا تسوية تعيد تعريف قواعد الصراع.
سيناريو “لا حرب، لا سلام” هو الاحتمال الأكثر واقعية، فهو لا ينهي الصراع، بل ينظمه عند مستوى قابل للاحتمال سياسيا، ومكلف اجتماعيا واقتصاديا، ويصبح الخطر في الاعتياد على الأزمة، لأن الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة قادرة على الانكسار عند أول اختبار جدي.
يبقى سيناريو إعادة التصعيد حاضرا بقوة، خصوصا إذا اشتعل لبنان أو وقع حادث قاتل في هرمز، وعندها ستجد واشنطن وطهران نفسيهما أمام ضغط الهيبة والردع، وستصبح العودة إلى الضربات الواسعة أكثر احتمالا.
أما الانسحاب الأميركي فيعني انتقال الأزمة من سؤال الحرب مع إيران إلى سؤال من يدير النظام الإقليمي بعدها، فغياب الضامن الخارجي لا يصنع توازنا تلقائيا، بل يكشف ضعف الترتيبات القائمة ويدفع القوى المتنافسة إلى اختبار حدودها من جديد.
الخرائط التي لا تهدأ
تكشف الأزمة أن الشرق الأوسط لا يدار عبر اتفاق واحد، بل عبر توازن متأرجح بين سويات متداخلة من القوة، فالدبلوماسية لا تتحرك فوق الخريطة، بل داخلها؛ حيث تختلط الممرات الحيوية بالحدود المشتعلة، وتتقاطع حسابات العواصم مع قدرة الفاعلين المحليين على تعطيل المسار كله.
تنجح التهدئة عندما يتم الاعتراف بالسويات السابقة، فالمشكلة ليست في غياب الاتفاقات فقط، بل في أن كل اتفاق يولد داخل جغرافيا متوترة، حيث يمتلك أكثر من طرف القدرة على التخريب، وتتحول المسافات الضيقة، مثل جنوب لبنان ومضيق هرمز، إلى مفاتيح لحرب إقليمية واسعة.
الأشهر المقبلة اختبار لسؤال واحد، فهل تستطيع السياسة احتواء الخريطة، أم أن الخريطة ستفرض على السياسة حربا جديدة؟

