الموقف وحده لا يصنع فنا.. تمدد “نظام التفاهة” في الثقافة السورية

لحن قديم يعرفه الحضور، وكلمات جديدة لا تحتاج إلى شرح، ثم يبدأ الغناء، وترتفع الهواتف للتصوير، ويأتي التصفيق.

ينجح المشهد بسرعة لأنه لا يطلب من المستمع أكثر من التعرف إلى اللحن والمشاركة في إدانة هدف متفق عليه، لكن انتقال هذا النوع من التعبير من تجمع شعبي أو مقطع عابر إلى خشبة تقدم نفسها باعتبارها منبراً ثقافياً سوريا يفتح سؤالاً آخر، فمتى يتوقف التنفيس عن كونه فعلاً عفوياً، ويصبح جزءاً من صناعة التفاهة؟

السؤال لا يتعلق بالموقف السياسي الذي تحمله الأغنية، ولا بعدالة الغضب الذي تقف وراءه، إنما بما يحدث عندما يصبح الموقف نفسه بديلاً عن الكتابة والتلحين والاشتغال الفني، فلا تعود جودة العمل ضرورية وتكفي رسالته.

رداءة منظمة وليست ذوقاً سيئاً

من السهل اتهام الجمهور بأنه يبحث عن المادة الخفيفة، لكنه يتجاهل الدور الذي تؤديه المؤسسات والمنصات والجهات المنتجة، فالجمهور لا يقرر وحده ما يظهر على المسرح، وكيفية الحصول على التمويل، وما يُعاد بثه، وما يقدم بوصفه تعبيراً عن المرحلة.

التفاهة، بهذا المعنى، ليست صفة شخصية، فهي بيئة عمل تمنح الأفضلية للمادة الآمنة والسريعة والقابلة للقياس، ويريد المنظم فقرة يفهمها الجمهور فوراً، ويريد المنتج مشهداً يمكن اقتطاعه، وتبحث المنصة عن مادة تثير التعليقات.

يكتشف الفنان بدوره أن الطريق الأقصر إلى الظهور يمر عبر ما هو معروف مسبقاً من لحن مألوف، وشعار متداول، وقضية مشحونة أو شخصية تضمن السخرية منها انتشاراً واسعاً.

لا أحد يصدر قراراً بفرض الرداءة، فيكفي أن تُكافأ باستمرار حتى تصبح الاختيار العقلاني لكل من يريد البقاء داخل المشهد.

سبعمئة وخمسون فعالية.. وماذا بعد الرقم؟

أعلنت وزارة الثقافة السورية برنامجاً يضم أكثر من 750 فعالية في المحافظات بمناسبة الذكرى الأولى للتحرير.

شمل البرنامج المسرح والسينما والموسيقا والأمسيات الأدبية وأنشطة خاصة بالأطفال، ويعكس هذا الحجم محاولة واضحة لإعادة تشغيل حياة ثقافية، وسيكون ظالماً افتراض أن مئات الفعاليات متشابهة أو ضعيفة.

يكشف تصدّر الرقم للخطاب الرسمي عن طريقة محددة في تعريف الإنجاز، فتستطيع الإدارة إحصاء الحفلات والندوات وعدد الحاضرين والمنشورات، لكنها لا تملك مقياساً سهلاً لمدى استقلال العمل أو قدرته على طرح سؤال مزعج، فتتقدم الكمية تلقائياً، تصبح إقامة الفعالية أهم من محتواها، وملء البرنامج أهم من الأثر الذي سيبقى بعد انتهائه.

هذا النوع من الإدارة يفضل الأعمال الجاهزة، فأمسية تضم أغنيات يعرفها الناس أقل كلفة ومخاطرة من إنتاج موسيقي جديد، وعرض يحتفل بانتصار محسوم أسهل من مسرحية تناقش العدالة أو الخوف أو الانقسام الاجتماعي.

ومع ضيق الوقت وضعف الموارد، تتحول الحلول المؤقتة إلى عادة، ثم تقدم على أنها سياسة ثقافية.

نشيد وطني تحت ضغط الموعد

بدت المشكلة أوضح في مسابقة كتابة النشيد الوطني السوري وتلحينه، فأثارت المدة القصيرة والشروط الأولى اعتراضات فنية وقانونية، قبل أن تمدد الوزارة المهلة وتلغي شرطاً متعلقاً بالمقامات الموسيقية.

وعندما نُشرت النصوص السبعة المتأهلة، انتقد أكاديميون وشعراء مباشرة لغتها وضعف بعض تراكيبها وافتقارها إلى العمق الرمزي المتوقع من نشيد وطني، كما أثارت مشاركة نص ساهم الوزير في تأليفه أسئلة مشروعة حول الحياد.

تظهر هذه الاعتراضات الفارق بين إنتاج مادة لمناسبة قريبة وبناء رمز يفترض أن يعيش طويلاً، إضافة لسؤال أساسي لماذا تغيير نشيد ارتبط مع الأجيال منذ “الجمهورية الأولى”.

سوريا ليست شركة تبحث عن شعار إعلاني جديد، فهي بلد خرج من حرب وانقسام، ولا يزال مختلفاً على ذاكرته وتعريف دولته وعلاقة مكوناته بعضها ببعض.

حين تُضغط هذه الأسئلة داخل مسابقة ذات جدول إداري، يصبح إعلان النتيجة إنجازاً قائماً بذاته، وينتهي الأمر بنص صحيح الوزن والقافية لكنه لا يقول شيئاً، وهنا تصل التفاهة إلى وظيفتها الأهم؛ منح الكلمات العادية مظهر الحدث التاريخي.

المأساة تدخل موسم الدراما

ظهر المعتقل السياسي والسجن والاختفاء القسري بقوة في دراما 2026، وتم إنتاج أعمال مثل “القيصر: لا مكان لا زمان” و”الخروج إلى البئر”، وتابعت الدراما ملفات ظلت سنوات خارج الشاشة السورية.

كسر هذا الصمت ضروري، إلا أن تزامن الأعمال فتح نقاشاً حول السرعة التي تحولت بها مأساة المعتقلين إلى نوع تلفزيوني مطلوب.

تعتمد بعض هذه الأعمال على تكثيف مشاهد القسوة لصناعة أثر عاطفي سريع يلائم منافسة الموسم وحسابات المشاهدة، وانتقد كتّاب وفنانون ما عدّوه استثماراً تجارياً في آلام الضحايا، الخطر ليس في تمثيل العذاب، بل في تحويله إلى بديل عن فهمه.

يتأثر المشاهد بالضحية، ثم تنتهي الحلقة من دون أن يرى المؤسسة التي صنعت الجلاد أو الظروف التي سمحت باستمرار الجريمة، فتحصل المأساة على إضاءة وتصوير جيدين، بينما تفقد سياقها.

يخرج الجمهور بشعور أنه واجه الماضي، مع أن ما حدث فعلياً لا يتجاوز استهلاك صورة عنه.

من دمشق إلى بقية البلاد

للظاهرة بعد مكاني أيضاً، تُكتب عناوين المناسبات في المركز، ثم تتحول إلى برامج تنفذها المديريات والمراكز الثقافية في المحافظات.

في المقابل، منحت وسائل التواصل الأطراف قدرة جديدة على التأثير، فيبدأ مقطع في حماة أو إدلب، ثم ينتشر ويدخل حفلات أخرى لأن تفاعله مرتفع، وتتلقفه مؤسسة رسمية لاحقاً، فتمنحه صفة ثقافية لم تكن موجودة في بدايته.

المنصة تختبر قابلية الانتشار، والمؤسسة تمنح الشرعية، وبين الاثنتين تضيق المساحة المتاحة للعمل الهادئ الذي لا يحمل عبارة سهلة أو صورة صادمة.

المشكلة أن تتحول سردية السلطة إلى القالب الوحيد الممكن، وأن تقاس مشاركة المحافظات بمدى ترديدها له.

بقي المعيار القديم

غيّر المشهد السوري موضوعاته بسرعة، لكن تغيير القواعد لم يتبدل، فما زال الاصطفاف السياسي يفتح أبواباً ويغلق أخرى، وما زالت المناسبة تحدد ما سيكتبه الشاعر ويعرضه المسرح، وتبدلت اللغة، فيما بقي الفنان مطالباً بالتقاط العبارة المرغوبة في الوقت المناسب.

لن تُقاس حرية الثقافة بعدد المرات التي تهاجم فيها سلطة انهارت، فالامتحان الأصعب يبدأ عندما تقترب من السلطة الموجودة، أو ترفض تحويل ذاكرة الضحايا إلى موسم تجاري، أو تنتج عملاً لا يصلح لمقطع قصير ولا يمنح الجمهور إجابة مريحة.

عندها يمكن الحديث عن خروج ثقافي حقيقي من الماضي، وخلق تاريخ أفضل منه، أما الاكتفاء بتغيير الكلمات وفرض معايير لا أخلاق فيها ولا متعة فنية ولا رقي وتجدد، لا يُصنع مرحلة جديدة، إنه يمنح التخلف والظلم لحناً يستسيغه أصحاب الذائقة الفنية الذين يعيشون على نشوة النصر الزائف وسوريا الجديدة.

تمدد التفاهة في الثقافة السورية – قراءة بيانية

750+
فعالية ثقافية
بمناسبة الذكرى الأولى للتحرير
7
نصوص نشيد وطني
متأهلة – أثارت انتقادات
3
انتقادات رئيسية
لغة، عمق، حياد اللجنة
دراما المعتقلين
“القيصر” و”الخروج إلى البئر”

توزيع الفعاليات حسب النوع

تقديري بناءً على البرنامج المعلن

أوجه الانتقاد للنشيد الوطني

حسب آراء الأكاديميين والشعراء

تزايد الأعمال الدرامية عن ملف المعتقلين (2025-2026)

ارتفاع ملحوظ بعد سنوات من الصمت – بحسب إنتاج 2026

معايير التقييم في المشهد الثقافي الحالي

حسب المقال: الأفضلية للمادة السريعة، القابلة للانتشار، والجاهزة

خلاصة تحليلية

  • الكمّ مقابل الكيف: 750 فعالية – لكن الأولوية لملء البرنامج على حساب الجودة والاستقلالية.
  • النشيد الوطني: انتقادات لغوية ورَمزية، ومشاركة وزير الثقافة في التأليف تثير تساؤلات حول الحياد.
  • دراما المعتقلين: كسر الصمت ضروري، لكن تحويل المأساة إلى استهلاك تجاري وسرعة إنتاج يهددان السياق.
  • التفاهة المنظمة: ليست ذوقاً سيئاً، بل بيئة تفضي إلى الأعمال الآمنة والسريعة والقابلة للقياس.
  • المركز والأطراف: البرامج تُصمم في دمشق وتُنفذ في المحافظات، بينما تفرض المنصات معايير الانتشار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *