تطرح حوادث التحريض والعنف التي “دمجت” مع العدالة الانتقالية في سوريا سؤالا يتجاوز حدود المحاسبة القانونية، فمن يملك حق تعريف الجاني في المرحلة الجديدة؟
يزداد هذا السؤال حساسية عندما تظهر السلطة الانتقالية بهوية ثقافية وسياسية واضحة، أو تقرأ اجتماعيا بوصفها امتدادا لجماعة منتصرة في الحرب، فيصبح التحريض أكثر من خطاب عابر في الشارع أو على المنصات، ويتحول إلى أداة فرز بين جماعة تشعر بأنها صاحبة الشرعية وجماعات يطلب منها إثبات البراءة.
الأخبار الواردة منذ بداية حزيران 2026 قدمت نموذجا مكثفا لهذا التوتر، عبر مظاهرة تطالب بإخراج “فلول النظام السابق” قرب دمشق، وتهديدات في حماة بحق من كانوا يؤيدون النظام، واعتداءات في إدلب ضد أشخاص اتهموا بأداء الخدمة الإلزامية، وتصريحات رسمية تتحدث عن عدالة انتقالية بلا انتقام.
هذه الوقائع لا تكشف فقط صعوبة ضبط الشارع بعد الحرب، بل أثر هوية السلطة في تشكيل الحدود بين العدالة والثأر.
هوية السلطة كرسالة سياسية
تظهر السلطة الانتقالية في سوريا، في صورتها العامة وخطابها السياسي وسلوكها الإداري، كسلطة ذات هوية إسلامية سنية محافظة، متصلة بالبيئة الفصائلية التي صعدت من شمال البلاد، وتحمل إرثا حركيا وعسكريا واضحا في بنية قياداتها وشبكاتها.
هذه الهوية لا تظهر فقط في المظهر الشخصي لبعض المسؤولين، بل في اللغة المستخدمة لتوصيف المرحلة، وفي ترتيب الأولويات، وفي طريقة التمييز بين “أبناء الثورة” و”فلول النظام السابق”، فلا تعود الهوية مسألة رمزية محايدة، بل جزءا من آلية إنتاج الشرعية؛ من يقترب من هذه الهوية يقرأ بوصفه أقرب إلى المجال المنتصر، ومن يبتعد عنها يجد نفسه داخل دائرة الاشتباه السياسي أو الاجتماعي.
تساعد هذه البنية على تغذية التحريض لأنها تمنح الخطاب الشعبي ضد “الفلول” غطاء ضمنيا، فحين يرى الشارع أن السلطة نفسها تنتمي ثقافيا وسياسيا إلى معسكر محدد من معسكرات الحرب، يصبح من السهل على جماعات محلية أن تتصرف كما لو أنها تنفذ الإرادة العميقة للمرحلة، حتى عندما لا يصدر أمر رسمي بذلك.
هنا يتحول التحريض من خطاب غضب عابر إلى ممارسة تستمد قوتها من تصور شائع بأن الدولة الجديدة أقرب إلى جماعة منتصرة منها إلى جهاز وطني محايد.
تتضاعف خطورة هذا المناخ عندما يبقى تعريف “الفلول” خارج الضبط القانوني، فالمصطلح، حين يترك للشارع والجماعات المحلية، لا يعود وصفا لمتورطين محددين في جرائم موثقة، بل يتحول إلى أداة تصنيف واسعة تلحق الشبهة بأفراد وجماعات بناء على مواقعهم السابقة أو انتماءاتهم أو صورتهم الاجتماعية.
عند هذه النقطة، تفقد العدالة الانتقالية معناها القانوني، وتتحول إلى فرز طائفي وثقافي بين جماعة تمنح نفسها حق الاتهام، وأخرى تدفع إلى موقع الدفاع الدائم عن براءتها.
المصطلح كأداة سلطة
تكتسب كلمة “الفلول” خطورتها من وظيفتها السياسية أكثر من معناها اللغوي، فهي لا تعمل فقط بوصفها توصيفا لبقايا النظام السابق، بل أداة تمنح المتكلم سلطة الفرز بين المقبول والمشبوه، وبين المواطن الذي يدخل المرحلة الجديدة بلا عبء، والمواطن الذي يظل مطالبا بتقديم ما يثبت انفصاله عن الماضي.
المصطلح وفق هذه الصورة يصبح جزءا من آلية ضبط اجتماعي، لا مجرد تعبير عن غضب شعبي.
تحتاج العدالة الانتقالية إلى لغة دقيقة لأنها تتعامل مع جرائم ومسؤوليات وحقوق، أما التحريض فيستخدم لغة مرنة، قادرة على التمدد بحسب الحاجة السياسية أو المحلية، وكلما ظل المصطلح خارج التعريف القانوني، ازدادت قابليته للتحول إلى تهمة جاهزة، تستخدم في المجال العام قبل أن تصل إلى القضاء، وتنتج أثرها العقابي حتى من دون حكم أو تحقيق.
تظهر المشكلة هنا في انتقال مركز الاتهام من المؤسسة القضائية إلى الجماعة، فبدلا من أن تحدد الدولة، عبر ملفات وأدلة، من ارتكب جريمة قابلة للمحاسبة، يصبح الشارع أو الفاعلون المحليون قادرين على إنتاج الشبهة وتداولها وفرض نتائجها.
عند هذه اللحظة، لا يعود الخطر في الكلمة وحدها، بل في السلطة الاجتماعية التي تمنحها القدرة على عزل الأشخاص وإسكاتهم وتهديدهم.
يمثل ضبط المصطلحات جزءا أساسيا من بناء الدولة، فعند تترك الكلمات العقابية بلا تعريف تترك معها باب العقاب مفتوحا خارج القانون، والدولة التي تريد عدالة انتقالية فعلية مطالبة بأن تنقل النقاش من توصيفات عامة إلى معايير محددة.
هوية السلطة كبيئة منتجة للتحريض
يكتسب التحريض خطورته في سوريا من موقعه داخل بنية السلطة الجديدة، لا من كونه خطابا منفلتا في الشارع فقط.
السلطة الانتقالية، كما تظهر في صورتها العامة وخطابها وتحالفاتها، هذه الهوية تمنحها قاعدة شرعية لدى جزء من المجتمع، لكنها في الوقت نفسه تجعل علاقتها بالفئات المصنفة خارج سردية “الانتصار” علاقة ملتبسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمن ينسبون إلى النظام السابق أو إلى بيئاته الاجتماعية والسياسية.
لا يعمل التحريض بوصفه فائض غضب شعبي، بل امتدادا غير مصرح به لمنطق السلطة، فالجماعات المحلية التي تطلق تهديدات لا تحتاج دائما إلى أمر مباشر كي تشعر بأنها تتحرك في الاتجاه الصحيح؛ يكفي أن ترى أن السلطة الجديدة تشاركها الإطار الرمزي نفسه، وأنها أكثر تشددا مع خصومها السياسيين مما هي مع الخطاب الذي يستهدف خصوم المرحلة.
بهذا الشكل يصبح الصمت الرسمي جزءا من لغة الحكم، وتتحول الهوية الغالبة إلى إشارة يفهمها الفاعلون على الأرض بوصفها تفويضا ضمنيا.
السلطة لا تقف فوق الانقسام الاجتماعي بقدر ما تبدو، لذلك يصبح خطاب القانون أقل قدرة على الإقناع عندما لا يرافقه سلوك محايد، فالدولة التي تعلن رفض الثأر، ثم تتأخر في محاسبة من يهدد أو يعتدي باسم الثورة أو باسم محاسبة النظام السابق، تترك انطباعا بأن القانون موجه ضد طرف أكثر مما هو قاعدة عامة.
عندها لا يعود التحريض مجرد مخالفة تحتاج إلى ضبط، بل يصبح اختبارا لطبيعة الدولة نفسها، هل هي سلطة وطنية تعيد تعريف السوريين كمواطنين متساوين، أم سلطة منتصرة تدير الهزيمة الاجتماعية للآخرين؟
خطورة التحريض أنه يكشف حدود الحياد داخل السلطة الجديدة، فكلما بدت الهوية الإسلامية الفصائلية للسلطة إطارا غير معلن لتحديد من يستحق الثقة ومن يستحق الاشتباه، ازدادت قدرة الخطاب التحريضي على الانتشار.
كلما تأخرت الدولة في قطع الصلة بين هويتها السياسية وبين ممارسات الشارع المؤيد لها، ترسخ الاعتقاد بأن العنف ضد الفئات المصنفة كـ”بقايا” ليس خروجا على الدولة، بل تعبيرا خشنا عن مزاجها العميق.
من السيطرة على الحكم إلى السيطرة على المعنى
تظهر خطورة الهوية السياسية للسلطة الجديدة عندما تنتقل من مستوى الرمز إلى مستوى الإدارة، فالهوية ذات الذاكرة الفصائلية لا تبقى مجرد خلفية ثقافية للقيادات، بل تبدأ بالتأثير في طريقة توزيع الثقة داخل مؤسسات الدولة، وفي اختيار الكوادر، وفي ترتيب الأولويات الأمنية، وفي تحديد القضايا التي تستدعي استجابة سريعة وتلك التي تترك للمساومة أو التأجيل.
لا تكمن المسألة في شكل السلطة أو خطابها وحدهما، بل في ترجمة هذه الهوية إلى علاقات قوة يومية، فالمواطن يراقب من يصدق، ومن يشتبه به، ومن تسمع شكواه، ومن يحتاج إلى وساطة كي يحمي نفسه، وعندما يشعر جزء من المجتمع بأن موقعه من هوية السلطة يحدد درجة حمايته، يصبح التحريض أكثر فعالية لأنه يجد أرضا مؤسسية تساعده على الانتشار.
تتحول الهوية هنا إلى عدسة غير معلنة لقراءة المجتمع، فالمؤسسات والقريبون يتصرفون وفق إحساس بأنهم يمثلون روح المرحلة، لا مجرد موظفين في دولة انتقالية، ما يمنحهم هامشا واسعا في التعامل مع المختلفين، ويجعل الخطأ الصادر عنهم قابلا للتبرير بوصفه حماسة أو رد فعل، بينما يقرأ السلوك نفسه من طرف آخر كتهديد أو بقايا نفوذ أو مقاومة للمرحلة الجديدة.
من الحماية القانونية إلى حماية الهوية
تقاس الدولة في المراحل الانتقالية بقدرتها على نقل الناس من حماية الجماعة إلى حماية القانون، وفي سوريا عندما تأتي سلطة جديدة بهوية واضحة، يصبح السؤال الأساسي، فهل تمنح هذه السلطة حماية متساوية لكل السوريين، أم تجعل القرب منها شرطا غير معلن للأمان؟
تظهر حماية الهويات عندما يشعر الأفراد أن علاقتهم بالقانون تمر أولا عبر موقعهم من هوية السلطة، فليست المشكلة في إجراء إداري بعينه، بل في الإحساس العام بأن الأمان لم يعد حقا مضمونا بالمواطنة، بل امتيازا يتدرج بحسب القرب من البيئة الغالبة.
يؤدي غياب الحماية المتساوية إلى نتيجة مباشرة، فيبحث الأفراد عن الأمان في الصمت أو الولاء الظاهري أو الانسحاب من المجال العام، فيصبح التحريض أداة فعالة حتى من دون عنف واسع، لأنه ينجح في دفع فئات كاملة إلى الرقابة الذاتية.
الخوف من الاتهام يكفي لإنتاج الطاعة، والخشية من فقدان الحماية يعيد تشكيل السلوك الاجتماعي والسياسي.
العدالة عند حدود الشبكات القريبة من السلطة
تواجه السلطة الانتقالية اختبارها الحقيقي عندما تقترب المحاسبة من شبكاتها الخاصة أو من الأطراف التي تشترك معها في الذاكرة السياسية والعسكرية.
محاسبة رموز النظام السابق لا تكفي لإثبات حياد السلطة؛ لأن المعيار الحياد يبدأ عندما يصبح السؤال متعلقا بمن ارتكب انتهاكا وهو قريب من السلطة الجديدة، أو محسوب على بيئتها، أو مغطى بخطابها العام.
العدالة الوطنية لا تلغي التفاوت في حجم الجرائم بين الأطراف، لكنها ترفض تحويل هذا التفاوت إلى حصانة، أما التوقف عند الحدود التي تمس توازن السلطة وتحالفاتها فإن مفهوم العدالة يتحول كليا.
الضحايا الذين لا يجدون مكانا في السردية الرسمية سيشعرون بأن الدولة لا تعترف بألمهم إلا عندما يخدم روايتها، والمتهمون القريبون من السلطة سيفهمون أن موقعهم السياسي يوفر لهم حماية عملية، والمجتمع، مع الوقت، سيقرأ المحاسبة بوصفها أداة لإدارة المنتصرين لا قاعدة عامة لبناء دولة.
التحريض بوصفه اختبارا للسيطرة على المؤيدين
تستطيع أي سلطة أن تضبط خصومها بالقوة، لكن اختبار الدولة يبدأ في قدرتها على ضبط مؤيديها، فالتحريض الصادر من المجال القريب من السلطة أكثر خطورة من التحريض المعارض لها، لأنه يستند إلى قرب رمزي من مركز القرار، ويستفيد من التردد الرسمي في الصدام مع الجمهور المؤيد.
تحتاج السلطة التي تريد بناء شرعية وطنية إلى قطع العلاقة بين التأييد والحصانة، فالمؤيد الذي يهدد أو يحرض أو يعتدي لا يصبح أقل خطرا لأنه يستخدم لغة المرحلة الجديدة، فخطورته أكبر لأنه يشوه العدالة من داخلها، ويجعلها تبدو انتقاما مغلفا بشعارات سياسية.
أول اختبار عملي للسلطة ليس في ملاحقة خصومها السابقين، بل في محاسبة من يزعمون الدفاع عنها عندما يتجاوزون القانون.
هذا النوع من المحاسبة لا يضعف السلطة، بل يقويها، لأنه يقول للمجتمع إن الدولة ليست ملكا لجمهورها الأقرب، وإن القانون لا يعمل باتجاه واحد.
ويرسل رسالة إلى الضحايا والمتهمين والرماديين والخائفين بأن المرحلة الجديدة لا تطلب منهم الانتماء إلى هوية السلطة كي يحصلوا على الحماية.
من شرعية الغلبة إلى شرعية الضمان
تملك السلطة الجديدة شرعية ناتجة عن نهاية عهد سابق، لكنها تظل مؤقتة ما لم تتحول إلى ضمان لحقوق من خسروا سياسيا، ومن وقفوا على الهامش، ومن يخافون من المرحلة الجديدة، ومن لا يجدون أنفسهم داخل هويتها الثقافية.
هذا الانتقال يحتاج إلى إعادة تعريف وظيفة السلطة، فالحكم في مرحلة ما بعد الحرب لا يعني إدارة المكاسب فقط، بل إدارة الخوف.
تساعد هوية السلطة في فهم هذا المأزق لأنها تكشف حدود الشمول الوطني، فالسلطة ذات الذاكرة الفصائلية تستطيع أن تقدم نفسها كقوة تحرير، لكنها تحتاج إلى جهد إضافي كي تتحول إلى دولة. وهذا الأمر لا يتحقق بالخطاب التصالحي، بل بإجراءات تثبت أن الهوية السياسية للحاكم لا تتحول إلى معيار للحقوق، وأن موقع المواطن من الماضي لا يلغي حقه في الحماية والدفاع والكرامة.
الدولة التي تبدأ من ضبط ذاتها
تكشف قضية التحريض في سوريا أن العدالة الانتقالية لا تختبر فقط في ملفات النظام السابق، بل في قدرة السلطة الجديدة على ضبط ذاتها ومجالها القريب.
الخطر لا يأتي من وجود هوية ثقافية وسياسية للسلطة، بل من تحول هذه الهوية إلى بنية فرز داخل الدولة والمجتمع، فيصبح القرب من السلطة مصدرا للثقة، والبعد عنها مصدرا للشبهة، وتفقد المواطنة معناها كعلاقة قانونية متساوية.
تحتاج سوريا إلى عدالة تبدأ من قاعدة واضحة؛ الجريمة لا الهوية هي أساس المحاسبة، والدليل لا الشبهة هو أساس الاتهام، والقانون لا الغلبة هو مصدر الشرعية.
كلما نجحت السلطة في تطبيق هذه القاعدة على محيطها قبل خصومها، اقتربت من الدولة، وإذا تجنبت ذلك، بقيت أسيرة ذاكرة الفصيل والجماعة المنتصرة.
بهذا المعنى، لا يتحدد مستقبل العدالة الانتقالية في سوريا بعدد المحاكمات وحدها، بل بنوعية الرسالة التي ترسلها الدولة إلى المجتمع. رسالة تقول إن السلطة الجديدة جاءت لتدير انتصار طرف، أو رسالة تقول إن نهاية النظام السابق ستكون بداية عقد وطني لا يسمح بإنتاج الخوف تحت أي مسمى.

