في الدوحة، دعا المبعوث الأميركي توماس براك “إسرائيل” إلى وقف عملياتها داخل سوريا، لكنه ترك احتمال تدخل واشنطن بلا حسم.
وفي الوقت نفسه، طرح تفاهما أمنيا مع “تل أبيب”، وربط استقرار البلاد بدمج القوى المسلحة في مؤسسات الدولة، وفي وقت لاحق وصف لقاءه بالرئيس الانتقالي أحمد الشرع في دمشق بأنه مثمر، من دون كشف ما نوقش أو ما تحقق.
تكشف هذه الرسائل تفاوتا في توزيع الأعباء، فواشنطن تحدد ملامح الترتيب الإقليمي، فيما تترك لسلطة دمشق والقوى المحلية مهمة ضبط الأرض وتنفيذ التفاهمات، وهنا تكمن الفجوة بين خطاب الاستقرار وبين أدوات فرضه.
من الجغرافيا إلى وظيفة الدولة
تظهر أهمية سوريا الإقليمية من موقعها واتصال جبهاتها ومساراتها بملفات متداخلة، حيث جنوبها يجاور “إسرائيل” والأردن، وشمالها ساحة تقاطع للمصالح السورية والتركية، وشرقها يرتبط بالعراق وبقوى محلية ودولية.
هذا الواقع يجعل أثر أي خلل في سلطة الدولة على جزء من أراضيها يتجاوز حدوده المحلية، ويمتد إلى التوتر على الحدود والتنافس على النفوذ واحتمال نشوء أزمات بين قوى خارجية.
وفق هذا التصور يصبح حديث براك عن دمج قوى كانت تعمل خارج مؤسسات الدولة أكثر من إشارة إلى ترتيب عسكري، فهو يضع بناء سلطة مركزية قادرة على بسط نفوذها ضمن شروط الاستقرار الإقليمي.
كما قدم دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش الوطني مثالا على تحول كان يراه كثيرون مستبعدا، لكن هذا الوصف لا يثبت اكتمال الدمج؛ فالاتفاق بين سلطة دمشق و”قسد” يبقى رهن خلافات في تنفيذه مرتبطة بالآليات ومستقبل الإدارة الذاتية.
التفاهم مع “إسرائيل”.. بوابة أمنية أم ترتيب سياسي أوسع؟
في الدوحة، دعا براك “إسرائيل” إلى وقف عملياتها داخل سوريا، لكنه قال إنه لا يعرف إن كان التدخل الأميركي المباشر هو الطريق المناسب.
كما أوضح أن الشرع مستعد لتفاهم أمني مع “إسرائيل”، يمكن أن يشمل اتفاقا لعدم الاعتداء ويفتح لاحقا مسارا نحو التطبيع، وتصريحاته عن فرص التفاهم لا تعني وجود اتفاق نهائي، فالمفاوضات تتعثر بشكل دوري بسبب خلافات قائمة.
صياغة باراك تضع الأمن في مقدمة أي علاقة سورية – “إسرائيلية” مقبلة، فالتفاهم الذي يتحدث عنه بخفض احتمالات الاحتكاك على الحدود وتحديد قواعد تمنع التصعيد، وأما التطبيع، فيظهر كاحتمال لاحق، لا كخطوة وشيكة، وهذا الأمر يوضح أن الاتفاق الأمني يعالج المخاطر المباشرة، بينما التطبيع يعيد تشكيل العلاقة السياسية ويحتاج إلى قبول داخلي وإقليمي أوسع.
هذا الموقف يحمل تناقضا واضحا، فواشنطن تدعو “إسرائيل” إلى وقف العمليات، لكنها لا تعلن استعدادها لفرض هذا المطلب، وسلطة دمشق، من جهتها، تدخل أي تفاوض من موقع لا تملك فيه السيطرة الكاملة على ميزان القوة العسكري، والتفاهم الأمني، إن عاد إلى الطاولة، لن يتوقف على رغبة الأطراف في الحوار إنما على الضمانات، وحدود الانسحاب، وآليات مراقبة التنفيذ، وما إذا كانت “إسرائيل” ستعتبر الترتيب كافيا لمخاوفها الأمنية.
واشنطن وسياسة تقاسم المسؤولية
تتصل تصريحات براك عن سوريا برؤيته الأوسع لدور الولايات المتحدة في المنطقة، فهو انتقد في الدوحة تجارب تغيير الأنظمة والتدخلات العسكرية، وقال إن واشنطن تعيد النظر في مسؤولياتها وتريد أن تكون طرفا مساعدا، مع تحمل دول المنطقة حصة أكبر من أعباء الأمن، وفي الشأن السوري، ظهر هذا التوجه في دعوته إلى التفاوض، وامتناعه عن تبني تدخل أميركي مباشر لوقف العمليات الإسرائيلية.
عمليا يمنح هذا النهج واشنطن مساحة للوساطة بين سلطة دمشق و”إسرائيل”، ويشجع إعادة ترتيب المؤسسات السورية، من دون تقديم تعهد أمني مفتوح، ويمنح تركيا والدول العربية أدوارا أكبر في دعم التسويات أو احتواء تداعياتها، لكنه يبقي الوساطة الأميركية قوة الدور الأمريكي في مساحة رمادية مع امتناع واشنطن عن استخدام نفوذها عندما تتعطل المفاوضات أو تتواصل العمليات العسكرية.
تظهر هنا حدود خطاب “المسؤولية الإقليمية”، فالدول المحيطة بسوريا لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة السورية أو على توزيع السلطة فيها، كما تختلف مصالحها الأمنية.
تحويل سوريا إلى نقطة ارتكاز للاستقرار يتطلب توافقا على قواعد واضحة، لا مجرد دعوة عامة إلى مواءمة المصالح.
دمج القوى يختبر السيادة على الأرض
على المستوى الداخلي، يربط خطاب براك بين استقرار سوريا وقدرة الدولة على استيعاب القوى المسلحة ضمن مؤسساتها.
هذا المسار يمس توزيع السلطة والموارد والإدارة المحلية، خصوصا في المناطق التي تسيطر عليها قوى غير مركزية، ونجاحه سيقوي مؤسسات الدولة ويقلل احتمالات استخدام الأراضي السورية في صراعات بالوكالة، أما تعثره، فيبقي الترتيبات الأمنية موزعة بين مراكز نفوذ متعددة، ويجعل أي تفاهم خارجي أقل ثباتا.
لكن الدمج ليس قرارا تقنيا يقتصر على نقل وحدات عسكرية إلى وزارة الدفاع، فهو تفاوض على القيادة والتمويل والتجنيد والإدارة المحلية والحقوق السياسية، ولا تكفي الإشادة الأميركية بإمكان إدماج “قسد” لإثبات أن الشروط حسمت، كما أن الاستقرار الذي تتحدث عنه واشنطن يتطلب مؤسسات تستطيع إدارة التنوع المحلي، لا فرض مركزية شكلية لا تملك أدوات التنفيذ.
المسافة بين الرسالة والاتفاق
اجتماع براك والشرع في دمشق أكد أن الاتصال السياسي مستمر، لكنه لم يكشف تفاصيل الملفات التي نوقشت.
قالت الرئاسة السورية إن اللقاء تناول تطورات سوريا والمنطقة والتعاون والتنسيق في ملفات مشتركة، فيما ركز منشور براك على الاستقرار الإقليمي ورؤية ترامب لمنطقة آمنة ومزدهرة، ولم يعلن أي من الطرفين اتفاقا جديدا أو جدولا زمنيا لتنفيذ تفاهمات أمنية.
ترسم تصريحات براك توجها تفاوضيا، فيما تبقى أدوات تنفيذه وموقف واشنطن عند تعثره غير معلنين، ويتحدد وزنها السياسي بانتقالها إلى ترتيبات واضحة ونتائج ملموسة على الأرض.
وفق ما قاله المبعوث الأمريكي إلى سوريا فهناك تصور أكثر مركزية، وانخراط في تفاهمات إقليمية، واستعداد أميركي محدود لتحمل كلفة فرض هذا المسار، وانتقال سوريا من ساحة تنافس إلى طرف فاعل يتوقف على ضمانات أمنية ومؤسسات دولة قادرة؛ وإلا بقيت عالقة في “مكعب” الأزمات، فيما تظل قدرة سلطة دمشق وواشنطن على تغيير قواعده موضع اختبار.
مسارات الاستقرار السوري كما رسمتها تصريحات براك
مخطط علاقات سببي: اختر دائرة لإبراز الروابط المرتبطة بها. الخطوط تمثل مسارات مطروحة في الخطاب، ولا تثبت وجود اتفاق نافذ.
توحيد المؤسسات والتفاهم الأمني يلتقيان عند قدرة الدولة على ضبط الأرض.
المصادر: الجزيرة · لوريان توداي · سانا

