لا تظهر سوريا في تصريحات توماس باراك كملف منفصل، بل كحلقة تتقاطع فيها مخاوف أمنية متبادلة من شكل الحكم في دمشق وارتباطه بمستقبل “قسد” وحسابات تركيا، إلى أمن الحدود وما يتصل بعلاقة سوريا بـ”إسرائيل”، ومحاولة واشنطن تقليص دورها العسكري مع الاحتفاظ بنفوذها الدبلوماسي.
بهذا الترابط، يصبح أي حديث عن دمج القوات أو مركزية الدولة أو التفاهم مع “إسرائيل” مؤثراً في توازنات الجوار، لا شأناً سورياً داخلياً فحسب.
لكن مقارنة التصريحات تكشف فجوة بين إعلان أن السوريين يختارون شكل دولتهم وبين استبعاد الفيدرالية والدفع نحو المركزية، وبين انتقاد الضربات “الإسرائيلية” والترويج لاتفاق أمني يقود إلى التطبيع.
ويبرز تصريح الجولان، الذي أعقبه توضيح يؤكد ثبات السياسة الأمريكية، بوصفه التصحيح الأوضح؛ أما بقية الأمثلة فتُظهر توترات وتبدلات في الخطاب أكثر مما تثبت تراجعات مباشرة، لذلك لا تكفي التصريحات وحدها لإثبات قيام استراتيجية إقليمية مكتملة أو اتفاقات منجزة، لكنها تكشف تصوراً أمريكياً يربط استقرار سوريا بترتيب علاقاتها الأمنية مع جيرانها، مع إبقاء حدود الالتزام الأمريكي غير محسومة.
تصريحات توماس باراك: أين تغيّرت المواقف؟
رصد تفاعلي للتناقضات والتراجعات والتوترات في تصريحاته عن سوريا، من مايو/أيار 2025 حتى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
تصنيف أزواج التصريحات
عدد الملفات في كل فئة. قد يجمع الملف الواحد بين أكثر من نوع، لذلك لا يلزم أن يساوي مجموع الأعمدة عدد الملفات.
الفيدرالية: «لا تنجح» أم خيار يقرره السوريون؟
توتر في الموقفقال إن الفيدرالية «لا تنجح» في سوريا، وإن الطريق الوحيد أمام «قسد» هو دمشق.
قال إن واشنطن لا تملي شكل الدولة، وإن السوريين هم من يقررون إذا اختاروا نظاماً اتحادياً.
التقييم: ليس تناقضاً حرفياً كاملاً؛ فهو يقر نظرياً بحق الاختيار، لكنه يعلن في الوقت نفسه حكماً سلبياً مسبقاً على الفيدرالية ويدفع نحو المركزية.
من تفضيل المركزية إلى وصف كل النماذج بأنها «أوهام»
تغيّر في الصياغةتوقع حكومة سورية «مركزية وشاملة» واستبعد قيام اتحاد فدرالي.
قال إن المركزية واللامركزية والفيدرالية «كلها أوهام»، وإن القرار يعود إلى شعوب المنطقة.
التقييم: تراجع عن تبني المركزية بوصفها وصفة معلنة، أو تعديل للخطاب باتجاه عدم فرض نموذج. لكنه لم يوضح كيف ينسجم ذلك مع استبعاده السابق للفيدرالية.
«قسد»: شريك أساسي في الحرب على داعش أم قوة ينبغي أن تندمج سريعاً؟
توازن ضاغطوصف «قسد» بأنها شريك مهم للولايات المتحدة في مكافحة تنظيم الدولة.
انتقد بطء التفاوض، وحث القوات على الإسراع في الاندماج، محذراً من خلافات مع دمشق وأنقرة.
التقييم: ليس تناقضاً منطقياً بذاته؛ يمكن أن تكون «قسد» شريكاً أمنياً مع مطالبتها بالاندماج. التوتر سياسي: واشنطن تشيد بدورها، لكنها تضغط لتقليص استقلال قرارها العسكري والإداري.
إدانة أثر الضربات الإسرائيلية مقابل الدفع نحو اتفاق وتطبيع
تباين في الأولوياتقال إن التدخل الإسرائيلي جاء في توقيت سيئ وعقّد الاستقرار، وتساءل عن مشروعية تدخل دولة في شؤون دولة ذات سيادة.
دعا إلى اتفاق أمني وحدودي بين سوريا وإسرائيل، يتطور نحو التطبيع، وقال إن دمشق تنفذ ما تطلبه واشنطن لدفع المسار.
التقييم: ليس تناقضاً مباشراً بين رفض الضربات والتفاوض؛ لكنه يكشف توتراً بين انتقاد السلوك الإسرائيلي وبين جعل التفاهم والتطبيع أولوية دبلوماسية، مع تركيز التصريحات على استعداد دمشق.
أسوشيتد برس عبر PBS، 21 يوليو 2025ذا ناشيونال، 5 ديسمبر 2025
الجولان: وصفه بالاحتلال ثم التوضيح بأن ذلك لا يغيّر السياسة الأمريكية
تصحيح علني مباشرقال إن إسرائيل «لا تزال تحتل الجولان» خلافاً لقرارات الأمم المتحدة، وإن النظام الدولي يعتبره سورياً.
قال إن كلامه وصف للسياق التاريخي، لا تأييد لموقف الأمم المتحدة، وإن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير.
التقييم: أوضح حالة تراجع أو تصحيح في السجل المرصود: العبارة الأولى بدت متعارضة مع اعتراف إدارة ترامب بسيادة إسرائيل على الجولان، ثم قيّدها باراك وأكد ثبات السياسة الرسمية.
تقليص الوجود العسكري الأمريكي مع تأكيد أن واشنطن «لن تغادر»
تفاوت بين الوجود والدورتحدث عن خفض القواعد الأمريكية في سوريا من ثماني قواعد إلى قاعدة واحدة.
قال إن الولايات المتحدة لا تريد «امتلاك» المنطقة أو التحكم بها، لكنها «لن تغادر» الشرق الأوسط.
التقييم: لا تناقض حتمي: تقليص القواعد لا يعني انسحاباً كاملاً، وباراك يصف انتقالاً من دور الضامن المباشر إلى الشراكة. لكن عبارة «لن نغادر» لا تحدد حجم الوجود أو التزاماته، فتترك نطاق الدور غامضاً.
السلام «وهم» ثم سوريا «محورية» لتحقيق سلام دائم
تناقض بلاغي محتملقال إن السلام في الشرق الأوسط «وهم»، وإنه ربما لن يتحقق سلام في المنطقة.
قال إن سوريا تؤدي دوراً محورياً في تحقيق سلام دائم، وإن مصيرها يمس معادلات الشرق الأوسط.
التقييم: تغير واضح في نبرة الخطاب، لا تناقض منطقي حاسم: يمكن اعتبار عبارة 2025 تشخيصاً للتشاؤم، وعبارة 2026 وصفاً لدور سوريا في مسار مأمول. لم يشرح باراك هذا الانتقال صراحة.
«لا يوجد شرق أوسط» مقابل التعامل معه كمنظومة إقليمية
تأطير متبدلقال إن «الشرق الأوسط غير موجود» بوصفه وحدة سياسية متجانسة، وتحدث عن قبائل وقرى وحدود رسمها اتفاق سايكس–بيكو.
تحدث عن أمن الشرق الأوسط وشراكاته، ودعا دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر، مع تأكيد استمرار انخراط الولايات المتحدة.
التقييم: ليس تناقضاً مباشراً بالضرورة؛ قد يكون إنكاراً للتجانس السياسي لا للجغرافيا. لكنه انتقال من تفكيك مفهوم «الشرق الأوسط» إلى استخدامه إطاراً عملياً للسياسة والأمن دون توضيح المقصود.

