تقرأ الجغرافيا السورية عادة من خرائط الحدود والانتشار العسكري، لكن السماء تكشف سوية أخرى من الصراع عبر الممرات التي تربط شرق المتوسط بالعراق وإيران.
عمليا فإن المسافة بين “إسرائيل” والعمق الإيراني، وطبيعة الحدود المتداخلة، وضعف منظومات الدفاع الجوي في أجزاء من سوريا والعراق، تجعل المجال الجوي السوري جزءا من معادلة الردع الإقليمي.
ضمن هذا المشهد تتحول الجغرافيا من خلفية للصراع إلى أداة تحدد مسارات الطائرات، وأزمنة الوصول، وهوامش المناورة.
المناورات التي اتجهت نحو الحدود العراقية
في 19 تشرين الأول 2026، نفذت عشرات الطائرات المقاتلة “الإسرائيلية”، بمساندة طائرات تزود بالوقود، طلعة امتدت عبر الأجواء السورية والعراقية باتجاه الحدود الإيرانية.
بحسب مسؤولين “إسرائيليين” وأميركيين نقلت عنهم “أكسيوس”، سلكت الطائرات مسارا يشبه مسار هجوم محتمل على إيران، ثم استدارت قبل بلوغ الأراضي الإيرانية وعادت إلى “إسرائيل”، ووصفت واشنطن “الإخطار الإسرائيلي” المسبق بالطلعة بأنها تدريب واستعراض للقوة يرمي إلى ردع طهران، فيما رأى بعض المسؤولين الأميركيين أن المناورة فيها احتمال استفزاز رد إيراني.
وفي الساعات الأولى من 20 تشرين الأول، نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان نشاطا جويا “إسرائيليا” امتد من مناطق قرب الحدود السورية العراقية عبر وسط سوريا وجنوبها، وصولا إلى دمشق وريفها ودرعا والقنيطرة والسويداء، قبل عودة الطائرات عبر الأجواء السورية.
لم تتوافر معلومات مؤكدة عن عدد الطائرات أو نقطة انطلاقها أو الغرض من التحليق، ومن الممكن أن يتصل الرصد بالمناورة التي أوردتها “أكسيوس”، لكن المصادر المفتوحة لا تثبت إن كان الحدثان وصفين للعملية نفسها أم تحركين منفصلين.
كما تقدم حرب حزيران 2025 دليلا إضافيا على استخدام هذا المحور، حيث قال “قائد إسرائيلي” شارك في ضربات إيران: إن الطائرات عبرت العراق وسوريا، ومرت قرب بغداد، وعادت عبر الأجواء السورية بعد عبور نهري دجلة والفرات.
وفي الشهر نفسه، اتهم ممثل العراق لدى الأمم المتحدة 50 طائرة “إسرائيلية” بانتهاك المجال الجوي العراقي، وقال إن مسارها بدأ من مناطق قرب الحدود السورية – الأردنية واتجه نحو جنوب العراق فوق البصرة والنجف وكربلاء.
الروايتان تثبتان أهمية الممر السوري العراقي، مع بقاء تفاصيل كل مسار مرتبطة بمصدرها وتوقيتها.
لماذا يشكل الممر السوري خيارا استراتيجيا؟
يربط هذا المسار “إسرائيل” بإيران عبر مسافة طويلة تمر فوق أراضٍ سورية وعراقية، وتمنح الجغرافيا الطائرات مجالا للاقتراب من أهدافها، كما تتيح لها استخدام مساحات واسعة للمناورة والعودة.
تذهب دراسة لمعهد يهودي للأمن القومي الأميركي إلى أن الطريق الأقصر نحو إيران يعبر جنوب سوريا باتجاه العراق، عبر القنيطرة ودرعا والسويداء وريف دمشق، ويبقى هذا توصيفا تحليليا للممر المحتمل، لا خريطة رسمية لمسارات الطلعات الأخيرة؛ فالمعلومات المنشورة لا تحدد إحداثياتها أو ارتفاعاتها أو نقاط العبور الدقيقة.
وتتجاوز أهمية المسار حساب المسافة، فالتحليق فوق سوريا والعراق يختبر قدرة الحكومتين على رصد الطائرات وتحديد هويتها والتعامل معها، ويضع سلطتا بغداد ودمشق أمام معادلة صعبة، الاعتراض العسكري يحمل مخاطر التصعيد، بينما يثير مرور الطائرات بلا رد أسئلة داخلية عن السيادة وفاعلية الدولة.
وفي العراق، اكتسب التحليق فوق مدن مثل النجف وكربلاء حساسية إضافية بسبب مكانتهما الدينية، بحسب ما قاله الممثل العراقي في الأمم المتحدة.
سيادة قانونية ومراقبة جوية محدودة
تمنح اتفاقية الطيران المدني الدولي سوريا سيادة كاملة وحصرية على الأجواء فوق أراضيها، وتدير هيئة الطيران المدني السورية حركة الطيران المدني وتنشر مساراته وتعليماته، فيما تشير النشرة الملاحية السارية إلى أن الرادار معلق في منطقة دمشق حتى 13 كانون الأول 2026 بسبب عطل، وأن خدمات المراقبة تعتمد على الإجراءات والتقارير اللاسلكية.
وتذكر النشرة أيضا أن مركز أنقرة يقدم خدمات جوية وتنسيقا تشغيليا على مقطع محدد من مسار داخل منطقة دمشق، نيابة عن مركز دمشق وبموجب اتفاق تنسيق، وهذه ترتيبات فنية محددة لا تنقل السيادة، لكنها تكشف تفاوتا بين الحق القانوني والقدرة التشغيلية.
كما تعكس تحذيرات وكالة سلامة الطيران الأوروبية استمرار المخاطر، ومددت قيودها على الطيران الأوروبي فوق أجزاء من المجال الجوي السوري حتى 30 تشرين الثاني 2026، مشيرة إلى العمليات العسكرية المتكررة، واعتراض الصواريخ والمسيرات، واحتمال سقوط شظايا، وإلى تجزؤ السيطرة الجوية وضعف التنسيق.
وتزداد المخاطر وفق تقييمها في الجنوب الغربي وعلى الارتفاعات المنخفضة، بينما تنخفض نسبيا على الارتفاعات الأعلى.
اختبار الدولة يبدأ من السماء
منذ انهيار النظام السياسي السابق في كانون الأول 2024، دخل المجال الجوي السوري مرحلة مختلفة.
“الضربات الإسرائيلية” التي أعقبت الانهيار استهدفت منظومات الدفاع والرادارات والطائرات السورية، وأضعفت قدرة الدولة على مراقبة أجوائها وردع الطائرات المخترقة، وفي هذا الفراغ، تحولت سوريا من منطقة عبور محفوفة بحسابات الدفاع إلى ممر أكثر انفتاحا أمام “الطيران الإسرائيلي” المتجه نحو العراق وإيران، كما تكشف طلعات حزيران 2025 ومناورة تشرين الأول2026 .
يحمل اقتراب “الطائرات الإسرائيلية” من الحدود العراقية أو عبورها دلالة تتجاوز الاستعراض العسكري؛ إنه يكشف كيف أعاد انهيار النظام وتفكيك جانب كبير من القدرات الجوية السورية رسم قيمة الجغرافيا السورية في ميزان القوة.
سلطة دمشق تحاول أن تؤكد أنها تمتلك السيادة القانونية على أجوائها، لكن حركة الطائرات باتت تظهر أن قرار استخدامها يتأثر بقدرات عسكرية تتجاوز حدودها؛ فتغدو السماء السورية حلقة في مسار إقليمي يبدأ عند المتوسط، ويمر بالعراق، ويصل إلى تخوم إيران.
السماء السورية: ممرّ نحو العراق وإيران
مسارات جوية إسرائيلية أُبلغ عنها منذ 2025، في مقابل حدود المراقبة الجوية السورية ومخاطر التصعيد الإقليمي.
مناورة باتجاه الحدود الإيرانية
أفادت «أكسيوس»، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وأميركيين، بأن عشرات المقاتلات وطائرات التزوّد بالوقود عبرت الأجواء السورية والعراقية، ثم استدارت قرب الحدود الإيرانية وعادت إلى إسرائيل.

