اليومان العاشر والحادي عشر على الجبهة السورية: تثبيت الاختراق والهجوم المضاد

انتقلت المعركة على الجبهة السورية في 15 و16 تشرين الأول 1973 من محاولة توسيع “الاختراق الإسرائيلي” إلى اختبار قدرة القوات العربية على استعادة المواقع التي دخلتها “إسرائيل”.

لم يكن اليومان مرحلة واحدة متصلة، حيث شهد الأول قتالا موضعيا وإعادة تنظيم، ثم انطلق في الثاني هجوم مضاد شاركت فيه قوات سورية وعراقية وأردنية.

لم ينجح الهجوم في استعادة المواقع الرئيسية، لكنه ميدانيا كشف أيضا أن تثبيت الاختراق احتاج إلى قتال متكرر، وأن القوات السورية واصلت الدفاع ومحاولة تغيير ميزان المعركة.

15  تشرين الأول: هدوء نسبي على الجبهة، وقتال على التلال

تصف القوات المسلحة الأردنية يوم 15 تشرين الأول بأنه اتصف بهدوء نسبي حتى الظهر، مع استمرار الإخلاء والإمداد، ثم تصاعد القصف المدفعي والنشاط الجوي في فترة ما بعد الظهر.

بدأت القوات العربية تتجمع استعدادا لهجوم مضاد على “الجيب الإسرائيلي” داخل الأراضي السورية، وهذا الوصف العام لا يعني توقف القتال في كل قطاع؛ فالتاريخ الرسمي لـ”وزارة الدفاع الإسرائيلية” يسجل هجوما بدأته الفرقة 210 عند الساعة الواحدة ظهرا ضد الفرقة المدرعة العراقية الثالثة قرب قريتي شمس ودير العدس.

تحركت في الهجوم “الإسرائيلي” أربع ألوية مدرعة، بحسب “الرواية الإسرائيلية”، وناورت ألوية باتجاه محيط تل كرين والقرى القريبة، فيما خاضت وحدات أخرى اشتباكات مع الدروع العراقية.

انتهت العملية مساء، بعد استيلاء “القوات الإسرائيلية” على تلي عنتر وعلاقية، وفقا للمصدر نفسه، ثم انسحبت وحدات لإعادة التزود بالوقود والذخيرة، بينما بقيت وحدات أخرى للدفاع عن المواقع.

كان الهدف من العملية تعزيز الجناح الجنوبي الشرقي للجيب، وتأمين التلال التي ستتعرض للهجوم المضاد في اليوم التالي.

تظهر أهمية 15 تشرين الأول في هذا التباين بين هدوء نسبي على مستوى الجبهة ومعركة محلية حاسمة على مستوى المواقع، فالتلال لم تكن نقاطا منفصلة عن شبكة الحركة؛ السيطرة عليها منحت القوات قدرة أفضل على مراقبة الطرق وحماية أطراف الجيب.

في المقابل، أدى احتفاظ القوات العراقية بمواقعها ومشاركتها في الاشتباكات إلى إبقاء الجناح “الإسرائيلي” تحت ضغط، فيما كانت القيادة العربية تحشد قواتها لعمل أوسع.

هدف الهجوم المضاد: تقليص الجيب لا استعادة الجولان كله

كان الهجوم العربي المقرر في 16 تشرين الأول موجها إلى “الجيب الإسرائيلي” داخل سورية، لا إلى شن هجوم شامل لاستعادة كامل الجولان في يوم واحد.

تصف “وزارة الدفاع الإسرائيلية” الخطة بأنها هجوم متزامن على قطاعات متعددة، فالقوات الأردنية والعراقية تستهدف خط التلال في الجهة الجنوبية من الجيب، فيما تتقدم القوات السورية نحو تل شمس ومزارع بيت جن في القطاع الشمالي.

أما التاريخ الرسمي الأردني، فيصف الهجوم بأنه انطلق من الجنوب والشرق باتجاه القنيطرة ودمشق، عبر محور خان أرنبة.

مثل هذا التوزيع محاولة للتعامل مع الجيب من أكثر من اتجاه، وإجبار “القوات الإسرائيلية” على الدفاع عن امتداد واسع بدلا من تركيز قوتها في محور واحد، ووفق الرواية الأردنية، شمل ترتيب القوات لواء سوريا قرب خط وقف إطلاق النار، واللواء المدرع الأردني الأربعين متقدما من جنوب تل الحارة نحو الشمال الغربي، وقوات عراقية وسورية تتحرك على محاور أخرى.

نجاح الخطة كان يتطلب تنسيقا دقيقا في التوقيت والاتجاه، إضافة إلى قوات مشاة قادرة على تثبيت الأرض وحماية الدروع من الأسلحة المضادة للدروع.

16  تشرين الأول: هجمات متزامنة وتنسيق لم يكتمل

بدأت الهجمات فجر 16 تشرين الأول بقصف مدفعي، ثم تحركت وحدات عراقية وأردنية على الجبهة الجنوبية والجنوبية الشرقية للجيب.

تقول “وزارة الدفاع الإسرائيلية” إن قوة عراقية تحركت نحو تل عنتر في نحو السابعة صباحا، ثم بدأ اللواء الأردني الأربعون هجوما بعد قرابة ساعتين باتجاه تل المل وتل مسحرة، وتضيف “الرواية الإسرائيلية” أن التحرك الأردني بدأ من دون تنسيق مع اللواء العراقي السادس، ما أدى إلى تعرضه لنيران الألوية الإسرائيلية المدافعة وانسحابه جنوبا.

تختلف الروايتان الأردنية والإسرائيلية في تقدير مدى تقدم اللواء الأردني وحجم خسائره، وحسب مصادر القوات المسلحة الأردنية فإن اللواء تقدم قرابة عشرة كيلومترات شمال تل مسحرة، قبل أن يصدر أمر بالانسحاب نحو نقاط الانطلاق عند الساعة 11:15 تقريبا، بعدما انكشف جناحاه بسبب بطء تقدم القوات السورية وفقدان القوات العراقية اتجاهها.

أما الرواية الإسرائيلية فتقول إن اللواء خسر آليات مدرعة وانسحب تحت نيران القوات المدافعة، ولا تتوافر هنا حصيلة مستقلة تحسم الأرقام أو المسافة، لكن الروايتين تتفقان على أن الهجوم الأردني لم يثبت سيطرة على الأهداف التي تحرك نحوها.

في القطاع الجنوبي الشرقي، استمرت القوات العراقية في الهجوم على التلال، بينما تحركت القوات السورية في محاور أخرى. وتقول “وزارة الدفاع الإسرائيلية” إن القوات السورية استخدمت المدفعية والدروع في محاولات لاستعادة تل شمس ومزارع بيت جن، وإن القوات “الإسرائيلية” صدت تلك الهجمات.

يشير التاريخ الأردني إلى أن الوحدات السورية على الجناح الأيسر لم تتقدم بالسرعة نفسها التي تحرك بها اللواء الأردني، ما ساهم، وفق تفسيره، في كشف الأجنحة وتعقيد التنسيق بين القوى المهاجمة.

لماذا لم يستعد الهجوم العربي المواقع؟

تعددت العوامل التي حدت من قدرة الهجوم على تحقيق هدفه، وتسجل القوات المسلحة الأردنية ضيق الوقت المخصص للتحضير، وضعف التنسيق بين القوات، ونقص المشاة اللازمة لتطهير المواقع وتثبيتها، إلى جانب “تفوق إسرائيلي” في الدروع واستخدام صواريخ “تاو” المضادة للدروع.

وتورد الرواية الإسرائيلية بدورها أن التحرك الأردني لم يتطابق مع الخطة ولم ينسق مع القوة العراقية في القطاع نفسه، واختلاف التقييم لا يلغي حقيقة أن الهجوم اعتمد على تشكيلات من جيوش متعددة، تعمل على محاور متباعدة وفي ظرف زمني ضيق.

فشل الهجوم في استعادة التلال الرئيسية، وبقي “الجيب الإسرائيلي” قائما، لكن النتيجة لا تعني أن الهجوم كان بلا أثر عملياتي؛ فاضطر الإسرائيليون إلى الدفاع على جبهة واسعة، وخاضوا سلسلة اشتباكات مع القوات السورية والعراقية والأردنية.

يقر التاريخ الإسرائيلي بأن وصول القوة العراقية، ثم القوات الأردنية، أوقف زخم التقدم الإسرائيلي، ودفع القيادة إلى التركيز على تثبيت الجيب وتأمينه.

صمود لا يختزل في استعادة الأرض

لم تستعد القوات السورية تلك المواقع في 16 تشرين الأول، ولم تحقق الخطة العربية أهدافها كاملة؛ لكنها واصلت القتال، وشاركت في هجوم مضاد متعدد المحاور، فيما واجهت “القوات الإسرائيلية” مقاومة أجبرتها على تثبيت مكاسبها بدلا من استئناف تقدم سريع نحو دمشق.

بقيت القوات السورية حاضرة في القتال، وساندتها وحدات عربية، واحتاجت “إسرائيل” إلى الدفاع عن مواضعها والتعامل مع هجمات متكررة، وكان 15 تشرين الأول يوم إعداد واشتباكات موضعية، وأما 16 تشرين الأول فشهد هجوما مضادا أكد أن السيطرة على الجيب لم تجعل تثبيته أمرا مضمونا أو قليل الكلفة.

محاور القتال في الجولان | 15–16 تشرين الأول 1973

من محاولة إسرائيلية لتوسيع موطئ القدم في 15 تشرين الأول إلى الهجوم العربي المضاد في اليوم التالي.

تحركات إسرائيلية، 15 تشرين الأول محور أردني، 16 تشرين الأول محاور عراقية، 16 تشرين الأول مواقع هاجمتها قوات سورية
تفاصيل الموقع انقر أو المس نقطة أو محوراً على الخريطة لعرض التفاصيل.

الخطوط اتجاهات تقريبية مستخلصة من أوصاف المحاور في الروايات المنشورة، ولا تمثل مسارات دقيقة للوحدات أو خطوط السيطرة. أسماء الطرق والتضاريس على الخلفية تعكس خريطة معاصرة، أما النقاط فتمثل مواضع تاريخية تقريبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *