اليوم الثالث في الجولان: حين اصطدمت المبادأة السورية بالهجوم المضاد

من اندفاع البداية إلى معركة تثبيت المكاسب

دخلت القوات السورية يوم 8 تشرين الأول وهي تواجه تحولا في طبيعة القتال، وفي اليومين السابقين، استفادت من عنصر المفاجأة، ودفعت قواتها عبر خط التحصينات الإسرائيلية في الجولان، ووسعت مواضعها في الوسط والجنوب، أما في اليوم الثالث، فأصبح السؤال الميداني أقل تعلقا بسرعة التقدم، وأكثر ارتباطا بقدرة القوات على الاحتفاظ بما كسبته، وإعاقة الاحتياط “الإسرائيلي” قبل أن يستعيد زمام المبادرة.

بدأ الهجوم “الإسرائيلي” المضاد قرابة الساعة 8:30 صباحا، وتركز في القطاع الجنوبي، بمشاركة قوات من فرقتي الاحتياط 146 و210.

كانت “إسرائيل” تحشد قواتها المدرعة منذ اليوم السابق، وصار في وسعها إدخال تشكيلات إضافية إلى القتال، ولم يكن هجوم 8 تشرين الأول مجرد محاولة لاستعادة موقع أو اثنين؛ بل اختبارا لقدرة الطرفين على تحويل الحشد إلى نتيجة ميدانية قبل أن تتبدل ظروف المعركة مرة أخرى.

من المنظور السوري، حمل اليوم مفارقة واضحة، حيث تراجعت المبادأة الواسعة التي ميزت الهجوم الأول، لكن القوات لم تتحول إلى قوة ساكنة تنتظر الضربة.

كانت وحدات سورية تقاتل تحت ضغط مدرع وجوي، فيما تسعى القيادة إلى تنظيم الدفاع، وإبقاء التماس مع القوات “الإسرائيلية”، ومنع الهجوم المضاد من تحويل نجاحه الموضعي إلى انهيار شامل للجبهة.

ثقل الاحتياط الإسرائيلي واختبار الدفاع السوري

توضح رواية “وزارة الدفاع الإسرائيلية” أن فرقتي 146 و210 هاجمتا مواقع الفرقة السورية الخامسة، وأن القتال دفع القوات السورية إلى تقليص امتدادها في المنطقة.

كما تذكر “الرواية الإسرائيلية” أن القوات السورية بقيت عند المساء في نطاق يضم جيب الحصينية، بين تل حزقة وجهة تل الفرس وجوحدر، وتدعي المصادر “الإسرائيلية” إلى أن الهجوم المضاد أحدث ضغطا حقيقيا على القوات السورية، لكنه لم ينهِ وجودها في الجولان خلال ذلك اليوم.

أما التقارير السورية المنشورة لاحقا في صحيفة “الأهرام”، والمنقولة عن برقيات من قيادة الجبهة، فتصف اشتباكات جوية وبرية في ذلك الصباح، حيث تعرضت الفرقة المدرعة الأولى لضربات جوية، ووصل إسناد جوي عراقي، ثم واجهت القوات السورية هجوما مدرعا “إسرائيليا”.

عمليا دخلت “إسرائيل” الهجوم المضاد وهي تملك قدرة أكبر على تركيز الدبابات والاحتياط مما كان متاحا لها في الساعات الأولى للحرب.

في المقابل، خاضت الوحدات السورية يومين من القتال، وتكبدت خسائر، كما أن استثمار الاختراق الأول لم يكن متساويا في مختلف المحاور.

هنا أصبحت المحافظة على الاتصال بين الوحدات، وتأمين الأجنحة، وإعادة توزيع النيران، عوامل لا تقل أهمية عن عدد الدبابات في الميدان.

الجولان الشمالي: القتال على المواقع والوقت

في الشمال، بقيت القوات السورية و”الإسرائيلية” تتنازعان على مواقع تتحكم في الحركة والرصد، فيما تركز القتال حول محاور القنيطرة وجبل الشيخ.

تفيد “الرواية الإسرائيلية” بأن هجوما مضادا في الجنوب لم يؤد إلى اختراق سوري حاسم في الشمال، حيث كانت القوات “الإسرائيلية” تقاتل للحفاظ على مواقعها، لكن هذا لا يعني أن الجبهة الشمالية خرجت من المعركة، فالسيطرة على الارتفاعات والطرق كانت جزءا من صراع أوسع على حرية الحركة والإمداد.

كان جبل الشيخ من أبرز مواضع ذلك الصراع، بحسب التسلسل الزمني “الإسرائيلي”، فشلت في 8 تشرين الأول المحاولة الأولى لاستعادة الموقع الإسرائيلي على الجبل، وهذه النتيجة من الوقائع التي يسهل إغفالها عند اختزال اليوم في نجاح الهجوم المضاد جنوبا.

احتفظت القوات السورية بموقع مهم، ولم تستطع “إسرائيل” استرداده في محاولتها الأولى، والجبل، بما يوفره من ارتفاع وقدرة على الرصد، كان موقعا بقيمة عسكرية مباشرة.

تورد البرقيات السورية المنشورة أيضا أن الفرقة السابعة نفذت تحركا باتجاه القنيطرة، وأن كتائب سورية شاركت في محاولة الضغط على المواقع “الإسرائيلية، وترسم صورة لقوات لم تكتف بإغلاق الثغرات، بل سعت إلى إبقاء العدو منشغلا على أكثر من محور، حتى في يوم صار فيه الدفاع عن الأرض المكتسبة هو المهمة الأثقل.

ما الذي أنجزه الهجوم المضاد؟

من منظور “إسرائيلي”، كان الهدف من هجوم 8 تشرين الأول إبطاء القوات السورية، وتقليص مواقعها، وتهيئة الظروف لدفعها إلى الخلف.

حسب “الرواية الإسرائيلية”، تحققت مكاسب موضعية في الجنوب، فيما لم يكتمل إخراج القوات السورية من الجولان في ذلك اليوم، كما يسجل تقرير أميركي معاصر أن القوات السورية شنت هجمات مضادة خلال ليلة 8 تشرين الأول، وأن القوات “الإسرائيلية” قالت إنها حافظت على مواقعها.

هذا التباين بين تقدم محلي واستمرار القتال يوضح ان النتيجة لم تكن نصرا نهائيا لأي طرف، حيث شهدت المعارك انتقالا إلى مرحلة أشد استنزافا وتنافسا على المبادرة.

كانت نقطة الضعف السورية الأبرز أن القوات التي اخترقت الجبهة لم تستطع استثمار نجاحها الأول بالسرعة نفسها في كل القطاعات، بينما منحت “التعبئة الإسرائيلية” وقتا للاحتياط كي يصل إلى خطوط القتال.

تذهب قراءة تحليلية أميركية إلى أن “القوات الإسرائيلية” بدأت تدفع القوات السورية تدريجيا باتجاه خط 1967، مع الإشارة إلى أن فرص استغلال الاختراق الأول تضاءلت.

لا يلغي هذا التقييم ما حققته القوات السورية في بداية الحرب، لكنه يشرح كيف تبدل ميزان المبادأة خلال اليوم الثالث.

صمود لا يحتاج إلى أسطورة

جرت المعركة على أرض سورية احتلتها “إسرائيل” عام 1967، وفرض أداء القوات السورية في الأيام الأولى على “إسرائيل” مواجهة جبهة تبدل إيقاعها بسرعة.

لا يحجب ذلك الخسائر أو الضغط الذي أحدثه الهجوم المضاد، فبعد اختراق أولي مهم، واجهت القوات السورية في اليوم الثالث هجوما “إسرائيليا” منظما، لكنها احتفظت بمواضع متقدمة وواصلت القتال، فيما أخفقت “إسرائيل” في استعادة موقع جبل الشيخ خلال محاولتها الأولى.

كان 8 تشرين الأول يوم انتقال من المفاجأة إلى امتحان الصمود، واختبارا لمرونة الوحدات، وقدرة القيادة على احتواء الهجوم، ومعنى أن تبقى القوات في الميدان بعدما صار الخصم قادرا على حشد احتياط أكبر.

بالنسبة إلى السوريين، قيمة ذلك اليوم في أن الهجوم المضاد لم يمحُ ما تحقق في البداية دفعة واحدة، وظل الجولان ساحة قتال مفتوحة، وظل على “إسرائيل” أن تواصل القتال كي تحقق أهدافها.

اليوم الثالث في الجولان: 8 تشرين الأول 1973

من اندفاع البداية إلى معركة تثبيت المكاسب — اختبار الصمود في مواجهة الهجوم المضاد

تبدّل ميزان المبادأة خلال اليوم الثالث

المبادأة السورية — اليومان الأول والثاني واسعة
المبادأة السورية — اليوم الثالث دفاعية
الحشد والاحتياط الإسرائيلي — قبل اليوم الثالث محدود
الحشد والاحتياط الإسرائيلي — اليوم الثالث متزايد

قراءة وصفية مستخلصة من التقرير، وليست أرقامًا قتالية دقيقة.

ما أنجزه الهجوم المضاد

  • تقليص امتداد الفرقة السورية الخامسة في المنطقة.
  • تحقيق مكاسب موضعية في القطاع الجنوبي.
  • فرض ضغط حقيقي على القوات السورية طوال اليوم.
  • بدء الدفع التدريجي باتجاه خط 1967 وفق قراءة أميركية.

ما لم يتحقق

  • لم تُخرَج القوات السورية من الجولان في ذلك اليوم.
  • فشل المحاولة الأولى لاستعادة موقع جبل الشيخ.
  • بقاء جيب الحصينية وتل حزقة وتل الفرس ضمن نطاق سوري.
  • استمرار القتال وتحوّله إلى استنزاف وتنافس على المبادرة.

لم يكن 8 تشرين الأول نصرا نهائيا لأي طرف، بل يوم انتقال من المفاجأة إلى امتحان الصمود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *