مبادرة انتزعت من “إسرائيل“
في الثانية بعد ظهر 6 تشرين الأول 1973، بدأت المدفعية السورية قصف مواقع الجيش الإسرائيلي في الجولان المحتل، بالتزامن مع الهجوم المصري على جبهة قناة السويس.
وضع التوقيت “إسرائيل” أمام حرب على جبهتين، وفي يوم ديني عطّل جزءا من الحياة العامة وأبطأ استدعاء الاحتياط، وعلى الجبهة السورية، حوّل الهجوم المفاجأة إلى نافذة عملياتية قصيرة؛ فعلى القوات أن تعبر التحصينات، وتفتح ممرات للمدرعات، وتوسع الاختراق قبل أن تستعيد “إسرائيل” توازنها.
لا تنفصل المعركة عن هدف استعادة أرض احتلتها “إسرائيل” عام 1967، وحقق الهجوم السوري اختراقات مهمة، وأسقط موقع جبل الشيخ، وأجبر “القيادة الإسرائيلية” على مواجهة خطر انهيار بعض قطاعات الجبهة.
خطة تقوم على فتح الممرات
بنت القيادة السورية هجومها على ثلاثة محاور للفرق العسكرية في الجنوب والوسط والشمال، والرواية “الإسرائيلية” الرسمية تتحدث عن الفرق الخامسة والتاسعة والسابعة بأنها تولت هذه القطاعات، وكل فرقة عملت ضمن واجهة واسعة.
بدأت ألوية المشاة الآلية التقدم لعبور الخندق المضاد للدبابات وفتح الثغرات في التحصينات، ثم تحركت المدرعات عبر الممرات التي جرى تأمينها، وكان هذا الترتيب ضروريا لتجنب دفع الدبابات إلى عوائق مكشوفة تحت نيران المواقع الإسرائيلية.
اعتمدت الخطة على سرعة التنفيذ والضغط المتزامن على طول الجبهة، لا على اختراق واحد ضيق.
هذا التكتيك أجبر المدافعين على توزيع قوتهم بين محاور عدة، في وقت كان فيه الجيش الإسرائيلي يعتمد أساسا على قواته النظامية، وتشير وزارة الدفاع “الإسرائيلية” إلى أن وحداتها في الجولان شملت لواءي المدرعات 7 و188، ولواء المنطقة 820، وعددا محدودا من بطاريات المدفعية؛ فيما تأخر وصول القسم الأكبر من الاحتياط إلى اليوم التالي.
تورد الرواية الإسرائيلية أن القصف التمهيدي شاركت فيه 157 بطارية مدفعية وأكثر من خمسين طائرة، وبغض النظر عن دقة الأرقام، فإن وظيفته العملياتية تعطيل المواقع والاتصالات، وإرباك الحركة، وتغطية تقدم القوات البرية.
أما البلاغ السوري الأول، الذي بثته إذاعة دمشق عند 14:25، فوصف القتال بأنه رد على اعتداء “إسرائيلي”، وبعد ساعات، أعلنت بيانات دمشق الانتقال إلى الهجوم المعاكس واحتلال مواقع.
قطاعات متفاوتة ونتائج غير متساوية
لم يتقدم الهجوم بالوتيرة نفسها في كل مكان، ففي الجنوب، حققت القوات السورية أعمق اختراقاتها قرب مستوطنة “رامت مغشيميم” القريبة من تل الساقي، وفي القطاع الأوسط، تقدمت القوات عبر بعض المواقع “الإسرائيلية” ودفعت القيادة الإسرائيلية إلى التعامل مع احتمال اتساع الثغرة.
أما في الشمال، فتمكن اللواء الإسرائيلي السابع من وقف تقدم الفرقة السورية السابعة، ومنع تطويق القنيطرة أو فتح طريق سريع نحو سفوح جبل الشيخ.
الهجوم المتزامن لم يؤد إلى انهيار متتالي للدفاعات، فنجحت القوات السورية في انتزاع المبادرة وإحداث خلل في المنظومة الإسرائيلية، لكنها لم تحوله في كل القطاعات إلى حركة متصلة نحو العمق.
مع حلول الليل، بقيت الجبهة خليطا من مواقع صمدت، وأخرى سقطت، ومحاور شهدت تقدما سوريا أعمق من غيرها.
جبل الشيخ: هدف ميداني وقيمة استخبارية
مثّل جبل الشيخ أكثر من مرتفع جغرافي، فالموقع يتيح مراقبة واسعة، ويرتبط بقدرات الرصد والاتصال، كما أن السيطرة عليه تحمل قيمة عملياتية ومعنوية.
هاجمت قوات كوماندوس سورية المنطقة، وتذكر الرواية الإسرائيلية أن قوات سورية أخرى تقدمت من الجانب المقابل، وبحلول نهاية اليوم، سقط الموقع الإسرائيلي بيد القوات السورية.
أعلنت دمشق في بيان الساعة 16:20 أن قواتها حررت موقع جبل الشيخ، وتورد السجلات “الإسرائيلية” أن القتال انتهى بمقتل 16 جنديا “إسرائيليا” وأسر 31، ويثبت سقوط الموقع بوصفه أبرز مكسب سوري ملموس في اليوم الأول.
عسكريا، منح سقوط الموقع سوريا قدرة أفضل على الرصد في منطقة حساسة، لكنه لم يكن كافيا وحده لتغيير ميزان المعركة على امتداد الجولان.
تل الساقي: نقطة مراقبة تتحول إلى جبهة
في الجنوب، تحول تل الساقي من موقع مراقبة إلى نقطة اشتباك تحت ضغط التقدم السوري، ووصل إليه عدد محدود من المظليين “الإسرائيليين” قبل اندلاع القتال، ثم رصدوا حشدا مدرعا سوريا قرب الرفيد بعد بدء الهجوم، ومع تقدم المساء، اقتربت القوات السورية من التل وبدأت محاصرته.
بدأت معركة تل الساقي يوم 6 تشرين، لكن الجزء الأشد منها امتد إلى اليوم التالي؛ وتكشف هذه النقطة طبيعة القتال في اليوم الأول، فلم يكن الأمر خطا متصلا يتحرك غربا، بل مواقع صغيرة تعزلها الثغرات، وتستمر في المقاومة أو الرصد بينما تتجاوزها تشكيلات مهاجمة، مما ساعد على إبطاء تقدم القوات، لكنه لم يمنع حدوث اختراقات في قطاعات أخرى.
المفاجأة لم تتحول إلى حسم
تؤكد وثائق “إسرائيلية” أن إنذارا وصل إلى القيادة صباح 6 تشرين عن هجوم متوقع، لكن الاستعداد لم يتحول إلى تعبئة مكتملة قبل بدء القتال.
وتذكر و “زارة الدفاع الإسرائيلية” أن الجيش تجنب ضربة استباقية، وبدأ التعبئة على نحو محدود وسري، ثم استند في الساعات الأولى إلى قوات نظامية قليلة.
هنا تكمن إحدى نقاط القوة السورية في استغلال فجوة بين معرفة إسرائيل باحتمال الحرب وبين جاهزيتها الفعلية لخوضها.
القوات السورية لم تصل إلى نهر الأردن في 6 تشرين، ولم تتمكن من إنهاء الدفاعات “الإسرائيلية” في الشمال أو السيطرة على كامل الجولان.
وفي المقابل، لم تستعد “إسرائيل” زمام المبادرة في ذلك اليوم، واضطرت إلى الإسراع في نقل الاحتياط إلى الجبهة.
حصيلة اليوم الأول
كان 6 تشرين الأول يوما نجحت فيه سوريا في كسر الجمود وفرض القتال على جبهة الجولان، فأحرز الهجوم تقدما فعليا في الجنوب والوسط، وأسقط موقع جبل الشيخ، وأجبر “إسرائيل” على التعامل مع تهديد لم تتوقع حجمه في الساعات الأولى.
الإنجاز كان في استعادة المبادرة وإثبات أن التفوق “الإسرائيلي” لم يمنع اختراق الجبهة، وفي نقل الحرب إلى أرض احتلتها إسرائيل عام 1967.
أما حدود الإنجاز فظهرت في عدم توحيد الاختراقات وتحويلها إلى اندفاع متصل قبل وصول الاحتياط الإسرائيلي.
تلك الفجوة بين نجاح الخطة في فتح الجبهة وتعثرها في استثمار الوقت ستحدد شكل القتال في الأيام التالية.
قراءة بيانية في وقائع 6 تشرين الأول 1973 على الجبهة السورية، من لحظة القصف التمهيدي حتى حلول الليل.
مسار اليوم الأول: من القصف إلى تثبيت الجبهة
اختر أي محطة على الخط الزمني لعرض تفصيلها.
مدى التقدم السوري في قطاعات الجبهة
لم يتقدم الهجوم بالوتيرة نفسها في كل مكان. اختر قطاعا لعرض تفصيله.
النسب المعروضة تقديرية لبيان التفاوت النسبي في مدى التقدم بين القطاعات، وليست قياسات ميدانية دقيقة.

