يتجاوز قياس أثر حرب تشرين 1973 على سوريا بما استعادته من أرض فقط، ولا بنتيجتها العسكرية النهائية.
رسمت الحرب موقع دمشق داخل شبكة الأمن الإقليمي، فصار أمن الجولان مرتبطا بالتفاوض الأميركي، وأمن “إسرائيل” بحسابات سوريا، فيما تداخلت المنافسة العربية على القيادة مع مستقبل القضية الفلسطينية وتوازنات لبنان.
يتضح بعد الحرب صعوبة فهم سوريا منفردة؛ فمخاوفها الأمنية ومخاوف جيرانها تتغذى بعضها من بعض، كما تفترض مقاربة مركب الأمن الإقليمي.
فك الاشتباك: ضبط للصراع لا تسوية له
خرجت سوريا من الحرب من دون استعادة الجولان، لكنها لم تعد إلى الوضع السياسي الذي سبقها، فالقتال جعل الجبهة السورية جزءا لا يمكن تجاهله في مفاوضات ما بعد الحرب، فدعا مجلس الأمن بالقرار 338 إلى وقف النار وبدء تنفيذ القرار 242 والتفاوض بين الأطراف، وفي 31 أيار 1974، وقّعت سوريا و”إسرائيل” اتفاق فك اشتباك نص على فصل القوات وعودة الإدارة السورية إلى الأراضي الواقعة شرقي خط الفصل، بما فيها القنيطرة، وأُنشئت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك لمتابعة الترتيبات.
حقق الاتفاق مكسبا ميدانيا وسياسيا، وثبّت خطوط تماس جديدة لكنه لم ينه الاحتلال أو الصراع، وكان أثره الأمني المباشر بخفض احتمال تجدد الحرب بين الجيشين، فيما بقيت أسبابها قائمة، فلم يكن الهدوء على الجبهة دليلا على مصالحة؛ بل ترتيبا لإدارة التنافس، مع بقاء الجولان في قلب الحسابات السورية و”الإسرائيلية”.
واشنطن تدخل الحسابات السورية
كشفت المفاوضات مفارقة في موقع دمشق، فالولايات المتحدة، الداعم الأبرز لـ”إسرائيل”، أصبحت الوسيط الذي تحتاجه سوريا لاستعادة جزء من أرضها وتثبيت وقف النار.
فتحت الحرب قناة تفاوض مباشرة بين واشنطن ودمشق، ومنحت سوريا وزنا في حسابات القوى الكبرى، من دون أن تنقلها إلى المعسكر الأميركي أو تنهي اعتمادها على السلاح والدعم السوفياتي.
الوساطة الأميركية حملت معها طريقة جديدة لإدارة الصراع، فأصبحت الاتفاقات منفصلة ومتدرجة مع الدول العربية، بدلا من تسوية إقليمية شاملة، وبرز هنا مصدر قلق سوري مستمر، فأن تستعيد كل دولة بعض مصالحها عبر تفاوض خاص، ثم تجد دمشق نفسها أمام ترتيب لا يعالج الجولان أو يضع حدا لاختلال ميزان القوة بقي هاجس تحالفات دمشق.
وتُظهر الوثائق الأميركية أن الرئيس حافظ الأسد شدد على رفض عزل المسار السوري عن المسارات العربية الأخرى، خشية أن تتركه الاتفاقات المنفردة خارج التسوية.
التحالف المصري السوري يتفكك
من منظور الأمن الإقليمي، لم تنتج الحرب تضامنا عربيا مستقرا، فجمع سوريا ومصر هدف عسكري مشترك، لكن حساباتهما السياسية تباعدت بعد وقف النار، فاتجه السادات نحو استعادة سيناء من خلال تفاوض متدرج، بينما بقي قلق الأسد أن يفضي الاتفاق المنفصل إلى إخراج مصر من المواجهة وترك الجولان بلا ضغط عربي مماثل، وانتهى المساران إلى افتراق واضح، خصوصا مع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979 .
زادت الحرب قدرة سوريا على التأثير، لكنها رفعت أيضا كلفة الانقسام العربي، فلم تعد دمشق تعتمد على جبهة مشتركة مع القاهرة؛ بل بات عليها بناء تحالفات بديلة، وحماية موقعها في المشرق من أن يتحول إلى هامش لمسار تقوده مصر والولايات المتحدة.
فلسطين ولبنان: امتداد المجال الأمني السوري
تجاوزت آثار الحرب الجولان إلى تعريف التمثيل الفلسطيني، ففي قمة الرباط عام 1974، أقر القادة العرب حق الفلسطينيين في تقرير المصير واعترفوا بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا لهم، فالقرار جاء نتيجة الحرب وفي مناخ أعاد ترتيب أدوار الأطراف العربية، وقلص ادعاء الأردن تمثيل الفلسطينيين.
وبالنسبة إلى سوريا، أصبحت العلاقة مع منظمة التحرير جزءا من التنافس على النفوذ في المشرق، لا ملفا منفصلا عن أمنها.
وكان لبنان بدوره ساحة تتقاطع فيها هذه الحسابات، من القوى الفلسطينية، والدولة اللبنانية الهشة، سوريا، و”إسرائيل”، وتصف دراسات عن مرحلة ما بعد الحرب صعود النفوذ السوري والفلسطيني كجزء من التحولات التي سبقت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975.
ربط الحرب الأهلية بنتيجة واحدة لا يعبر عن عمق ما حدث؛ فتراكمت فيها أزمات داخلية وتدخلات إقليمية، فيما جعل تداخل الأطراف أمن لبنان أكثر اتصالا بأمن جيرانه.
مكانة أكبر، ومسؤولية أمنية أوسع
أعادت حرب تشرين سوريا إلى قلب معادلة الأمن في المشرق، فلم تعد مجرد دولة خسرت الجولان، بل طرفا يملك تأثيرا في حسابات “إسرائيل” وواشنطن والمنظمة الفلسطينية ولبنان.
هذا النفوذ بقي مقيدا بالانقسام مع مصر، والحاجة إلى دعم خارجي، وبصعوبة تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى تسوية دائمة.
أثر الحرب على الأمن الإقليمي ساعد في فك الاشتباك على ضبط الجبهة السورية – “الإسرائيلية”، لكنه لم يزل أسباب الصراع؛ وأدخل واشنطن في وساطة أعمق، عزز التفاوض المنفصل؛ ورفع دور سوريا في المشرق، لكنه وسع معها رقعة الملفات التي تتشابك فيها مصالحها.
كان أهم مكسب سوري هو استعادة القدرة على التأثير في شكل النظام الإقليمي، فيما بقي التحدي هو تحويل هذا التأثير من إدارة مستمرة للأزمات إلى أمن لا يعتمد على بقاء الأزمات مفتوحة.
مسار التحول في موقع دمشق داخل شبكة الأمن الإقليمي بعد 1973، بين ترتيبات ضبط الجبهة، والوساطة الأميركية، وتفكك الجبهة مع القاهرة، وامتداد الملف الأمني إلى فلسطين ولبنان.
المحطات الكبرى بعد الحرب
اختر أي محطة على الخط الزمني لعرض تفصيلها.
محاور التحول الأمني
اختر محورا لعرض ما تغير فيه بعد الحرب وما بقي قائما.
حصيلة التحول: مكاسب وقيود
المكسب الأهم كان استعادة القدرة على التأثير في شكل النظام الإقليمي، والتحدي بقي في تحويل هذا التأثير إلى أمن لا يعتمد على بقاء الأزمات مفتوحة.
مكاسب
- استعادة قدرة التأثير في شكل النظام الإقليمي
- قناة تفاوض مباشرة مع واشنطن
- إعادة الجولان إلى قلب الحسابات الدولية
- دور محوري في الملف الفلسطيني واللبناني
قيود
- بقاء الجولان تحت الاحتلال
- تفكك الجبهة مع مصر بعد 1979
- التفاوض المنفصل يستبعد التسوية الشاملة
- الحاجة المستمرة إلى دعم خارجي

