في خريف 1973، بدا الشرق الأوسط هادئا على الخرائط، ولم تقع مواجهة عربية – “إسرائيلية” واسعة منذ وقف إطلاق النار المصري – “الإسرائيلي” في آب 1970، ولم ينجح أي مسار دبلوماسي في تغيير نتائج حرب 1967.
هذا الهدوء لم يكن استقرارا؛ كان تجميدا لصراع بقيت أسبابه قائمة، فيما اعتادت القوى الكبرى إدارة الوقت بدل حسم الخلاف على الأرض والحدود.
جغرافيا الهزيمة التي بقيت مفتوحة
كانت حرب 1967 نقطة الارتكاز لكل حساب إقليمي، حيث احتلت “إسرائيل” سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وتحولت الأراضي إلى أوراق تفاوض وأحزمة أمنية في آن واحد.
أقر قرار مجلس الأمن 242 مبدأ الانسحاب من أراض احتلت في الحرب، وربطه بإنهاء حالة الحرب وضمان حدود آمنة ومعترف بها، لكن الصياغة لم تحسم نطاق الانسحاب، ولم تُنتج آلية تجبر الأطراف على تنفيذ تسوية، وبقي القرار مرجعا دوليا، فيما بقيت الأرض تحت السيطرة الإسرائيلية.
بالنسبة إلى سوريا، لم يكن الجولان ملفا حدوديا منفصلا عن أمن دمشق، حيث منح الاحتلال “إسرائيل” موقعا مرتفعا يطل على مناطق سورية، وجعل استعادته مرتبطة بتوازن القوة وبحسابات القوى الخارجية.
وعلى الجبهة المصرية، تحولت قناة السويس وسيناء إلى مركز مواجهة استنزفت الطرفين حتى وقف إطلاق النار عام 1970، وأصبح أمن “إسرائيل” متصلا باحتفاظها بالأرض، بينما رأت القاهرة ودمشق أن بقاء الاحتلال يثبت اختلال ميزان القوة ويغلق طريق التسوية.
دبلوماسية لا تتحرك
تعاقبت المبادرات من دون اختراق، وتعثرت خطة روجرز ومهمة المبعوث الأممي غونار يارينغ، ولم تنجح واشنطن وموسكو في الاتفاق على تسوية قابلة للقبول لدى حلفائهما.
في واشنطن، ربط هنري كيسنجر التحرك بشأن الصراع العربي – الإسرائيلي بحسابات الحرب الباردة والانفراج مع الاتحاد السوفياتي؛ أما القيادة “الإسرائيلية” فتمسكت بشروط أمنية وسياسية قبل الانسحاب، وغياب الحرب كان نتيجة لاعتقاد واسع بأن ميزان القوة لا يفرض تغييره.
تظهر الوثائق الأميركية أن إدارة نيكسون لم تتوقع أن تختار مصر وسوريا الحرب، ورأت أن ميزان القوة لا يشجع الطرفين على الهجوم، وكان أنور السادات طرد المستشارين العسكريين السوفيات من مصر عام 1972، وفتح قنوات سرية مع واشنطن، من دون أن يتخلى عن مطلب الانسحاب من أراضي 1967.
هذا التحرك لم يبدد الجمود؛ بل كشف أن القاهرة تبحث عن طريق إلى واشنطن، بينما بقيت دمشق أقرب إلى موسكو في تسليحها وتحالفها الاستراتيجي.
تحالف عربي بأهداف متباينة
لم تكن مصر وسوريا كتلة سياسية متجانسة، وجمعهما رفض تثبيت نتائج 1967، لكن اختلاف الموقع والأولويات ظل قائما.
احتاجت مصر إلى كسر الجمود حول سيناء والقناة، فيما كان الجولان بالنسبة إلى سوريا جوهر المواجهة المباشرة مع “إسرائيل”، واتجه السادات إلى التفكير في تحرك عسكري يعيد القضية إلى جدول القوى الكبرى، بينما سعى الأسد إلى شراكة سورية – مصرية تجعل الضغط على “إسرائيل” أوسع من جبهة واحدة، ويصف تحليل لاحق هذا التفاهم بأنه محدود، لأن الطرفين لم يتشاركا الأهداف السياسية نفسها.
في المشرق، بقيت الحدود بين الملفات مشوشة، حيث خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من الأردن بعد أحداث 1970، وانتقل ثقلها إلى لبنان، فصار التنافس الفلسطيني – اللبناني – السوري – “الإسرائيلي” جزءا متداخلا من أمن المنطقة.
كما كانت ذاكرة التدخل السوري في الأزمة الأردنية حاضرة في علاقات دمشق وعمّان، وأصبح من المستحيل اختزال الأمن الإقليمي في مواجهة “إسرائيل” وحدها؛ فتفاعلت معها هشاشة الدول وتنافس الأنظمة على الشرعية والنفوذ.
“إسرائيل” بين الردع وسوء التقدير
اعتمدت “إسرائيل” على تفوقها العسكري وعلى افتراض أن خصومها لن يخاطروا بحرب جديدة وهم أقل قدرة على مجاراتها.
هذا الافتراض خلط بين القدرة والنية، وعجز مصر وسوريا عن تحقيق نصر شامل لا يعني استعدادهما لقبول استمرار الوضع القائم، حيث تبين الوثائق الأميركية أن صناع القرار في واشنطن استبعدوا الهجوم رغم التحذيرات والمؤشرات التي سبقته.
لم يكن الخطر في نقص المعلومات وحده، إلا أن تفسيرها كان داخل تصور مسبق عن حدود ما يمكن للعرب فعله.
تجاوزت الحسابات الإقليمية الجيوش، وامتلكت الدول العربية المنتجة للنفط أداة ضغط اقتصادية، وربطت السعودية استخدام النفط بموقف واشنطن من الصراع، فارتبط أمن الجبهات العسكرية بأسواق الطاقة وعلاقة الولايات المتحدة بحلفائها، من دون أن يعني هذا وجود قيادة عربية موحدة تتحكم بكل الأدوات.
هدوء يحمل أسباب انفجاره
عشية 6 تشرين الأول، كان الشرق الأوسط أمام شبكة أزمات متصلة، من أرض محتلة، ودبلوماسية متعثرة، وانقسام عربي، وتنافس أميركي سوفياتي، وقناعة “إسرائيلية” بأن الردع كاف لضمان استمرار الوضع.
تجاوزت الحرب حدثا عسكريا يهبط على منطقة مستقرة؛ كانت نتيجة مباشرة لعجز النظام الإقليمي عن تحويل وقف القتال إلى تسوية، ولتصور الأطراف أن الانتظار يخدم خصومها أكثر مما يخدمها.
السؤال الذي تركته تلك السنوات معلّقا هو إذا أغلقت الدبلوماسية الأبواب، فبأي وسيلة يمكن إجبار القوى الكبرى على فتحها؟
الشرق الأوسط عشية حرب تشرين: خط الزمن
من حزيران 1967 إلى 6 تشرين الأول 1973 — اضغط على أي محطة زمنية لعرض تفاصيلها.
جغرافيا الاحتلال بعد حزيران 1967
المساحات تقديرية، بالكيلومتر المربع. المقياس جذري (غير خطي) لإظهار الفوارق الكبيرة بين المساحات.
إجمالي المساحة تحت السيطرة “الإسرائيلية” نحو 68,000 كيلومتر مربع، من سيناء إلى الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وبقيت هذه الأرض أوراق تفاوض وأحزمة أمنية في آن واحد، فيما ظل القرار 242 مرجعا دوليا بلا آلية تنفيذ.

