أحمد الشرع في الأمم المتحدة.. عودة رئاسية تختبر دور سوريا الإقليمي

وصل الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع إلى نيويورك في 21 أيلول 2026 للمشاركة في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في ثاني حضور له خلال عام.

ظهوره الأول على المنبر، في أيلول 2025، أنهى غيابا رئاسيا سوريا استمر 58 عاما منذ مشاركة نور الدين الأتاسي في دورة طارئة بعد حرب 1967، وتعيد الزيارة الحالية طرح السؤال حول ما إذا كان هذا الحضور المتكرر يعكس استعادة سوريا موقعها الإقليمي، أم أن الحركة الدبلوماسية ما تزال تتقدم على قدرة الدولة داخل أراضيها.

كسرت زيارة 2025 الغياب الرئاسي الطويل، أما تكرار الحضور في 2026 فينقل النقاش من رمزية العودة إلى حصيلتها.

ظهور الرئيس في نيويورك يمنح السلطة الانتقالية اعترافا أوسع وفرصة لفتح قنوات سياسية واقتصادية، لكنه لا يكفي لاستعادة سوريا وزنها الإقليمي الذي يقاس بما تنتجه الاجتماعات من استثمارات وتخفيف للقيود وقدرة على حماية السيادة، في وقت ما تزال فيه الأرض السورية خاضعة لضغوط أمنية ونفوذ خارجي، ولم تكتمل أيضا قدرة مؤسسات الدولة على إدارة البلاد.

ستة عقود بلا رئيس

يصعب العثور على وثيقة سورية تحدد سببا واحدا لغياب الرئاسة السورية زمن البعث عن اجتماعات الجمعية العامة، فافتراض الخوف الأمني أو رفض السفر إلى الولايات المتحدة لا يشكل حقيقة موثقة تكفي وحدها لفهم ستة عقود.

في فترة الرئيس حافظ الأسد، لم يكن غيابه عن الجمعية العامة مؤشرا إلى غياب سوريا عن الإقليم، فاستندت مكانة دمشق إلى قدرتها على التأثير في الملفات المحيطة بها ودفع القوى الدولية إلى التعامل معها مباشرة.

يكشف ذلك عن نموذج دبلوماسي لم ير في المنبر الأممي مركزا لصناعة النفوذ، بقدر ما اعتمد على المفاوضات الثنائية وإدارة موازين القوة من دمشق.

تغير الأمر مع الرئيس بشار الأسد، خصوصا بعد 2011، بقيت الدولة ممثلة بوزير الخارجية ومندوبيها، لكن الرئيس صار مرتبطا في الخارج بالحرب والعقوبات، وحافظت سوريا على مقعدها، بينما تقلصت قدرة دمشق على استخدامه لبناء شراكات جديدة.

عودة من بوابة مختلفة

يحضر الرئيس الشرع اجتماعات الدورة الحادية والثمانين في نيويورك بعد عام على زيارته الأولى، وفي وضع لم تعد فيه مهمته محصورة بكسر العزلة وانتزاع الاعتراف بالسلطة الانتقالية.

الحضور الثاني يختبر طبيعة القبول الدولي لدمشق، وهل تحول إلى قدرة تفاوضية ومشاريع لإعادة الإعمار وموقع مؤثر في ملفات الإقليم، أم بقي مكسبا دبلوماسيا يتقدم على الواقع السوري.

الطريق إلى خطاب 2025 فتحت عبر الرياض وأنقرة وواشنطن وعواصم أوروبية، وسبق الزيارة لقاء الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في السعودية، وإنهاء واشنطن برنامج العقوبات السوري العام، ورفع الاتحاد الأوروبي معظم القيود الاقتصادية.

بعد الزيارة، جاء قرار مجلس الأمن في تشرين الثاني 2025 برفع العقوبات عن الشرع، ما عزز شرعية السلطة الجديدة خارجيا ورفع سقف التوقعات من مشاركتها الحالية.

لكن هذا المسار لم يحرر سلطة دمشق الحالية من اعتمادها على الخارج، فتراجع ثقل إيران وروسيا، في مقابل حاجة أمنية إلى تركيا، واقتصادية إلى دول الخليج، وارتباط الانفتاح المالي بقرارات الولايات المتحدة وأوروبا.

يضع هذا الواقع حضور سوريا الإقليمي أمام اختبار صعب، فهو مرهون بقدرة هذه السلطة على تحويل تعدد علاقاتها إلى هامش أوسع للقرار وتعزيز قدرة مؤسساتها، وليس إلى صيغة جديدة من الاعتماد الموزع على عواصم عدة.

الخريطة أهم من الخطاب

يصل الرئيس السوري الانتقالي إلى نيويورك بعدما استعادت حقول النفط والمعابر، ما منحها أوراقا لم تكن تملكها في زيارة 2025؛ غير أن تحويل السيطرة الميدانية إلى موارد مستقرة وسيادة فعلية، ووقف الغارات، يظل خارج قدرة المنبر الأممي وحده.

من ينظر إلى الخريطة السورية يرى سريعا حدود العودة: في الشمال الشرقي توجد موارد الطاقة والحدود مع العراق وتركيا، وفي الجنوب يمتد الاحتكاك مع “إسرائيل” من الجولان إلى المناطق التي دخلتها قواتها بعد سقوط الأسد،  أما الساحل، فيحمل أهمية الموانئ والعلاقة القديمة مع روسيا.

كان اتفاق الاندماج بين السلطة الحالية وقوات سوريا الديمقراطية في 2026 مهماً، والسؤال يتعلق  بمن يدير النفط والطرق والمعابر، وكيف ستعود المؤسسات إلى مناطق عاشت سنوات خارج سيطرة المركز.

وفي الوقت نفسه، أظهرت الضربات “الإسرائيلية” والمنافسة مع تركيا حول المنشآت العسكرية السورية أن البلاد ما تزال مجالا لتصفية مخاوف دول أخرى.

وجود رئيس سوري في الأمم المتحدة يمنح السلطة الحالية قناة للاعتراض وطلب الوساطة، لكنه يغير ميزان القوة على الأرض بمفرده.

سوريا بين موقع الإقليم وقدرة الدولة

لا يتحدد الحضور الإقليمي لسوريا بعدد الاجتماعات التي يعقدها رئيسها، وإنما بقدرة هذه السلطة على التأثير في الملفات التي تتقاطع داخل حدودها.

تركيا تنظر إلى الشمال من زاوية أمن الحدود والملف الكردي، وتتعامل “إسرائيل” مع الجنوب والجولان والمجال الجوي باعتبارها نطاقات أمنية، بينما يرتبط العراق ولبنان بسوريا عبر المعابر وطرق التجارة والحركة السكانية.

يكتسب أي تغير داخلي في سوريا أثرا يتجاوز حدودها سريعا، ويتوقف وزن أي سلطة في دمشق على قدرتها على منع تحول علاقاتها الخارجية إلى ترتيبات ترسمها الدول الأخرى فوق الأرض السورية.

يشكل حضور الشرع الحالي في نيويورك اختبارا لقدرة سوريا على الانتقال من ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية إلى طرف يشارك في تحديد التوازنات، أعاد خطاب 2025 الصوت الرئاسي السوري إلى الأمم المتحدة، أما زيارة 2026 فتقاس بمدى قدرة السلطة على ربط هذا الصوت بسيادة داخلية وقرار خارجي مستقل، وغير قائم على حسابات العواصم المحيطة.

58 سنةغياب رئاسي عن الجمعية العامة
1967آخر مشاركة رئاسية (الأتاسي)
2025ظهور أول للشرع
2026الحضور الثاني — الدورة 81
81رقم الدورة الحالية
الخط الزمني
ميزان القوى
المكاسب والعوائق
الخريطة الاستراتيجية
التقييم النهائي
من الغياب إلى الحضور المتكرر
مسارات الدبلوماسية السورية نحو المنبر الأممي
1967
آخر مشاركة رئاسية سورية في الجمعية العامة — نور الدين الأتاسي في دورة طارئة بعد حرب حزيران.
1970 – 2000
عهد حافظ الأسد: غياب رئاسي عن الجمعية العامة، لكن حضور إقليمي قوي عبر المفاوضات الثنائية وإدارة موازين القوة من دمشق.
2000 – 2011
عهد بشار الأسد: استمرار التمثيل عبر وزير الخارجية والمندوبين، دون حضور رئاسي.
2011 – 2024
بعد اندلاع الحرب: الرئيس مرتبط في الخارج بالحرب والعقوبات، والمقعد السوري محفوظ لكن قدرة دمشق على استخدامه لبناء شراكات جديدة متقلصة.
أيلول 2025
الظهور الأول للرئيس أحمد الشرع على منبر الجمعية العامة — إنهاء غياب رئاسي استمر 58 عامًا.
تشرين الثاني 2025
قرار مجلس الأمن برفع العقوبات عن الشرع — تعزيز الشرعية الخارجية للسلطة الانتقالية.
21 أيلول 2026
الحضور الثاني للشرع في نيويورك — الدورة 81. الانتقال من رمزية العودة إلى اختبار الحصيلة.
كسرت زيارة 2025 الغياب الرئاسي الطويل، أما تكرار الحضور في 2026 فينقل النقاش من رمزية العودة إلى حصيلتها الفعلية: هل تحولت إلى قدرة تفاوضية ومشاريع إعادة إعمار وموقع مؤثر، أم بقيت مكسبًا دبلوماسيًا يتقدم على الواقع السوري؟
اعتماد سوريا على القوى الخارجية
مؤشر نسبي لطبيعة الارتباط حسب القطاع
تركيا — الحاجة الأمنيةمرتفعة
88%
دول الخليج — الحاجة الاقتصاديةمرتفعة
82%
الولايات المتحدة — الانفتاح الماليمرتفعة
85%
الاتحاد الأوروبي — القيود الاقتصاديةمرتفعة
78%
روسيا — الثقل المتراجعمنخفض
35%
إيران — الثقل المتراجعمنخفض
28%
لم يحرر المسار الدبلوماسي دمشق من اعتمادها على الخارج: تراجع ثقل إيران وروسيا، في مقابل حاجة أمنية إلى تركيا، واقتصادية إلى دول الخليج، وارتباط الانفتاح المالي بقرارات الولايات المتحدة وأوروبا. السؤال: هل يتحول تعدد العلاقات إلى هامش قرار أوسع، أم إلى صيغة جديدة من الاعتماد الموزع؟
المكاسب الدبلوماسية مقابل العوائق الميدانية
مقارنة بين ما تحقق على المنبر وما ينتظر على الأرض

مكاسب دبلوماسية

  • إنهاء الغياب الرئاسي 58 عامًا
  • اعتراف دولي أوسع بالسلطة الانتقالية
  • رفع العقوبات الأميركية (برنامج سوريا العام)
  • رفع معظم القيود الأوروبية الاقتصادية
  • قرار مجلس الأمن برفع العقوبات عن الشرع (نوفمبر 2025)
  • فتح قنوات سياسية واقتصادية جديدة
  • منبر للاعتراض وطلب الوساطة

عوائق ميدانية

  • استمرار الضغوط الأمنية على الأرض
  • النفوذ الخارجي المتعدد داخل سوريا
  • لم تكتمل قدرة مؤسسات الدولة على إدارة البلاد
  • ضربات إسرائيلية متواصلة في الجنوب
  • منافسة تركية حول المنشآت العسكرية
  • ملف الاندماج مع قوات سوريا الديمقراطية
  • السيطرة على النفط والمعابر لم تتحول إلى سيادة فعلية
المفارقة الجوهرية: الحركة الدبلوماسية تتقدم على قدرة الدولة داخل أراضيها. الحضور في نيويورك يمنح دمشق قناة للاعتراض وطلب الوساطة، لكنه لا يغير ميزان القوة على الأرض بمفرده.
الخريطة الاستراتيجية — حدود العودة
ثلاث مناطق حيوية ترسم معالم السيادة والاعتماد
الشمال الشرقي موارد الطاقة · الحدود مع العراق وتركيا · ملف قسد
الجنوب الاحتكاك مع إسرائيل من الجولان · مناطق ما بعد الأسد · ضربات متكررة
الساحل الموانئ · العلاقة القديمة مع روسيا · أهمية استراتيجية
استعادت دمشق حقول النفط والمعابر، ما منحها أوراقًا لم تكن تملكها في 2025. لكن تحويل السيطرة الميدانية إلى موارد مستقرة وسيادة فعلية، ووقف الغارات، يظل خارج قدرة المنبر الأممي وحده. اتفاق الاندماج مع قوات سوريا الديمقراطية (2026) طرح سؤالًا مركزياً: من يدير النفط والطرق والمعابر؟
التقييم النهائي — الصوت والسيادة
مؤشرات الفجوة بين الحضور الدبلوماسي والقدرة الداخلية
مرتفع
الحضور
الدبلوماسي
متوسط
قدرة مؤسسات
الدولة
منخفض
السيادة
الفعلية على الأرض
يشكل حضور الشرع الحالي اختبارًا لقدرة سوريا على الانتقال من ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية إلى طرف يشارك في تحديد التوازنات.

أعاد خطاب 2025 الصوت الرئاسي السوري إلى الأمم المتحدة. أما زيارة 2026 فتقاس بمدى قدرة دمشق على ربط هذا الصوت بسيادة داخلية وقرار خارجي أقل اعتمادًا على حسابات العواصم المحيطة.
الخلاصة الجوهرية

لا يتحدد الحضور الإقليمي لسوريا بعدد الاجتماعات التي يعقدها رئيسها، وإنما بقدرة دمشق على التأثير في الملفات التي تتقاطع داخل حدودها.
يتوقف وزن دمشق على قدرتها على منع تحول علاقاتها الخارجية إلى ترتيبات ترسمها الدول الأخرى فوق الأرض السورية.

المنبر الأممي يمنح الصوت، لكن السيادة تُبنى على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *