ظهرت المفارقة السورية عبر حفلة “أصالة نصري”، فعلى شاشة التلفزيون كانت صالة الفيحاء ممتلئة، وبعد منتصف الليل دوت أصوات الألعاب مع انتهاء الحفل، أما في البيوت، فكان قرار رفع أسعار المحروقات يقتطع جزءا جديدا من دخلٍ لم يعد يكفي لتغطية الضروريات.
ليس اجتماع الاحتفال والضيق المعيشي تناقضا في ذاته؛ فالمجتمعات لا تؤجل الحياة حتى تنتهي أزماتها.
المفارقة تكمن في المعيار الذي يقاس به التعافي، فالمؤسسات ترى في عودة الفعاليات وامتلاء القاعات دليلا على استقرار البلاد، بينما لا يلمس المواطن هذا الاستقرار ما دام دخله يفقد قيمته مع كل قرار جديد، وكرامته تنتهك في كل مناسبة.
تنشأ هنا فجوة الثقة، فالتعافي في الخطاب يعني استعادة المشهد العام، أما في حياة الناس فيعني استعادة القدرة على التخطيط للغد من دون خوف من أن تقلب زيادة واحدة ميزانية الأسرة كلها.
الجوع الذي لا يصنع ضجيجا
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ففي أيار الماضي، كان 7.2 ملايين شخص يعانون انعداما حادا في الأمن الغذائي، بينهم 1.6 مليون يواجهون جوعا شديدا.
لغة الأرقام تبدو باردة، لكنها تكشف أن الحرمان تجاوز مسالة الحالة الطارئة التي تصيب الفئات الأضعف، وأصبح واقعا تعيد غالبية الأسر ترتيب حياتها على أساسه.
في الشهر نفسه، خفض برنامج الأغذية العالمي مساعداته الطارئة إلى النصف بسبب نقص التمويل، وأوقف برنامج دعم للخبز كان يصل إلى أربعة ملايين شخص يوميا، ثم ارتفع سعر المازوت بنسبة 40%، مع زيادات أخرى طالت البنزين والغاز.
فالاقتصاد السوري هش لا يعامل المازوت كسلعة عادية، وإنما كسعر مرجعي يعيد تشكيل كلفة النشاط الاقتصادي كله، ورفع سعره ليس تعديلا فنيا فرضته كلفة الاستيراد، لأنه ينقل مباشرة عبء الأزمة إلى مجتمع استنفد قدرته على الاحتمال.
كشف اتساع الاحتجاجات ثم اعتماد أسعار متفاوتة أن القرار الأول تجاهل اختلاف القدرة على الدفع وحساسية القطاعات التي تقوم عليها الحياة اليومية.
هذا التراجع الجزئي يقول إن توزيع كلفة الأزمة قرار سياسي، وكان يمكن للحكومة أن تناقش البدائل قبل رفع الأسعار، لا بعد اشتعال الإطارات في الشوارع.
لماذا تحولت أصالة إلى معركة؟
خلق الجدل الذي رافق حفل أصالة مساحة أهم من الحدث بذاته، وحوله إلى اختبار علني لحدود المجال العام في سوريا، فهل يتسع لأنماط ثقافية واجتماعية مختلفة، أم تستطيع فئة واحدة فرض تصورها لما يجوز ظهوره؟
أصبحت القضية مرتبطة بشكل المجتمع الذي يتكون بعد الحرب، لا بفنانة بعينها.
قبل الحفل، مزق أشخاص ملصقاته ووزعوا دعوات إلى مقاطعته لأسباب دينية، وكشفت الحملة أن الخلاف تجاوز تقييم حدث فني إلى نزاع حول من يحدد المقبول في المجال العام، فالمعترضون رأوا الحفل مناقضا لقيمهم، بينما رأى آخرون أن الاعتراض انتقل من التعبير عن موقف إلى محاولة فرضه.
المشكلة ليست في الغناء، فهي تبدأ حين يتحول الحفل، برعايته الرسمية وتغطيته الواسعة، إلى دليل جاهز على أن البلاد استعادت عافيتها، فامتلاء صالة في العاصمة لا يكفي للقول إن المجتمع يتعافى، تماما كما أن افتتاح مطعم جديد لا يلغي وجود الجوع.
بلد واحد يسير بسرعتين
في صالة الفيحاء حيث غنت أصالة، ظهرت صورة بلد يستعيد إيقاعه العام، بينما كشفت الاحتجاجات أن آثار القرارات الاقتصادية موزعة بصورة غير متكافئة بين المركز والأطراف، ولا تتعلق الفجوة بالمكان وحده، وإنما بطريقة حضور الدولة، فلديها قدرة واضحة على إنتاج مشهد الاستقرار، يقابلها ضعف على توفير شروطه الاجتماعية.
عمليا لا يمكن فصل أزمة الطاقة عن القيود الخارجية والاختلالات المتراكمة في القطاع، لكن تفسير منشأ الأزمة لا يبرر طريقة إدارتها، فالسياسة العامة تختبر بعد وقوع الصدمة، فهل تمتص الدولة جزءا من كلفتها أم تمررها مباشرة إلى المجتمع؟ وحين تسبق قرارات رفع الأسعار أدوات الحماية، يصبح الخلل في ترتيب الأولويات، لا في ندرة الموارد وحدها.
المشكلة الأبعد أن تعديل القرار لم يأتِ عبر نقاش عام أو مراجعة مؤسسية، وإنما بعد انتقال الاعتراض إلى الشارع، ما يرسخ نمطا تصبح فيه الضغوط الاجتماعية وسيلة التصحيح الأساسية، بدلا من وجود قنوات تختبر أثر السياسات قبل إصدارها.
استمرار هذا النمط يجعل كل قرار اقتصادي قابلا للتحول سريعا إلى أزمة سياسية.
لا تكسروا العود.. اسألوا عن الفاتورة
من السهل مهاجمة حفل غنائي لأنه مشهد واضح، بينما تبدو أزمات الاستيراد والدعم والاحتكار أكثر تعقيدا.
تمزيق صورة أصالة لا يعيد الخبز إلى مائدة، كما أن مطالبة الناس بتأجيل الفرح إلى أن ينتهي الفقر تعني تأجيله إلى أجل غير معلوم.
المطلوب ليس إسكات الموسيقى، وإنما منع استخدامها زينة لصورة تعافٍ لا يراها معظم السوريين في حياتهم، فتستطيع الدولة حماية الفن، وفي الوقت نفسه نشر كلفة الوقود، ومراقبة الأسواق، ودعم النقل والزراعة، ومصارحة الناس بما تستطيع فعله وما تعجز عنه.
لا ينبغي وضع الحرية الثقافية والعدالة الاقتصادية في مواجهة بعضهما، فكلتاهما شرط لحياة عامة سليمة، والبلد الذي يفسح المجال للاحتفال مطالب أيضا بأن يسمع الاعتراض، وألا يترك الفئات الأضعف وحدها أمام كلفة القرارات، عندها يصبح التعافي واقعا مشتركا، لا تجربة متاحة فقط لمن يستطيع تحمل ثمنها.
أي سوريا ظهرت في ليلة أصالة؟
لماذا لا يُقاس التعافي بعدد القاعات الممتلئة؟
+40% البنزين
زيادة لم يحدد المقال نسبتها الغاز
زيادة لم يحدد المقال نسبتها
الخلل في ترتيب الأولويات لا في ندرة الموارد وحدها
- قبل الحفل: مزق أشخاص ملصقاته ووزعوا دعوات إلى مقاطعته لأسباب دينية.
- الخلاف تجاوز تقييم حدث فني إلى نزاع حول من يحدد المقبول في المجال العام.
- المعترضون رأوا الحفل مناقضاً لقيمهم، بينما رأى آخرون أن الاعتراض انتقل من التعبير عن موقف إلى محاولة فرضه.
- القضية مرتبطة بشكل المجتمع الذي يتكون بعد الحرب، لا بفنانة بعينها.
الفرق بين مشهد التعافي وشرطه الاجتماعي
في صالة الفيحاء ظهرت صورة بلد يستعيد إيقاعه العام، بينما كشفت الاحتجاجات أن آثار القرارات الاقتصادية موزعة بصورة غير متكافئة بين المركز والأطراف. الفجوة لا تتعلق بالمكان وحده، وإنما بطريقة حضور الدولة: قدرة واضحة على إنتاج مشهد الاستقرار، يقابلها ضعف على توفير شروطه الاجتماعية.
وحين تسبق قرارات رفع الأسعار أدوات الحماية، وتأتي المراجعة بعد انتقال الاعتراض إلى الشارع بدل نقاش عام ومؤسسي، يترسخ نمط يصبح فيه كل قرار اقتصادي قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة سياسية.

