حملات الحجاب على جدران دمشق.. سلطة القواعد في مواجهة الدولة الوطنية

ظهرت عبارة “الحجاب فريضة” في آب 2026 على جدران منطقة باب شرقي ومناطق مختلفة في دمشق، بعد موجة أوسع حملت شعار “عظم ربك ولا تكفر به”.

سبق ذلك ملصقات عن “حجاب المرأة المسلمة” مطلع 2025، وكتابات مثل “الخمار فريضة” و”سب الله كفر”، ثم منشورات ضد الاختلاط والأغاني والخمر خلال تشرين الثاني من العام نفسه.

      يبدو المشهد جدلا بين محافظين وعلمانيين حول الدين ولباس النساء، وتكشف القراءة الأعمق صراعا مختلفا، فمن يملك حق وضع القواعد في المجال العام؟ وهل تتولى المؤسسات الرسمية هذه المهمة باسم مواطنين متساوين، أم تستطيع جماعات مجهولة وشبكات دعوية تحويل رؤيتها الأخلاقية إلى تعليمات معلقة على جدران المدينة؟

تتناقض هذه الحملات مع مفهوم الدولة الوطنية عندما تنتقل من التعبير عن معتقد ديني إلى ممارسة سلطة اجتماعية غير خاضعة للمحاسبة، فالقضية في الجهة التي تمنح نفسها حق مخاطبة المجتمع بصيغة الأمر، وتحديد السلوك المقبول، واختيار الأمكنة التي تعرض فيها هذه التعليمات.

الدولة ليست مبانيها فقط

تقاس قوة الدولة بقدرتها على جعل القواعد الرسمية مرجعية مشتركة للحياة اليومية، ووجود حكومة ووزارات وأجهزة أمن لا يعني اكتمال الدولة إذا استطاعت شبكات أخرى صياغة قواعد موازية وتطبيقها اجتماعيا من دون ترخيص أو رقابة أو مساءلة.

تظهر في دمشق فجوة بين الصورة الرسمية للدولة وممارستها الفعلية، فتقدم السلطة نفسها شكليا بوصفها ممثلة لجميع السوريين، بينما تسمح البيئة العامة بظهور رسائل مجهولة تحدد للنساء شكل لباسهن، وتحذر المجتمع من الاختلاط والموسيقى، وتستخدم مفردات الكفر في شوارع يعيش فيها مواطنون من أديان وأنماط حياة مختلفة.

تنتج هذه الفجوة نظاما متعدد القواعد، تصدر المؤسسات قانونا رسميا، وتطرح الجماعات الدينية قواعد أخلاقية، وتفرض الأحياء والعائلات ضغوطها، ويتصرف الموظفون المحليون وفق تقديرات متباينة.

يصبح المواطن أمام دولة واحدة من الناحية القانونية، لكنه يعيش تحت سلطات اجتماعية متعددة من الناحية العملية.

الجدار بوصفه مساحة سيادة

يحمل اختيار الجدران دلالة تتجاوز وسيلة الإعلان الرخيصة، فهو جزء من المجال العام الذي يفترض أن تنظمه الدولة وفق قواعد معلنة ومحايدة، والكتابة عليه من دون تعريف الفاعل أو موافقة مالكه تمثل استحواذا مؤقتا على قطعة من المدينة، وتحويلها إلى منبر أحادي الاتجاه.

تحمل الكتابة السياسية أو الدينية المجهولة رسالة إضافية؛ فتستطيع الجهة الوصول إلى المكان والعمل فيه والرحيل من دون تعريف نفسها.

تزداد هذه الرسالة قوة عندما تتكرر القوالب والخطوط في مناطق متعددة بينما تغيب بيانات المحافظة والأوقاف والأمن عن هوية المنفذين.

اكتسب ظهور “الحجاب فريضة” في باب شرقي وبعض المناطق حساسية خاصة بسبب وجود كنائس ومقابر وأحياء ذات حضور مسيحي تاريخي، واختيار المنطقة نفسه يطرح سؤالا عن حدود استخدام هوية الأغلبية داخل مكان وطني متعدد الانتماءات.

تقوم الدولة الوطنية على حق المسلمة بارتداء الحجاب، وحق المسيحي وغير المتدين في عدم تلقي تعليمات دينية مفروضة على جدار حيه أو مؤسسته، وتنظيم المجال العام لا يعني محاربة الدين، بل منع أي جماعة من تحويل معتقدها إلى سلطة مكانية على الآخرين.

جسد المرأة ميدان لاختبار القوة

تركز معظم الحملات على لباس النساء لأن جسد المرأة يستخدم في مجتمعات كثيرة لرسم الحدود بين الجماعات، فيصبح الحجاب دليلا على هوية المجتمع، وتتحول المرأة من مواطنة صاحبة قرار إلى علامة تحملها الجماعة لإظهار تفوق قواعدها.

قدمت ملصقات “حجاب المرأة المسلمة” نموذجا تفصيليا للباس، شمل تغطية الجسد والاتساع وعدم الشفافية وغياب الزينة والعطر.

ردت ملصقات ظهرت على جدران في دمشق وحمص تحت عنوان “لباس المرأة الحرة”، وربطت اختيار الملابس بالراحة والرغبة الشخصية، لتكشف أن الحرية لم تحسم معنى، بل نقل الصراع حول حدودها إلى المجال العام.

تعمل السلطة الاجتماعية عبر تحويل التوجيه الديني من رأي قابل للنقاش إلى معيار ضمني تقاس به سمعة النساء ومكانتهن داخل الجماعة، ويكتسب هذا المعيار فاعليته من المراقبة والوصم وربط السلوك الفردي بهوية المجتمع، من دون حاجة إلى عقوبة رسمية.

تصبح كلفة الاختلاف اجتماعية، ويغدو الاختيار الشخصي محكوما برضا الجماعة أكثر من ضمانات المواطنة.

مؤسسات تتحرك بقواعد متباينة

يظهر التناقض المؤسسي بوضوح في التعامل مع “حملة الذهبي للحجاب الشرعي” التي يقودها المصري هاني دهب.

أعلنت الحملة هدف توزيع مليون طقم داخل سوريا، وظهرت أنشطتها في جامعات ومحافظات مختلفة، وجمعت التبرعات من دون نشر حساب مالي مدقق يوضح حجم الأموال والمانحين.

وصلت الحملة إلى جامعة دمشق، ثم منعت وزارة الأوقاف فعالية لها في شام سيتي سنتر خلال آب 2026، وقالت الحملة إن الاعتراض تعلق بنمط الملابس، بينما أوضحت الوزارة أن المنظمين رفضوا تقديم خطة دعوية تخضع لإشرافها.

تعكس الروايتان نزاعا على من يملك ترخيص النشاط الديني أكثر مما تعكسان خلافا فقهيا حول الحجاب.

تكشف الواقعة قدرة الوزارة على إيقاف فاعل معروف، مقابل عجز المؤسسات أو صمتها أمام فاعلين مجهولين يكتبون الرسائل نفسها على الجدران، فتنشأ مفارقة؛ النشاط المعلن يمكن تنظيمه أو منعه، بينما يتحرك النشاط المجهول بحرية أكبر.

نشرت محافظة دمشق قبل واقعة باب شرقي مادة تحذر من تشويه جدران المدينة القديمة، لكنها لم تعلن نتائج تحقيق أو إزالة محددة أو ضبط أشخاص مرتبطين بالشعارات الدينية.

بقي موقفها عند مستوى حماية المظهر البصري، بينما يتعلق جوهر المشكلة بحماية حياد المجال العام وملكية الجدران وحقوق السكان.

شبكة محلية بامتداد عابر للمناطق

انتقلت عبارة “عظم ربك ولا تكفر به” من دمشق إلى الغوطة وظهرت بصيغ مماثلة في درعا وحماة ومناطق أخرى.

يشير الانتشار إلى تداول نموذج دعوي تستطيع مجموعات محلية نسخه من خلال المنصات الرقمية، ولا يثبت وجود قيادة مركزية واحدة.

يحمل نشاط هاني دهبي بعدا عابرا للحدود بسبب جنسيته وشبكة التبرعات واتساع نشاطه السوري، لكن الأدلة المتاحة لا تثبت ارتباط الحملات بدولة أجنبية.

تبقى المحركات المحلية هي الأهم، لأن المرحلة الانتقالية لم تحسم الجهة التي تملك حق تعريف السلوك العام، فتحول النفوذ الاجتماعي إلى وسيلة للتفاوض على موقع داخل النظام الجديد.

حرية الدعوة أم سلطة موازية؟

تندرج الدعوة الدينية ضمن حرية التعبير عندما تمارس بصورة معلنة وطوعية، وفي أماكن مخصصة، ومن خلال جهة معروفة تتحمل المسؤولية القانونية عن نشاطها.

يخرج استخدام الجدران العامة أو الخاصة من هذا الإطار فهو يجري بلا إذن وبصيغة تحدد للناس السلوك المقبول من وراء هوية مجهولة.

تكفل حرية التعبير حق نشر الرأي، لكنها لا تنشئ حقا في الاستحواذ على المكان أو تحويل الرسالة إلى حضور دائم مفروض على سكانه، فتنتقل الدعوة من مجال الإقناع إلى ممارسة سلطة اجتماعية موازية.

يقاس حياد الدولة بمدى تطبيق قاعدة واحدة على جميع الكتابات غير المرخصة بصرف النظر عن مضمونها، فيجمع تنظيم المجال العام بين حماية حق التعبير ومنع أي جماعة من تحويل معتقدها إلى قاعدة مفروضة خارج القانون.

الغموض بوصفه طريقة للحكم

يؤدي الغموض الحالي وظيفة سياسية تتجاوز العجز الإداري، وترك الرسائل المجهولة بلا حسم يسمح للسلطة باختبار حدود القبول الاجتماعي من دون تبني مضمونها رسميا، بينما تحتفظ بإمكانية التدخل أو التنصل وفق حجم الاعتراض.

تحصل الشبكات المحافظة على مساحة للحركة، وتتفادى المؤسسات دفع الكلفة السياسية لإعلان موقف واضح من شكل المجتمع الذي تريد بناءه.

يكشف اختلاف التعامل مع الكتابات المجهولة وفعالية حملة الذهبي أن معيار التدخل لا يتعلق بالمضمون الديني وحده، فتحركت الأوقاف عندما ظهر فاعل معروف يملك اسما وتمويلا وانتشارا، لأن نشاطه اقترب من منافسة المؤسسة على تنظيم المجال الدعوي.

أما الرسائل المجهولة فبقيت أقل تهديدا للسلطة الرسمية رغم أثرها الاجتماعي، لأنها لا تنتج قيادة يمكن أن تتحول إلى مركز نفوذ مستقل.

تتوزع السيطرة في هذا النموذج بين مؤسسات الدولة والشبكات الاجتماعية بدل أن تختفي، تحتفظ السلطة بحق الترخيص والمنع، بينما تترك للجماعات مساحة تعريف السلوك المقبول داخل المجتمع، فيحول هذا الترتيب القانون من قاعدة عامة إلى مورد تستخدمه المؤسسات بصورة انتقائية، ويجعل المواطنة خاضعة لموازين القوة المحلية أكثر من خضوعها لمعيار وطني موحد.

الدولة الوطنية تبدأ من القاعدة المشتركة

تكشف حملات الحجاب أن معركة بناء الدولة السورية لا تدور فقط حول الجيش والحدود والعلاقات الخارجية، فهي تدور أيضا حول الجدار، والجامعة، ولباس المرأة، والجهة التي تستطيع مخاطبة المجتمع بصيغة الأمر.

تحتاج الدولة الوطنية إلى أكثر من استعادة السيطرة الإدارية، فتتطلب قاعدة مشتركة تجعل المواطنة أعلى من سلطة الجماعة، وتجعل القانون مرجعية للداعية والناشط والموظف والمؤسسة الأمنية.

استمرار الحملات المجهولة مع تدخل رسمي انتقائي يعني أن الدولة لم تحسم بعد لمن تعود سلطة وضع القواعد؛ للمؤسسات الوطنية أم لمن يستطيع الوصول إلى الجدار أولا.

الغموض بوصفه طريقة للحكم – لوحة تحليلية

الغموض بوصفه طريقة للحكم

تحليل تفاعلي لآليات السيطرة، معيار التدخل، وتوزيع السلطة بين الدولة والشبكات الاجتماعية
وظيفة الغموض
اختبار القبول
تتيح للسلطة قياس ردود الفعل دون تبني رسمي للمضمون
معيار التدخل
الاسم + التمويل
تحركت الأوقاف ضد الذهبي (فاعل معروف) وليس ضد الرسائل المجهولة
توزيع السيطرة
مشترك
الدولة ترخص وتمنع، والشبكات تعرّف السلوك المقبول
المواطنة
محلية
تخضع لموازين القوة المحلية بدلاً من معيار وطني موحد
وظائف الغموض السياسي أداة حوكمة
قراءة: يحقق الغموض أهدافاً متعددة؛ أبرزها إفساح مساحة للشبكات وتفادي التكلفة السياسية للمؤسسات، مع الاحتفاظ بخيار التدخل أو التنصل.
معيار التدخل الحكومي مجهول مقابل معروف
الخلاصة: الرسائل المجهولة تبقى دون تدخل رغم أثرها الاجتماعي، بينما يحظى الفاعل المعروف (كحملة الذهبي) باستجابة سريعة لأنه يمتلك اسماً وتمويلاً وانتشاراً.
توزيع السيطرة وآليات الضبط نموذج الحكم
التحليل: السيطرة مشتركة بين مؤسسات الدولة (ترخيص ومنع) والشبكات الاجتماعية (تعريف السلوك). يُستخدم القانون بشكل انتقائي، وتصبح المواطنة مرهونة بموازين القوة المحلية لا بمعيار وطني موحد.
عوامل تحفيز التدخل – حالة “الذهبي” مقارنة
الدلالة: تتحرك المؤسسات عندما يمتلك الفاعل اسماً معروفاً وتمويلاً وانتشاراً، ويقترب من منافسة الدولة على تنظيم المجال الدعوي. بينما تبقى الرسائل المجهولة خارج دائرة الاستهداف.

1 فكرة عن “حملات الحجاب على جدران دمشق.. سلطة القواعد في مواجهة الدولة الوطنية”

  1. اليسار الخضري

    أسلوب الكتابة على الجدران والغاء المواطنة والحقوق والواجبات وعدم محاسبة الدولة بسورية مرفوض جملة وتفصيل ويجب محاسبة الفاعلين سورية الحضارة ليست كافرة وهي مهد الأديان كلها. يرفعوا نفاقهم عنا كرهناهم وكرهتا البلد البلد للكل وفيها تنوع كبير ولا يمكن فرض قناعاتهم على الناس الواعية الحرة بشخصيتها وقناعااتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *