في الظاهر، بدا ما جرى في شرق الفرات خلال 21–24 آذار حادثا رمزيا محدودا؛ إنزال العلم السوري خلال احتفالات نوروز في كوباني، ثم تمدد التوتر إلى القامشلي والحسكة، مع اقتحام مجموعات محلية بعض المقار الأمنية ورفع مستوى الاستنفار وفرض إجراءات احترازية.
لكن القراءة الجيوسياسية تظهر أن المسألة أبعد كثيرا من “استفزاز رمزي” أو “سوء تصرف ميداني”، ما انكشف فعليا هو هشاشة الترتيب السياسي الذي نشأ بعد تفاهمات كانون الثاني بين سلطة دمشق و”قسد”، وحدود قدرة الطرفين على ترجمة التهدئة العسكرية إلى عقد سياسي متماسك في شرق الفرات.
تسوية مؤجلة لا منتهية
منذ وقف النار الذي فُرض في كانون الثاني بعد جولة قتال أعادت رسم خرائط السيطرة شمال شرقي سوريا، صار واضحا أن الملف لم يحسم، بل جرى تجميده ضمن صفقة مؤقتة؛ سلطة دمشق استعادت موطئ قدم سياسيا وأمنيا، و”قسد” ربحت وقتا ومنعا لانهيار كامل، فيما لعبت الوساطة الأميركية دور الضامن المرحلي لا أكثر.
رويترز وصفت الاتفاق بأنه عرضة لـ”سوء التقدير”، وهي صياغة دقيقة؛ لأن ما نراه الآن ليس انهيارا للتفاهم، بل ظهور التشققات البنيوية التي كانت كامنة فيه منذ البداية.
ثلاث فجوات كاشفة للأزمة
تكمن أهمية أحداث الأيام الأخيرة في أنها كشفت ثلاث فجوات متراكبة؛ الأولى بين التهدئة العسكرية والاندماج السياسي، فإطلاق النار يمكن وقفه بوساطة، لكن إعادة تعريف السيادة والرموز والمرجعيات في منطقة حكمت نفسها لسنوات خارج المركز يحتاج إلى تفاوض أعمق بكثير.
الثانية هي الفجوة بين خطاب الاعتراف وبنية الثقة، فالرئيس الانتقالي أحمد الشرع استقبل وفدا كرديا في 23 آذار وأكد أن نوروز عيد وطني يعكس هوية المكوّن الكردي، كما ارتبطت المرحلة السابقة بمرسوم يوسّع حقوق الأكراد ويعيد الجنسية لفئات منهم، لكن هذا الاعتراف السياسي لم ينجح حتى الآن في تبديد الشك المتبادل على الأرض، أما الفجوة الثالثة فهي بين مركزية الدولة التي تريدها سلطة دمشق واللامركزية الواقعية التي تشكلت في شرق الفرات بفعل الحرب والتحالفات والاقتصاد الأمني المحلي.
العلم كاختبار للسيادة
لهذا السبب كان حادث العلم شديد الدلالة، ففي الدول الخارجة من النزاع، تصبح الرموز اختصارا مكثفا للصراع على الشرعية، فمن يرفع العلم، ومن ينزله، وأين يوضع، ومن يحميه، وهي ليست تفاصيل بروتوكولية؛ بل أسئلة تتعلق بمن يحتكر تعريف الدولة في المجال العام.
حين يُنزل العلم السوري في كوباني ثم تتسع موجة الغضب وتظهر ردود فعل مضادة في القامشلي والحسكة، فإن الرسالة ليست أن طرفا يرفض راية فحسب، بل أن مسألة من يملك الفضاء السيادي شرق الفرات لم تُحسم بعد، ولهذا جاءت الإدانات الرسمية والدعوات إلى التهدئة سريعة؛ لأنها فهمت أن الرمز هنا يمكن أن يتحول إلى شرارة تُعيد تسييس الانقسام الكردي–العربي والكردي مع الدولة دفعة واحدة.
تناقض اللحظة السياسية
الأخطر أن التوتر جاء في توقيت كان يُفترض أنه إيجابي نسبيا، قبل أيام فقط، جرى تبادل نحو 600 موقوف بين الحكومة السورية و”قسد” في الحسكة، في خطوة بدت كأنها مؤشر على استمرار قنوات التنسيق وتقدم بطيء في تنفيذ التفاهمات.
وفي التوقيت نفسه، حملت احتفالات نوروز دلالة سياسية معاكسة تماما عبر اعتراف رسمي بالعيد، وعودة بعض الأكراد إلى عفرين، وإشارات إلى انفتاح سوري جديد على المسألة الكردية، لكن الحادث الأمني أظهر أن إجراءات بناء الثقة ما زالت سطحية إذا لم تُترجم إلى قواعد اشتباك سياسية واضحة حول الإدارة المحلية، والتمثيل الأمني، وحدود حضور مؤسسات الدولة المركزية.
صدام الإيقاعات بين سلطة دمشق و”قسد”
لا ينبغي قراءة ما جرى باعتباره أزمة كردية–عربية مباشرة، ولا بوصفه تمردا جديدا لـ”قسد” على التفاهم، والأقرب إلى الدقة أنه صدام بين إيقاعين سياسيين مختلفين، فسلطة دمشق تتحرك بمنطق استعادة الدولة، أي توسيع حضور الرمز والمؤسسة والقرار المركزي خطوة خطوة.
في المقابل، تتحرك البيئة السياسية والأمنية المرتبطة بـ”قسد” بمنطق حماية المكاسب المتراكمة منذ سنوات الحرب الي يظهر بالإدارة الذاتية، والبنية الأمنية المحلية، والخصوصية السياسية–الثقافية للمناطق الكردية، مع امتدادات ذلك في الرقة ودير الزور والحسكة، وعندما يتصادم هذان الإيقاعان دون إطار تفاوضي محكم، تتحول حادثة رمزية واحدة إلى اختبار شامل للتسوية كلها.
واشنطن: ضامن بلا التزام كامل
ثمة بعد آخر لا يقل أهمية يتجلى بالدور الأميركي المتراجع نسبيا ولكن الحاسم عند الأزمات، فالتفاهمات السابقة لم تكن لتصمد من دون رعاية أميركية، فيما كانت واشنطن خفّضت حضورها العسكري سابقا وأعادت تعريف أولوياتها في سوريا.
هذا يعني أن شرق الفرات يعيش مفارقة؛ كلما تقلصت الشهية الأميركية للانخراط الطويل، ازدادت حاجة الأطراف المحلية إلى الضامن الأميركي لمنع الانفجار، وهذه معادلة غير مستقرة بطبيعتها، فإذا كانت واشنطن راغبة في إبقاء الملف تحت السيطرة لا في إدارته تفصيليا، فإن احتمالات سوء الفهم المحلي ترتفع، خصوصا في الملفات الحساسة المرتبطة بالهوية والرموز والتمثيل الأمني.
البعد التركي غير المرئي
لا يمكن فصل ذلك عن البعد التركي أيضا، حتى لو لم يكن ظاهرا في الحدث المباشر، فأنقرة ما زالت تنظر إلى “قسد” من زاوية أمن قومي، فيما أي اضطراب في شرق الفرات يفتح الباب أمام إعادة تفعيل الضغط التركي السياسي أو العسكري أو التفاوضي.
سلطة دمشق تدرك أن إدارة علاقتها مع “قسد” ليست مسألة داخلية بالمطلق، بل جزء من معادلة أوسع تشمل واشنطن وأنقرة معا، لهذا يبدو الرئيس الشرع حريصا على خطاب مزدوج؛ تطمين الأكراد ثقافيا وسياسيا من جهة، والتشديد على وحدة الدولة واحتكارها للسلاح والرمز من جهة أخرى، وهذا التوازن ليس سهلا، وأحداث الأيام الأخيرة أظهرت أنه ينكسر سريعا تحت ضغط الشارع أو سوء التصرف المحلي.
شرق الفرات كساحة إعادة توزيع نفوذ
أما في دير الزور والرقة، فالمغزى أعمق من المسألة الكردية نفسها، فشرق الفرات ليس فقط ساحة هوية، بل ساحة موارد وشبكات نفوذ وعلاقات عشائرية وممرات أمنية، وأي إشارة إلى ضعف التفاهم بين سلطة دمشق و”قسد” تُقرأ فورا في تلك البيئات بوصفها فرصة لإعادة فتح التوازنات المحلية؛ من يمثل الدولة أو يضبط الأمن؟ ومن يستفيد من الموارد؟ ومن يملك قناة التواصل مع الخارج؟ لهذا فإن ارتدادات حادث القامشلي أو كوباني لا تبقى في المدن ذات الأغلبية الكردية، بل تمتد سياسيا إلى كل الإقليم الشرقي، حيث يُنظر إلى التسوية الجارية باعتبارها عملية إعادة توزيع سلطة لا مجرد مصالحة رمزية.
ما شهدناه في 23 و24 آذار لا ينبغي التقليل من شأنه، ولا تضخيمه باعتباره انهيارا نهائيا للتفاهم، فالأصح أنه جرس إنذار مبكر، والتسوية بين سلطة دمشق و”قسد” ما زالت قائمة، لكنها فوق أرض رخوة؛ اعتراف متبادل جزئي، وضمانات خارجية غير مكتملة، وملفات سيادية مؤجلة عمدا.
أزمة العلم أثبتت أن تأجيل هذه الملفات لا يُلغيها، بل يجعلها تنفجر في شكل رمزي ثم تتسع أمنيا، وإذا لم ينتقل الطرفان سريعا من منطق التهدئة المؤقتة إلى تفاوض صريح حول الإدارة والرموز والتمثيل الأمني، فإن شرق الفرات سيبقى قابلا للاشتعال عند كل مناسبة عامة، وكل استحقاق رمزي، وكل اختبار ميداني صغير.
لم تكن المشكلة في إنزال علم، بل في أن شرق الفرات ما زال يفتقر إلى صيغة نهائية للانتماء السياسي داخل سوريا الجديدة، وما لم تحسم هذه الصيغة، ستبقى أي حادثة محلية مرآة لأزمة سيادة مؤجلة.
ملخص تفاعلي: استناداً إلى تفاصيل المقال، تكشف الرسوم البيانية الفجوات البنيوية بين دمشق و”قسد”، حيث أظهر حادث العلم في كوباني أن الرموز الوطنية ما زالت ساحة اختبار للسيادة. تظهر البيانات أن مؤشر التوتر ارتفع بشكل حاد خلال 21-24 آذار، بالتزامن مع فجوات في الثقة وغياب إطار تفاوضي شامل حول الإدارة المحلية والتمثيل الأمني. ورغم خطوات مثل تبادل الموقوفين والاعتراف بنوروز، تبقى التسوية أرضاً رخوة ما لم تُحسم صيغة الانتماء السياسي في شرق الفرات.
الاستنتاج الاستراتيجي: شرق الفرات لم يشهد انهياراً كاملاً، لكن هشاشة الترتيب الحالي تظهر عند أي اختبار رمزي. الأطراف بحاجة إلى الانتقال من التهدئة المؤقتة إلى تفاوض صريح حول المركزية واللامركزية، وإلا سيبقى الإقليم قابلاً للاشتعال عند كل استحقاق وطني.

