تبدأ الحوكمة بسؤال جوهري: كيف تصبح السلطة وثيقة قابلة للفحص؟ وفي سوريا اليوم، تختصر حالة باسل حافظ السويدان تداخلا لافتا بين السياسة والإدارة، وبين القرار العام وشبكات النفوذ الاقتصادي.
سويدان وزير زراعة جديد، ومسؤول سابق في الوزارة، ومدير سابق لشركات استثمار زراعي، ورئيس لجنة معنية بالكسب غير المشروع، وعضو في لجنة الاستيراد والتصدير، وهذه المواقع، وفق السيرة المنشورة رسميا، ترسم خريطة نفوذ تمتد من الأرض إلى السوق، ومن الأصول المستردة إلى القرار الوزاري، ومن الوظيفة العامة إلى رأس المال الزراعي.
تعيين السويدان بمرسوم رئاسي في 9 أيار 2026 جاء في لحظة تحتاج فيها الإدارة السورية إلى قواعد أكثر من حاجتها إلى أسماء، فالبلد يحتاج إلى وزارات تعمل كأجهزة عامة، وسجلات مفتوحة، ومسارات قرار مفهومة، وآليات اعتراض متاحة.
عند هذه النقطة بالضبط تظهر الحوكمة كمعيار للدولة، فالسلطة التي تستطيع شرح نفسها تبدأ ببناء الثقة.
تضارب المصالح كاختبار مبكر
تذكر السيرة الرسمية أن السويدان شغل إدارة شركات “اكتفاء” و”الخضراء” و”غراس” للاستثمار الزراعي، إضافة إلى منصبه في الصندوق السيادي ووزارة الزراعة.
هذا التداخل يضع الدولة أمام امتحان بالغ الحساسية، فالوزير القادم من القطاع ذاته الذي سيديره يستطيع امتلاك معرفة، لكنه يحتاج في المقابل إلى إفصاح صارم عن المصالح، ونقل واضح للصلاحيات السابقة، وسجل يبين صلته الحالية أو المنتهية بتلك الشركات.
في الدول الهشة، يتكون الفساد غالبا داخل منطقة رمادية تسبق الجريمة الصريحة؛ من تقاطع المصالح والتباس الأدوار، وانتقال الأشخاص بين القرار العام والسوق من دون إفصاح كاف، ومن هذه الزاوية يصبح كشف المصالح شرطا سياسيا لبناء الثقة، لا تفصيلا إداريا؛ فوضوح العلاقة بين من يملك، ومن يدير، ومن يقرر، هو ما يحول السلطة من مجال للريبة إلى مساحة قابلة للمساءلة.
استرداد الأموال بين العدالة والإدارة
يرأس السويدان لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، وهي من أكثر الملفات حساسية في مرحلة انتقالية.
اللجنة، وفق تصريحات رسمية، تعمل على ملاحقة الأموال المنهوبة وحماية الأصول الاقتصادية المستعادة، وأنشأت مؤسسات لإدارة الأصول التابعة للمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، مع آلية تسوية تمنح الدولة 80 بالمئة من قيمة الأصول المستردة مقابل 20 بالمئة للشخص الخاضع للتسوية.
تمنح هذه الصيغة الدولة سلطة واسعة في منطقة شديدة الحساسية، حيث يتداخل تقييم الأصول مع حقوق العمال ومسار العدالة ومصير الأموال العامة، فتحتاج التسويات، حتى حين تقدم بوصفها مالية بحتة، إلى إطار منشور يوضح آليات التقدير والمراجعة والإفصاح، ويضمن بقاء المسار القضائي قائما في الملفات الجزائية.
وعرضت اللجنة هذا التمييز في حديثها عن برنامج الإفصاح الطوعي، وذكرت ضمنه حالات مثل سامر الفوز وطريف الأخرس، لكن قوة الحوكمة تقاس بالمنشور، لا بالمعلن فقط، فالبيان الرسمي يطمئن، أما قاعدة البيانات فتقنع.
يحتاج السوريون إلى سجل علني للأصول المستردة يتيح تتبع المال العام من لحظة استعادته إلى طريقة إدارته ومآله النهائي، فالأموال التي تسترد باسم الشعب لا تكتسب صفتها العامة بمجرد الإعلان عنها، بل حين تصبح بياناتها متاحة للفحص والمساءلة.
الزراعة كسياسة للملكية والعودة
يمكن تعميقها بهذه الصياغة:
تدير وزارة الزراعة في سوريا ملفا يتجاوز الإنتاج إلى معنى الملكية ذاته، فالأرض صارت سجلا للحقوق المعلقة بقدر ما هي مورد اقتصادي.
تزداد حساسية هذا الملف مع تراجع الإنتاج الزراعي؛ إذ قدرت منظمة الأغذية والزراعة أن محصول القمح في 2025 هبط إلى ما بين 900 ألف و1.1 مليون طن، وهي من أدنى المستويات المسجلة في سوريا، وسط جفاف قاس وتدهور في شبكات الري والمدخلات الزراعية.
تصبح السياسة الزراعية، في سوريا، سياسة ملكية وعودة وسلم أهلي في آن واحد، وأظهرت دراسات حقوق السكن والأرض والملكية أن قضايا الملكية ظهرت في 57% من المجتمعات السورية المشمولة بتقييمات إنسانية، وأن فقدان الوثائق أو تنازع الملكية ورد في أكثر من ثلاثة أرباع تلك المجتمعات.
وفي سهل الغاب تحديدا، تبدو هذه الإشكالية أكثر كثافة، حيث تكشف أحدث المعطيات أن السهل يعيش أزمة حقوقية تتعلق بأراضي الغائبين والمهجرين، وطرحت مساحات منها للاستثمار مؤخرا عبر مزادات أو عقود مثيرة للريبة.
لم تعد الأرض في سهل الغاب حقلا زراعيا فقط، بل اختبارا مكشوفا لقدرة الدولة على حماية الحق قبل تنظيم الاستثمار، وعلى سماع الفلاح قبل تحويل محصوله إلى رقم في خطة إنتاجية.
تبدو عقود الاستثمار الزراعي في مناطق النزوح اختبارا مباشرا للحوكمة، فالاستثمار الذي يقدم كإنقاذ للأرض أو منع لتلف الأشجار يتحول عند غياب المالك أو ضعف الضمانات القضائية، إلى إدارة للغياب بدل حماية للحق، حيث وثقت منظمات حقوقية اتهامات تتعلق بالتهجير والاستيلاء على ممتلكات في قرى ذات غالبية علوية بعد سقوط النظام السابق.
ضمن هذا الواقع تصبح أولوية الدولة حماية الأرض قانونيا قبل تشغيلها اقتصاديا، وربط أي استثمار بسجل ملكية واضح، ومسار اعتراض فعال، ورقابة تمنح الغائب والنازح والوريث حقا قابلا للدفاع.
الدولة التي ترى نفسها
تكشف حالة باسل السويدان جانبا من المعضلة السورية الأوسع، فيتم تركيز الصلاحيات في مرحلة انتقالية تدار فيها ملفات المال العام، والإنتاج، والأرض، والوظيفة العامة عبر دوائر ضيقة تفتقر إلى الكشف عن المعلومات.
لا يكفي تقديم السرعة بوصفها ضرورة إدارية، ولا استعادة الأصول بوصفها إنجازا قائما بذاته؛ فالمعيار الحقيقي هو قدرة السلطة على إخضاع قراراتها للفحص العام، عبر سجلات مفتوحة، وفصل واضح بين القرار والمصلحة، ورقابة قضائية مستقلة، وحق فعلي في الوصول إلى المعلومات.
الحوكمة ليست زينة لغوية في خطاب الإصلاح، فهي الطريقة التي ترى بها الدولة نفسها أمام مواطنيها، وكلما ازدادت الصلاحيات في يد المسؤول، ازدادت الحاجة إلى ضوء أقوى حوله، وسوريا القادمة ستقاس بقدرتها على تحويل السلطة من شبكة مغلقة إلى مؤسسة قابلة للرؤية، ومن الوعود إلى الوثائق، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الثقة.

