السوق في اقتصاد مكسور.. نقد خطاب مازن ديروان حول الصناعة السورية

يطرح الدكتور مازن ديروان، رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، في مقابلته مع منصة “دفين” تصورا اقتصاديا يقوم على تقليص دور الدولة، وفتح السوق، وتقديم المنافسة بوصفها الطريق شبه الوحيد لإنعاش الصناعة السورية.

يقوم هذا التصور على اختزال أزمة الصناعة السورية في فائض القيود وضعف المنافسة، متعاملا مع تحرير السوق بوصفه المدخل المركزي لمعالجة اختلالات تراكمت بفعل الحرب والاقتصاد الريعي.

يعكس هذا الخطاب انحيازا صريحا إلى منطق السوق الحر، حيث تصبح المنافسة معيارا للحكم على بقاء المنشآت أو خروجها، ويغدو السعر النهائي للمستهلك أداة لاختبار جدوى الإنتاج، لكنه يتعامل مع السوق كما لو أنه فضاء قادر على تصحيح نفسه بمجرد رفع القيود عنه، بينما يتحرك الاقتصاد السوري داخل بيئة شديدة التشوه.

تكمن المشكلة في هذا النوع من الطروحات في افتراضه أن تحرير السوق كافٍ لإنتاج الكفاءة.

عمليا، لا تكفي إزالة القيود كي تظهر منافسة عادلة في اقتصاد تتفاوت فيه القدرة على التمويل والوصول إلى الأسواق وحماية الحقوق، وفي الحالة السورية، يتحول الفتح غير المنضبط للسوق إلى آلية فرز قاسية تمنح الأفضلية للأقوى ماليا وتنظيميا، لا للأكثر إنتاجية بالضرورة.

لا يدور النقاش حول ضرورة التخلص من اقتصاد الامتيازات والمحسوبيات، بل حول استبداله بتحرير سريع يعيد توزيع الخسائر على الأضعف، فالسوق حين يسبق بناء المؤسسات، لا يصحح التشوهات تلقائيا، بل قد يمنحها شكلا جديدا أكثر قبولا تحت اسم الكفاءة.

السوق لا يولد حرا داخل الركام

ينطلق طرح ديروان من رفض الحماية الاقتصادية بوصفها عبئا على المستهلك، لكنه يحول النقاش سريعا من إصلاح أدوات الدعم والحماية إلى التشكيك في مبدأ تدخل الدولة نفسه، فيصبح المنتج المحلي مسؤولا وحده عن ضعفه، بينما تتراجع إلى الخلف الشروط البنيوية التي تحدد قدرته على المنافسة، من كلفة التمويل والطاقة والنقل إلى ضعف المؤسسات وتفكك السوق.

في بلد تراجعت فيه القدرة الشرائية إلى حدود حادة، لا يكفي النظر إلى السعر النهائي وحده، لأن المستهلك هو أيضا عامل ومنتج وصاحب دخل هش يتأثر بقرارات الفتح والإغلاق بالقدر نفسه الذي يتأثر فيه بسعر السلعة.

يتحرك الاقتصاد السوري اليوم داخل واقع استثنائي لا تشبه شروطه شروط السوق الطبيعية، فسنوات الحرب والعقوبات والانهيار المؤسسي لم تترك قطاعا إنتاجيا قادرا على المنافسة من نقطة بداية عادلة، بل خلفت اقتصادا مثقلا بتكاليف إعادة إعمار يقدرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار، وأضرارا مادية مباشرة تقارب 108 مليارات دولار، إلى جانب انكماش حاد في الناتج المحلي الحقيقي بين عامي 2010 و2022، وتراجع الناتج الاسمي من 67.5 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار عام 2024.

في هذا الواقع يصبح الحديث عن تحرير السوق من دون مراعاة هذا الاختلال البنيوي أقرب إلى افتراض نظري يتجاهل حجم الفجوة بين شروط المنافسة المطلوبة والواقع الاقتصادي القائم.

الدولة الصغيرة ليست بالضرورة دولة ذكية

يدعو ديروان إلى خروج الدولة من الإنتاج، ويقارن دورها بحكم المباراة: يراقب، يضبط المخالفات، ولا يسجل الأهداف.

لكن الدولة التي يحتاجها اقتصاد ما بعد الحرب ليست مجرد شرطي اقتصادي، بل دولة قادرة على بناء المؤسسات، وتصحيح فشل السوق، وحماية المنافسة، وتمويل البنية التحتية، وضمان ألا تتحول الخصخصة إلى نهب جديد.

تتحول الخصخصة في بيئة ضعيفة الشفافية من أداة لإصلاح القطاع العام إلى مسار محتمل لإعادة إنتاج الامتيازات نفسها بملكية خاصة، فبيع الأصول الخاسرة لا يصبح إصلاحا بمجرد انتقالها من الدولة إلى المستثمر، بل بوجود قانون يحكم العملية، وتقييم عادل للأصول، ورقابة تمنع تحويل المال العام إلى ريع جديد.

من دون هذه الشروط ينتقل الاحتكار من جهاز حكومي متضخم إلى شبكات خاصة أكثر قدرة على المناورة وأقل خضوعا للمساءلة.

الفقر ليس هامشا اجتماعيا بل قيد اقتصادي

يراهن ديروان على الإنتاج وحده للخروج من الفقر والبطالة، لكن الإنتاج لا ينطلق في فراغ، فسوريا اليوم بلد يعيش فيه معظم السكان تحت ضغط معيشي حاد.

تقدر تقارير الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 90% من السوريين يعيشون في الفقر، مقارنة بنحو 33% قبل الحرب، وأن الفقر المدقع اتسع بصورة غير مسبوقة.

هذه الأرقام توضح أن تحرير الأسعار والمنافسة، إذا جاء بلا شبكة أمان، سيصيب الفئات الأضعف قبل أن يخلق وظائف جديدة، وفي بلد تشير تقديرات أممية إلى أن 16.5 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات إنسانية في 2025، لا يمكن للسياسة الاقتصادية أن تتعامل مع الفقراء باعتبارهم “مستهلكين عقلانيين” فقط، فهم أيضا عمال بلا ادخار، ومزارعون بلا تمويل، وموظفون بلا حماية، ونازحون يحاولون العودة إلى مناطق مدمرة.

الطاقة هي السياسة الصناعية الحقيقية

يحصر الخطاب جزءا كبيرا من مشكلة التنافسية في القيود المباشرة على الإنتاج، بينما تتشكل الكلفة السورية من بنية اقتصادية مختلة تجعل تحرير السوق وحده عاجزا عن خلق منافسة متوازنة.

وتكشف التعرفة الكهربائية الجديدة أن مشكلة الطاقة في سوريا لم تعد مرتبطة بضعف التغذية فقط، بل بكلفة التشغيل أيضا، فرفع سعر الكيلوواط الساعي للقطاعات الإنتاجية يضيف عبئا مباشرا على الصناعة، ويجعل الحديث عن خفض الكلفة ناقصا ما لم يربط بسياسة طاقة تحافظ على القدرة التنافسية للمنتج المحلي.

تبدو السياسة الصناعية المطلوبة أقل أيديولوجية مما يوحي به حديث ديروان، الصناعة السورية تحتاج شروط منافسة عادلة، وفتح السوق قبل الإصلاح يجعل المنافسة غير عادلة بين مصنع تركي يعمل ضمن بنية دولة كاملة، وورشة سورية تعمل على مولدة وأقساط وطرق مكسرة.

هذه ليست منافسة؛ إنها مباراة بين لاعب كامل التجهيز ولاعب عائد من الإصابة.

القمح بين السعر والأمن

ينتقد ديروان شراء القمح المحلي بسعر أعلى من السعر العالمي، ويرفض تحويل كلمة “استراتيجي” إلى قداسة اقتصادية.

لكن هذا الطرح يحتاج إلى توازن أكبر، لأن تحويل الأمن الغذائي إلى مسألة سعر فقط يختزل تعقيدا اقتصاديا واجتماعيا واسعا، فالزراعة السورية لا تعمل داخل سوق طبيعية، بل داخل بيئة متأثرة بالحرب والجفاف وتقطع سلاسل الإمداد وضعف التمويل، ما يجعل تحريرها السريع من دون أدوات حماية ذكية مخاطرة تمس الإنتاج الريفي والاستقرار المعيشي معا.

شهدت سوريا في 2025 جفافا شديدا أثر في الإنتاج الزراعي، وقدرت تقارير إنسانية عجز إنتاج القمح بنحو 2.73 مليون طن، وهو ما يعادل الاحتياجات الغذائية السنوية لأكثر من 16 مليون شخص. كما أشارت رويترز إلى تراجع إنتاج القمح بنحو 40%، وحاجة البلاد إلى استيراد كميات كبيرة لتغطية الاستهلاك.

المسألة لا تحل بشعار “ازرعوا مهما كانت الكلفة” ولا “استوردوا كل شيء”، بل بسياسة غذائية ذكية، عبر دعم البذور والري والتخزين حيث توجد جدوى، وشراء استراتيجي محدود، وعقود استيراد متنوعة، ومخزون طوارئ، فالسعر العالمي مهم، لكنه لا يلغي مخاطر الجفاف والحرب والتمويل والعقوبات.

ما بعد خطاب ديروان

تبقى المشكلة أن سوريا لا تحتاج “دولة أقل”، بل “دولة أفضل”، فأسطورة السوق الذي يصلح نفسه بنفسه في ظل الفقر والدمار وغياب المعلومات والمؤسسات هو وهم.

يريد خطاب ديروان أن يقرع جرس إنذار ضد اقتصاد الحماية والامتيازات، لكن هذا الأمر لن يصبح برنامجا وطنيا إلا حين يستكمل بسؤال: من يدفع كلفة التحول، ومن يملك المعلومات، ومن يحمي الضعفاء إلى أن يبدأ السوق بإنتاج فرص حقيقية لا أسعار أرخص فقط؟

قراءة نقدية في خطاب مازن ديروان – مؤشرات سوريا الاقتصادية

قراءة نقدية في خطاب مازن ديروان

216
تكلفة إعادة الإعمار (مليار $)
تقدير البنك الدولي
90%
نسبة الفقر (2025)
مقارنة بـ 33% قبل الحرب
21.4
الناتج المحلي الإسمي (مليار $)
2024 مقابل 67.5 عام 2011
2.73
عجز إنتاج القمح (مليون طن)
2025 – جفاف شديد
16.5
مليون شخص بحاجة مساعدات
تقديرات أممية 2025

انكماش الناتج المحلي الإسمي (مليار $)

ارتفاع نسبة الفقر (قبل الحرب وبعدها)

توزيع كلفة الطاقة على القطاعات (نموذج)

عجز القمح والاستيراد (مليون طن)

المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية

المؤشرالقيمةالمصدر/السياق
تكلفة إعادة الإعمار216 مليار $البنك الدولي
الأضرار المادية المباشرة108 مليار $تقديرات أولية
الناتج المحلي الإسمي (2011)67.5 مليار $قبل الحرب
الناتج المحلي الإسمي (2024)21.4 مليار $انكماش حاد
نسبة الفقر (2010)33%قبل الحرب
نسبة الفقر (2025)90%تقديرات أممية
الفقر المدقعتوسع غير مسبوقبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي
المحتاجون لمساعدات (2025)16.5 مليونتقارير أممية
عجز إنتاج القمح (2025)2.73 مليون طنجفاف + تراجع 40%
تعرفة الكهرباء للصناعةارتفاع ملحوظكلفة تشغيل إضافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *