السلطة الجديدة تحوّل في الشكل لا في البنية
لم يكن اجتماع إدلب في نهاية آب الماضي سوى مشهد مُعبّر عن طبيعة النظام الذي وُلد من رحم الحرب، فالرئيس الانتقالي أحمد الشرع، الذي جاء إلى الحكم بعد سقوط النظام السياسي السابق، لم يواجه بقايا النظام القديم بقدر ما واجه انعكاس صورته في مرآة جديدة.
تغيّرت وجوه الفساد لكن القواعد بقيت على حالها فالولاء أولا، والمكافأة ثانيا، ثم تأتي الدولة في آخر السطر.
حضر الاجتماع بحسب تقرير وكالة رويترز، أكثر من مئة من رجال الأعمال والمسؤولين الذين شكلوا نواة الإدارة الجديدة، وجميعهم تقريبا صعدوا إلى مواقعهم عبر الولاء للفصائل التي قاتلت تحت راية الشرع، وهؤلاء لم يأتوا من المؤسسات الإدارية أو المدنية، بل من شبكات القوة التي كانت تدير مناطق النفوذ المسلّحة في الشمال السوري.
الدولة الجديدة تشكّلت على أكتاف اقتصاد الميدان، لا على أسس دولة القانون، ولم يكن الشرع في موقع المصلح حين تحدّث عن مكافحة الفساد؛ فهو الذي عيّن معظم من يتهمهم اليوم بالفساد، وهو الذي أسّس شبكة المصالح التي تتيح لهم استغلال نفوذهم.
إن مشهد توبيخ الموالين في إدلب، مهما بدا صارما، لا يعبّر عن سياسة جديدة بقدر ما يعكس أزمة بنيوية في منظومة الحكم التي وُلدت من منطق الغلبة لا من منطق التمثيل السياسي.
الفساد كمنظومة حُكم
يكشف تقرير رويترز أنه في سوريا الجديدة، تُدفع الأموال لتسريع إطلاق سراح معتقلين، أو لاستعادة ممتلكات صودرت من رجال أعمال وموظفين بتهمة التعاون مع النظام السابق، وفي غياب مؤسسات رقابية فعالة، أصبحت “الوساطة” الشكل الوحيد الممكن للتعامل مع الدولة، سواء في الاقتصاد أو في القضاء أو في التعيينات.
يتحدث التقرير عن صناعي دفع مئة ألف دولار للإفراج عن أحد عماله، وآخر دفع خمسة وعشرين ألفا لاستعادة موظف معتقل، وهذه الأرقام ليست تفاصيل عرضية، بل تعكس تحوّل الفساد من أداة سياسية إلى شرط وجود اقتصادي، فالمنظومة التي بناها الشرع منذ توليه الحكم لا تملك موارد كافية لتغطية نفقات الدولة المنهكة، وتعتمد على الامتيازات والعلاقات لشراء الولاء وضمان الاستقرار المؤقت.
ولأن النظام الجديد لا يستند إلى مؤسسات مدنية، فإن أدواته هي الترهيب والتعيينات السياسية والإعفاءات المالية غير المعلنة، وفي الجوهر أُعيد توزيع مراكز النفوذ في الدولة والفساد لم يعد انحرافا عن النظام، بل أصبح الآلية التي يعمل بها النظام ذاته.
اقتصاد التسويات وصندوق الثروة الغامض
أحد أبرز ملامح المرحلة الجديدة هو ما يسمى “التسويات الاقتصادية”، وهي صفقات يعقدها مسؤولون حكوميون مع رجال أعمال متهمين بعلاقات مع النظام السابق، وفق رويترز يُطلب من هؤلاء تسليم جزء من أصولهم من مصانع أو عقارات أو حصص تجارية مقابل السماح لهم بالعودة إلى العمل في البلاد، والعملية تتم عبر لجنة “الكسب غير المشروع” التي تشكّلت في أيار الماضي، قبل تحويل الأصول إلى “صندوق الثروة السيادي” الذي لا يزال قيد الإنشاء.
في الظاهر، تبدو هذه الخطوة محاولة لاستعادة أموال الدولة المنهوبة أثناء السقوط، لكن في الواقع هي إعادة هندسة للثروة والسلطة بما يتناسب مع موازين القوة الجديدة، فالصندوق، كما تشير التحقيقات، يخضع هو الآخر للاشتباه، بعدما تم اعتقال محامين يعملان فيه بتهم فساد.
يتحوّل شعار “محاربة الفساد” إلى أداة جديدة للهيمنة على الثروة الوطنية تحت غطاء قانوني شكلي، وما يجري ليس إصلاحا اقتصاديا بل إعادة توزيع للغنائم، فالنظام الذي انتصر بدعم دول كبرى يسعى الآن إلى تحويل وصوله لكرسي السلطة إلى مكاسب مالية تُرسّخ شبكة نفوذه الجديدة، ويبدو أن سوريا تعيش اليوم لحظة تأسيس “اقتصاد النخبة”، حيث تُمنح العقود والامتيازات لمن يملك القرب من السلطة لا من يملك الكفاءة.
الدولة الغائبة والشرعية المفقودة
المشكلة الأعمق في سوريا ليست الفساد بحد ذاته، بل غياب مؤسسات تملك القدرة على ضبطه، فالشرع، القادم من بيئة فصائلية، يدير الحكم بعقلية التحالفات، لا بعقلية الدولة، وأجهزته الأمنية تشكّلت من مجموعات مسلحة سابقة، والإدارة المدنية تدار من كوادر حزبية مرتبطة بتيارات دينية أو عشائرية، وهذا المزيج يمنح النظام استقرارا شكلياً لكنه يمنعه من التحول إلى دولة حديثة.
الشرعية التي يستند إليها الشرع تقوم على سردية “التحرير من الديكتاتورية”، لكنها لم تتحول إلى عقد اجتماعي جديد، فغياب الدستور الدائم، وضعف السلطة القضائية، واستمرار المحاكم الاستثنائية، كلها مؤشرات إلى أن سوريا لم تخرج بعد من منطق “حكم الضرورة”، وفي ظل هذا الغياب، تصبح مكافحة الفساد مجرّد شعار سياسي يُستخدم لتصفية الحسابات داخل الطبقة الحاكمة نفسها.
إغلاق مكتب شقيق الرئيس في دمشق مثال واضح؛ فالقرار يقدَّم كدليل على النزاهة، لكنه في الجوهر رسالة داخلية لإعادة ضبط ميزان القوى بين مراكز النفوذ العائلية والسياسية، فهي سياسة “التحكم بالفساد لا القضاء عليه”.
آفاق الفشل المؤسسي
بعد عقدين من الحرب، يعاني الاقتصاد السوري من انهيار هيكلي شامل، فهناك تراجع بالإنتاج الصناعي بنسبة تتجاوز 70%، وانكماش في الزراعة بفعل فقدان الأراضي والمياه، وهجرة الكفاءات إلى الخارج.
لكن التحدي الأكبر ليس في الأرقام، بل في الشرط السياسي للإصلاح، فلا يمكن بناء اقتصاد سليم في غياب سيادة القانون، ولا يمكن محاربة الفساد في دولة تقوم على شبكة من الولاءات الشخصية.
العسكر الذين قاتلوا الدولة أصبحوا الآن هم النظام، ورجال الأعمال الذين استفادوا من قربهم من السلطة السابقة وجدوا طريقهم إلى السلطة الجديدة، وهذه دورة مغلقة من الفساد المتحوّل.
لا إصلاح بلا مؤسسات
يبدو أن سوريا تتجه إلى إنتاج الدولة الأمنية بلغة مختلفة وشعارات جديدة، والحديث عن مكافحة الفساد يصبح بلا معنى حين تكون أدواته خاضعة للسلطة ذاتها التي تستفيد منه، فالمشكلة ليست في الأفراد الذين يختلسون المال العام، بل في غياب منظومة تتيح المساءلة والمحاسبة.
يستطيع الشرع في ضبط بعض المظاهر الفاقعة للثراء الفاحش، لكنه لن يقوم ببناء دولة مدنية ما لم يفصل بين الولاء السياسي والمسؤولية العامة، ولأن هذا الفصل يتطلب مؤسسات حقيقية، فإن الطريق إلى الإصلاح لا يزال مغلقا ما لم يحدث تحول جذري في بنية الحكم نفسها.
إن التجربة السورية الجديدة تُظهر أن إسقاط الأنظمة لا يكفي لبناء الدولة، فمن دون مؤسسات مستقلة، سيبقى الفساد هو اللغة الوحيدة القادرة على توحيد السوريين تحت أي نظام، قديما كان أم جديدا.
دولة الولاءات: بنية الفساد في سوريا الجديدة
يكشف هذا الرسم البياني التفاعلي البنية التحتية للفساد في سوريا الجديدة وكيف تحول من أداة سياسية إلى آلية حكم، حيث أصبح الولاء الشخصي هو الأساس في توزيع المناصب والثروات بدلاً من الكفاءة والمؤسسات.
النتائج الرئيسية:
• تغيرت الوجوه لكن القواعد بقيت على حالها: الولاء أولاً، والمكافأة ثانياً، ثم تأتي الدولة في آخر السطر.
• الدولة الجديدة تشكلت على أكتاف اقتصاد الميدان، لا على أسس دولة القانون.
• النظام الجديد لا يستند إلى مؤسسات مدنية، بل إلى أدوات الترهيب والتعيينات السياسية.
النتائج الرئيسية:
• “التسويات الاقتصادية” هي صفقات يعقدها مسؤولون حكوميون مع رجال أعمال متهمين بعلاقات مع النظام السابق.
• يتم تحويل الأصول المصادرة إلى “صندوق الثروة السيادي” الذي يخضع هو الآخر للاشتباه بالفساد.
• شعار “محاربة الفساد” تحول إلى أداة جديدة للهيمنة على الثروة الوطنية تحت غطاء قانوني شكلي.
النتائج الرئيسية:
• في سوريا الجديدة، تُدفع الأموال لتسريع إطلاق سراح معتقلين، أو لاستعادة ممتلكات صودرت.
• في غياب مؤسسات رقابية فعالة، أصبحت “الوساطة” الشكل الوحيد الممكن للتعامل مع الدولة.
• تحوّل الفساد من أداة سياسية إلى شرط وجود اقتصادي.
النتائج الرئيسية:
• تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة تتجاوز 70%، وانكماش في الزراعة بفعل فقدان الأراضي والمياه.
• هجرة الكفاءات إلى الخارج بسبب غياب سيادة القانون.
• لا يمكن محاربة الفساد في دولة تقوم على شبكة من الولاءات الشخصية.

