تبدأ القصة من المرسوم رقم 110 لعام 2026، الذي اعتمد جدول “التعرفة الجمركية المتناسقة”، وحدد الأول من حزيران 2026 موعدا لبدء العمل به، فالنص الرسمي يضع القرار في إطار إعادة تنظيم جمركي أوسع، متصل بالمرسوم رقم 109 الخاص بقانون الجمارك الجديد، وبصلاحيات تتعلق بتوصيف وترميز البضائع وفق قواعد أكثر اتساقا مع النظام الجمركي الدولي.
لكن الجمهور السوري لن يقرأ التعرفة من زاوية التصنيف والترميز، بل من رؤية أبسط وأكثر قسوة، فهل سينخفض سعر الدواء والغذاء ومواد البناء؟
هذا السؤال مشروع، لكنه يحتاج جوابا اقتصاديا لا انطباعيا، فالرسوم الجمركية لا تمثل إلا جزءا من بنية السعر، بينما يتحدد السعر النهائي داخل سلسلة أوسع من الكلفة والقوة السوقية، وخفض الرسم عند الحدود لا ينتقل تلقائيا إلى المستهلك؛ إنه يخلق وفرا أوليا يمكن أن يتحول إلى انخفاض في السعر إذا كانت السوق تنافسية وشفافة، أو إلى ربح إضافي إذا كانت حلقات الاستيراد والتوزيع قادرة على احتجاز الفارق.
الأرقام تقول.. الأثر انتقائي لا شامل
المعطيات المنشورة عن التعديلات تكشف أن التخفيضات تركزت في مواد أولية ومدخلات إنتاج، مع رفع أو إبقاء رسوم أعلى على بعض السلع الكمالية أو السلع التي لها بدائل محلية.
هيئة المنافذ والجمارك أوضحت، عبر تصريحات نقلتها صحيفة “الثورة السورية”، أن معظم المواد الأولية شهدت انخفاضا، بينما اقتصر الرفع على مواد كمالية بينها السيارات، كما أشارت إلى تخفيضات في الدواء والغذاء والكلينكر (المادة شبه النهائية الأساسية في صناعة الإسمنت) والحديد والزيوت.
يجب التمييز هنا بين ثلاثة أنواع من التخفيض:
- الأول كبير بما يكفي ليحدث أثرا محتملا في السعر النهائي، مثل بعض الأدوية الجاهزة والزيوت والدهون.
- الثاني متوسط، ويظهر أثره جزئيا مثل الحليب والبقوليات وبعض المواد الغذائية الأولية.
- أما الثالث محدود جدا قياسا إلى الكلفة النهائية، مثل الكلينكر والسكر الخام، حيث قد يضيع الأثر داخل تكاليف النقل والطاقة والتخزين والتمويل.
الحديث عن “انخفاض الأسعار” بصيغة عامة سيكون مضللا، فالأدق القول إن التعرفة الجديدة تخفض أسعار سلع محددة، أو تمنع ارتفاعها، أو توسع هامش ربح المنتج والمستورد من دون أن يشعر المستهلك بفرق واضح.
الدواء.. المجال الأكثر قابلية لظهور الأثر
يبدو قطاع الدواء الأكثر أهمية اجتماعيا والأكثر قابلية لظهور أثر التخفيض، وبحسب الأرقام المعلنة انخفضت رسوم الأدوية الجاهزة من 3000 دولار إلى 500 دولار للطن، كما أصبحت رسوم معظم المواد الأولية الداخلة في التصنيع الدوائي بحدود 27 دولارا للطن.
لكن حتى في الدواء لا يعمل الخفض الجمركي كزر مباشر لتخفيض سعر الدواء الذي يتشكل داخل منظومة شديدة التنظيم والحساسية، حيث تختلط الكلفة التجارية باعتبارات التسجيل والتوريد والندرة والتحكم بالإمداد.
يفتح خفض الرسوم بابا لانخفاض محتمل، لكنه لا يضمن وصول الفارق إلى المريض ما لم تلزم الجهات المعنية الشركات والوكلاء بعكس الوفر على الأسعار، أو بتوسيع التوافر على الأقل.
في قطاع الدواء، يظل الخفض الجمركي فرصة قابلة للاختبار لا نتيجة محسومة، فانتقال الوفر إلى المريض يتوقف على درجة الشفافية داخل السلسلة الدوائية، وعلى قدرة السوق والجهات المنظمة على كشف الفارق بين الكلفة القديمة والجديدة.
كلما بقيت هذه الفجوة غير مرئية، ازدادت احتمالات احتجاز التخفيض داخل هوامش الشركات والوكلاء والتوزيع، بدل أن يظهر في سعر العبوة أو في تحسن توافر الدواء.
الغذاء.. وفورات صغيرة ومتوسطة قد تذوب في السوق
في المواد الغذائية، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، حيث انخفض رسم الحليب من 150 إلى 100 دولار للطن، ما يعادل 0.05 دولار لكل كيلوغرام، وانخفضت رسوم البقوليات اليابسة من 100 إلى 27 دولارا للطن، أو 0.073 دولار لكل كيلوغرام.
كما انخفضت الزيوت الخام من 100 إلى 53 دولارا للطن، أي 0.047 دولار لكل كيلوغرام، بينما انخفضت الزيوت والدهون الحيوانية من 500 إلى 150 دولارا للطن، أي وفرا أعلى يصل إلى 0.35 دولار لكل كيلوغرام، أما السكر الخام فانخفض من 13 إلى 7 دولارات للطن، أي 0.006 دولار لكل كيلوغرام فقط.
تكشف هذه الأرقام أن الأثر الغذائي ليس واحدا، ففي السكر الخام، يبدو الوفر ضئيلا جدا على مستوى الكيلوغرام، ويصعب أن يظهر للمستهلك بعد إضافة النقل والتكرير والتعبئة والهامش التجاري.
أما في الحليب والبقوليات والزيوت الخام فيظهر أثر محدود إذا كانت المنافسة قائمة وإذا لم يبتلع الموزعون الفارق، وفي الزيوت والدهون الحيوانية، يصبح الوفر أكبر وأكثر قابلية للقياس.
المشكلة أن السوق السورية ليست سوقا تنافسية مثالية، فحلقات الاستيراد والتوزيع محدودة، والقدرة على التخزين ليست متاحة للجميع، والمعلومة لا تصل إلى كل الفاعلين في الوقت نفسه.
في مثل هذه البيئة، يستطيع الفاعل الأقوى أن يحول التخفيض الجمركي إلى هامش ربح، خصوصا عندما لا توجد مقارنة علنية بين الكلفة القديمة والجديدة.
الإسمنت ومواد البناء.. أثر ضعيف على السعر النهائي
خفض رسم الكلينكر من 13 إلى 7 دولارات للطن هو محدود الأثر، فالوفر يبلغ 6 دولارات للطن، أي 0.006 دولار لكل كيلوغرام.
عند تحويل هذا الرقم إلى كيس إسمنت زنة 50 كيلوغراما، يصبح الوفر النظري محدودا جدا، قبل احتساب الطحن والطاقة والنقل والتعبئة والتمويل وهوامش البيع.
يصعب توقع انخفاض محسوس في سعر الإسمنت للمستهلك لمجرد خفض رسم الكلينكر، ربما يستفيد المنتج من تخفيف جزئي في الكلفة، ويتحسن هامش التشغيل في بعض المعامل، لكن السعر النهائي سيبقى مرتبطا بعوامل أكبر.
الجمهور يسمع عن خفض جمركي في مادة تدخل بصناعة الإسمنت، لكنه لن يرى بالضرورة انخفاضا واضحا في سوق البناء.
حماية المنتج المحلي ترفع أسعار بعض السلع
التعرفة الجديدة لا تتضمن تخفيضات فقط، فالتصريحات الرسمية تشير إلى رفع أو إبقاء رسوم أعلى على بعض السلع الكمالية، وعلى منتجات لها بدائل محلية، مثل بعض الصناعات الغذائية الجاهزة.
هذه الحماية مفيدة إذا منحت الصناعة المحلية فرصة للنهوض، لكنها تصبح عبئا على المستهلك إذا تحولت إلى حماية بلا شروط، فعندما ترتفع كلفة المستورد يحصل المنتج المحلي على مساحة سعرية أوسع، ويستطيع عندها أن يرفع سعره قليلا ويبقى منافسا، بدل أن يستخدم الحماية لتحسين الجودة وخفض الكلفة.
من الخطأ تقديم كل رفع جمركي باعتباره مصلحة وطنية. فحماية الصناعة لا تعني حماية أرباح الصناعيين بلا محاسبة، والمواطن السوري يحتاج منتجا وطنيا جيدا وبسعر عادل، لا سلعة محمية من المنافسة ومحصنة ضد المساءلة.
سعر الصرف قادر على ابتلاع التخفيض
تتحدد الرسوم المعلنة بالدولار للطن في كثير من الأمثلة، بينما يدفع المستهلك بالليرة، وأي تغير في سعر الصرف يمحو أثر التخفيض أو يضخمه.
وفر قدره 0.05 دولار لكل كيلوغرام في الحليب، أو 0.073 دولار في البقوليات، يمكن أن يتحول إلى مبلغ محدود بالليرة، ثم يختفي داخل تقلب يوم أو يومين في سعر الدولار أو أجور النقل أو كلفة التخزين.
أثر التعرفة لن يظهر بمعزل عن الاستقرار النقدي، فاقتصاد يعاني هشاشة في العملة لا يستطيع تحويل كل تخفيض جمركي إلى انخفاض مستقر في الأسعار، فتنخفض الكلفة عند الحدود، ثم ترتفع في السوق بسبب سعر الصرف أو نقص العرض أو زيادة أجور النقل.
الأسعار لن تنخفض تلقائيا
تدل المعطيات على أن التعرفة الجمركية الجديدة تخفض أسعارا محددة، لكنها لن تصنع موجة انخفاض عامة.
الأثر الأقوى يظهر في الأدوية الجاهزة وبعض الزيوت والدهون، والأثر المتوسط يطال الحليب والبقوليات وبعض المواد الغذائية الأولية، والأثر الضعيف سيظهر في بنود مثل السكر الخام والكلينكر، حيث الوفر لكل وحدة صغيرة مقارنة بالكلفة النهائية.
التعرفة الجديدة ربما تخفض الكلفة عند الحدود، لكنها لن تخفض الأسعار في السوق إلا إذا منع الأقوياء من احتجاز الفارق، أما ترك القرار لقوى سوق مشوهة، فسيعني أن الخزينة تتنازل عن جزء من إيراداتها، والمواطن لا يحصل على شيء، بينما تتحول التعرفة الجديدة إلى هامش ربح جديد داخل حلقات الاستيراد والتوزيع.
خفض الرسوم الجمركية في سوريا
لماذا لن تنخفض الأسعار تلقائياً؟
تحليل كمي للتخفيضات الجمركية بموجب المرسوم 110 لعام 2026 (بدء العمل 1 حزيران) – أثر انتقائي على الأدوية، الغذاء، مواد البناء، والعقبات التي تمنع انتقال الوفر إلى المستهلك.
• خفض الجمارك يوفر عند الحدود، لكن السعر النهائي يعتمد على النقل، الطاقة، التمويل، التخزين، وسعر الصرف.
• السوق غير تنافسية: المستوردون والموزعون قد يحتجزون الفارق.
• في مواد مثل الكلينكر والسكر الخام، التوفير لكل كيلوغرام لا يتجاوز 0.006 دولار – يضيع في هامش التوزيع.
- ✓ سعر الصرف الهش: التخفيض بالدولار، والتقلب اليومي لليرة يمكن أن يمحو أي وفر.
- ✓ قوى سوق مشوهة: تركيز حلقات الاستيراد والتوزيع يسمح باحتجاز الفارق دون رقابة.
- ✓ ارتفاع كلفة النقل والطاقة: تكاليف داخلية تفوق أثر التخفيض الجمركي.
- ✓ حماية المنتج المحلي: رفع الرسوم على بعض السلع الكمالية والبدائل المحلية يبقي الأسعار مرتفعة.
✓ المواد الأولية الدوائية: أصبحت رسومها بحوالي 27 دولاراً للطن.
✓ التخفيض يخلق وفراً عند الاستيراد، لكنه لا يضمن وصوله إلى المريض ما لم تراقب الجهات المعنية الأسعار أو تشترط عكس الوفر.
✓ الشفافية في السلسلة الدوائية هي مفتاح تحويل الخفض الجمركي إلى سعر أقل للعلبة.

