لا تكمن الانتقائية في تصريح إبراهيم علبي في اختلاق رقم أو إنكار تحسن فعلي؛ فالتقدم السوري في مؤشر حرية الصحافة موثق، لكن الانتقائية تظهر في اختيار هذا التحسن وحده واجهة للصورة، ثم توسيع دلالته حتى يبدو كأنه حكم على واقع الإعلام الجديد كله.
تكشف القفزة من المرتبة 177 إلى 141 اتجاه التحول، فيما تكشف المرتبة 141 والتصنيف “خطير جدا” مقدار ما بقي منه، فالترتيب يجيب عن سؤال هل تحسن موقع سوريا مقارنة بالعام السابق، ولكن تصنيف المنظمة يتصل بمستوى الحماية والظروف المتاحة للعمل الصحفي، والذي وما زال يضع البلاد في نطاق شديد السوء.
حين يعرض رقم الصعود وحده، ينتقل معنى المؤشر من قياس تحسن نسبي إلى إيحاء بأن حرية الصحافة أصبحت واقعا مستقرا، وإغفال المرتبة النهائية يحجب المسافة بين مغادرة ذيل الترتيب وبين بناء بيئة يستطيع فيها الصحفي العمل والنقد بأمان.
ما الذي يقوله الرقم؟
انتقلت سوريا من المرتبة 177 في 2025 إلى المرتبة 141 في 2026، متقدمة 36 مركزا، وسجلت درجتها الإجمالية ارتفاعا من 15.82 إلى 39.44، مع تحسن في المؤشرات الخمسة التي يعتمدها التصنيف، من السياسي والاقتصادي والقانوني والواقع الاجتماعي والأمني.
كما تؤكد المنظمة أن سوريا كانت في سنوات سابقة ضمن الدول العشر الأخيرة، وهذه وقائع تسند القول إلى إن تحسنا مهما وقع، وإن التحول السياسي بعد سقوط النظام السابق انعكس على بيئة الصحافة، وفق تقييم المنظمة.
لكن الترتيب يقيس موقع سوريا بين الدول والأقاليم، ولا يمنح حكما شاملا على حرية الصحافة في البلاد، وتحسن الموقع لا يمحو القيود والمخاطر الموجودة حاليا، ودلالة الرقم تكتمل حين يقرأ بحجم التحسن، ومستوى الوضع الذي انتهت إليه البلاد.
من تحسن هذا العام إلى رقم قياسي تاريخي
وصف تصريح علبي التقدم بأنه الأكبر، وأضاف أن دولة لم يسبق لها أن قفزت 36 مركزا خلال عام واحد، وهنا ينتقل الكلام من حقيقة تدعمها المنظمة إلى تعميم أوسع.
“مراسلون بلا حدود” تصف سوريا بأنها صاحبة أكبر تحسن بين الدول والأقاليم في تصنيف 2026، لكنها لا تؤكد في نصها المنشور أن هذا أكبر تقدم في تاريخ المؤشر كله، كما تشير إلى أن منهجية التصنيف شهدت تعديلات، بينها تحديثان مهمان في 2013 و2022؛ ما يجعل المقارنة بين جميع السنوات بحاجة إلى تدقيق إضافي.
الفارق بين العبارتين يتجاوز اختيار الكلمات؛ إنه يحدد نوع الدليل المطلوب، فقول إن سوريا حققت “أكبر تقدم في تصنيف 2026″ يستند إلى مقارنة الدول في إصدار واحد، وتؤكده بيانات ذلك العام” أما القول إن “دولة لم يسبق لها أن تقدمت بهذا المقدار” فيفتح المقارنة على سجل المؤشر كله، ويقتضي مراجعة نتائج سنواته السابقة والتحقق من أن منهجية القياس تسمح بمقارنة القفزات بينها.
الإنجاز لا يساوي حكما نهائيا
يأتي إبراز الرقم ضمن عرض رسمي لمسار إصلاح الإعلام، ويربط علبي التقدم بالمرحلة الجديدة،
وتجد هذه الصلة سندا عاما في تقرير المنظمة، الذي يشير إلى سقوط نظام السابق والتحول السياسي اللاحق، وإلى تحسن المؤشرات الخمسة، خصوصا القانوني.
لكن ترتيب المؤشر لا يثبت بمفرده أن الإصلاحات الحكومية المعلنة هي سبب كل التحسن، ولا يكشف مدى تطبيقها على الأرض، ويتطلب ذلك فحص القوانين النافذة، واستقلال المؤسسات الإعلامية، وقدرة الصحفيين على نقد السلطات، وحمايتهم من التهديد أو الاحتجاز.
تؤدي طريقة العرض وظيفة سياسية واضحة، فتجعل نتيجة دولية قابلة للقياس دليلا على نجاح المرحلة الجديدة، وتمنح الحكومة موردا رمزيا في مخاطبة جمهور محلي ومؤسسات دولية.
إن عرض التحسن منفردا، مع إغفال المرتبة التي انتهت إليها سوريا وحدود ما يقيسه المؤشر، يضلل الجمهور في تقدير حجم التغيير؛ إذ يحول تقدما نسبيا إلى انطباع بأن حرية الصحافة باتت واقعا مستقرا.
الاختبار في الممارسة
تقول المنظمة إن وضع الصحافة في سوريا ما زال “خطيرا جدا”، وإن حرية الصحفيين هشة في ظل عدم الاستقرار السياسي والضغوط الاقتصادية، هذه التفاصيل لا تنتقص من التحسن، بل تحدد معناه، فهو نقطة بداية أفضل من العام السابق، لا شهادة بإتمام الإصلاح.
سيختبر الخطاب عبر ما يستطيع الصحفيون فعله يوميا، فهل يمكنهم نشر تحقيقات تمس مؤسسات الدولة؟ هل تحمي القوانين مصادرهم وتمنع ملاحقتهم بسبب عملهم؟ وهل تتسع مساحة الإعلام المستقل خارج المؤسسات الرسمية؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، لا تكرار رقم التقدم، هي ما سيبين إن كان التحسن قد تحول إلى ضمانات دائمة.
تكشف طريقة عرض التصريح كيف تتحول نتيجة واحدة إلى رواية سياسية أوسع، حيث يقدم الصعود بوصفه دليلا على نجاح التحول، بينما تترك مرتبة سوريا الحالية وتصنيف المنظمة خارج الصورة.
بهذه الشكل لا يعود الجمهور أمام رقم يصف تغيرا في الترتيب فحسب، بل أمام استنتاج عن واقع الصحافة بغضض النظر عن معظم الوقائع التي تحدث على الأرض.
تقدّم في الترتيب.. ووضع ما زال خطيراً
سوريا في مؤشر حرية الصحافة العالمي: مقارنة بين 2025 و2026
المرتبة من أصل 180 دولة وإقليماً
في الترتيب، الرقم الأقل يعني موقعاً أفضل.
المقارنة تُظهر تحسناً كبيراً في الموقع، فيما تبقى المرتبة النهائية متأخرة ضمن التصنيف.
المصدر: مراسلون بلا حدود – صفحة سوريا ومؤشرات 2025 و2026. الترتيب والدرجة مقياسان مختلفان؛ ولا يختزل أيٌّ منهما وحده ظروف العمل الصحفي.

