جاءت التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال اضطلاع سوريا بدور مرتبط بالملف اللبناني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تزامنت مع عودة المواجهة العسكرية بين إيران و”إسرائيل” إلى واجهة المشهد.
أهمية هذه التصريحات تظهر في السياق الذي صدرت فيه، فتعكس تحولا تدريجيا في النظرة الأميركية إلى موقع سوريا داخل معادلات الشرق الأوسط بعد سنوات من التعامل معها بوصفها ساحة نزاع أو ملفا أمنيا منفصلا.
خلال مقابلة مع برنامج Meet the Press على شبكة NBCتحدث ترامب عن ضرورة تنفيذ هجمات أكثر “جراحية” ضد حزب الله، قبل أن يشير إلى سوريا بوصفها طرفا يمكن أن يسهم في معالجة بعض جوانب الأزمة اللبنانية، ورغم أن التصريحات لم تتضمن أي إعلان عن مهمة عسكرية أو أمنية محددة لدمشق، فإنها فتحت الباب أمام نقاش أوسع حول الدور الذي ترغب واشنطن في منحه لسوريا ضمن ترتيبات إقليمية قيد التشكل.
تكشف هذه الإشارات عن تصور أميركي يتجاوز فكرة الحياد السوري، ويضع دمشق ضمن شبكة التوازنات الجديدة التي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائها في مواجهة النفوذ الإيراني وحلفائه في المنطقة.
الجغرافيا السورية كعامل قوة سياسي
يصعب فصل أي حديث عن دور سوري محتمل في لبنان عن الحقائق الجغرافية التي تمنح دمشق موقعا استثنائيا في المشرق العربي.
حدود سوريا الطويلة مع لبنان، وموقعها بين العراق والأردن وتركيا وفلسطين المحتلة، يجعلها عنصرا مركزيا في أي معادلة تتعلق بحركة الأفراد، أو السلاح أو التجارة أو النفوذ السياسي، من هذه الزاوية تبدو سوريا بالنسبة لصناع القرار في واشنطن أكثر من مجرد دولة تسعى إلى استعادة استقرارها الداخلي، فهي عقدة جغرافية تتحكم بممرات استراتيجية تؤثر مباشرة في توازن القوى الإقليمي.
تكتسب أي محاولة لإعادة دمج دمشق في النظام الإقليمي أبعادا تتجاوز العلاقات الثنائية بين سوريا والولايات المتحدة.
هذا الإدراك الأميركي للجغرافيا السورية يفسر الاهتمام المتزايد بدور دمشق في الملفات المتشابكة الممتدة من لبنان إلى العراق، فالتأثير في مسارات الإمداد والاتصال بين أطراف ما يعرف بمحور المقاومة يمر، بدرجات متفاوتة، عبر الأراضي السورية أو عبر ترتيبات أمنية وسياسية ترتبط بها.
رسائل سياسية تتجاوز الملف اللبناني
يحمل حديث ترامب بعدا سياسيا يتجاوز مسألة حزب الله أو الحدود اللبنانية، فالإشادة العلنية بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع تعكس رغبة أميركية في تشجيع مسار سياسي جديد داخل سوريا، وفي الوقت نفسه إرسال إشارات إلى القوى الإقليمية بأن واشنطن تنظر إلى دمشق بوصفها شريكا محتملا في ترتيبات المستقبل.
تأتي هذه الرسائل في إطار مقاربة أميركية أوسع تقوم على إعادة توزيع الأدوار داخل المنطقة، بحيث تتحمل القوى المحلية مسؤوليات أكبر في إدارة الملفات الأمنية، مع احتفاظ الولايات المتحدة بدور الموجه والضامن للتوازنات الكبرى.
ضمن هذا السياق يصبح الحديث عن سوريا جزءا من مشروع إعادة هندسة البيئة السياسية المحيطة بإيران، عبر تقليص قدرة حلفائها على العمل ضمن شبكات مترابطة تمتد عبر أكثر من دولة، ويكتسب هذا التوجه زخما إضافيا مع استمرار التوتر العسكري بين طهران و”تل أبيب”، وما يرافقه من محاولات لاحتواء تداعياته الإقليمية.
المكاسب المحتملة لدمشق
التعويل على أي انفتاح أميركي أقرب إلى مقامرة سياسية منه إلى استراتيجية مكتملة، فالعلاقة مع واشنطن مؤثرة في العقوبات وإعادة الإعمار والمؤسسات المالية، لكن تحويل هذا التأثير إلى رهان مركزي يكشف محدودية البدائل التي راكمتها دمشق منذ سقوط النظام السابق.
تحسين التواصل مع الولايات المتحدة يوسع هامش الحركة الدبلوماسية، غير أن تقديمه بوصفه مدخلا سريعا للاستثمارات يتجاهل هشاشة البيئة القانونية والاقتصادية داخل سوريا، وتعدد مراكز القرار، وضعف الثقة بقدرة الدولة على ضبط الحدود والمعابر والمجالات السيادية التي تنازعتها قوى محلية وخارجية.
لا تبدو المشكلة في الانفتاح ذاته، بل في طريقة إدارته، فدمشق تميل إلى التعامل مع التحولات الإقليمية كفرص ظرفية قابلة للاستثمار، بينما تحتاج المرحلة إلى سياسة واضحة تقلل الارتهان للخارج، وتربط أي دور إقليمي بإصلاحات داخلية ملموسة.
كلما اتسعت المواجهة بين إيران و”إسرائيل”، ازدادت كلفة الغموض السوري، وتحول هامش المناورة إلى مساحة ضغط لا إلى مصدر قوة.
مخاطر الاصطفاف داخل صراع مفتوح
تفرض التطورات الراهنة جملة من المخاطر السياسية والأمنية، فمجرد ظهور دمشق ضمن سياق الجهود الرامية إلى إضعاف حزب الله يدفع أطرافا عديدة إلى تفسير موقفها باعتباره انتقالا من موقع إلى آخر داخل الخريطة الإقليمية.
تكمن المشكلة في أن النزاعات الحالية لم تعد تقاس بالتحالفات العسكرية التقليدية فقط، بل بالتصورات السياسية والانطباعات التي تنتجها المواقف والقرارات، فأي دور سوري يفهم على أنه جزء من استراتيجية أميركية أو “إسرائيلية” سيؤثر على شبكة علاقات دمشق.
كما أن البيئة اللبنانية نفسها تشكل ساحة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الانقسامات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية، وأي انخراط سوري في الملف اللبناني، مهما كان شكله أو نطاقه، سيواجه قراءات متباينة من القوى اللبنانية المختلفة، وسيعيد إحياء نقاشات تاريخية تتعلق بطبيعة العلاقة بين البلدين وحدود التأثير المتبادل بينهما.
إعادة تشكيل النفوذ في المشرق
تتجاوز المسألة حدود الدور السوري المباشر لترتبط بعملية أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المشرق العربي، فالحرب الدائرة بين إيران و”إسرائيل” دفعت العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى مراجعة استراتيجياتها، وإعادة تقييم الأدوات التي تستخدمها للحفاظ على مصالحها.
ضمن هذا المشهد، تسعى الولايات المتحدة إلى بناء منظومة أكثر مرونة من التحالفات والترتيبات الأمنية، تعتمد على توظيف القدرات المحلية بدلا من الانخراط العسكري المباشر واسع النطاق، وتعد سوريا إحدى الساحات التي تختبر فيها هذه المقاربة، نظرا لموقعها الجغرافي وصلاتها المتشابكة مع مختلف أطراف الصراع.
لا يمكن قراءة التصريحات الأميركية الأخيرة بوصفها مجرد تعليق على تطورات لبنان، بل باعتبارها مؤشرا على كيفية تفكير واشنطن في المرحلة المقبلة، وعلى نوع الأدوار التي ترغب في إسنادها للدول الواقعة على خطوط التماس الرئيسية في المنطقة.
بين استعادة الدور وتجنب الاستنزاف
تكشف التطورات الأخيرة عن إشكالية متزايدة في مقاربة دمشق لموقعها الإقليمي، فتبدو السلطة السورية وكأنها تسعى إلى استعادة دور سياسي يتجاوز بكثير قدراتها الفعلية وأولوياتها الداخلية.
بينما تواجه البلاد تحديات بنيوية تتعلق بشرعيتها ومعالجة التدهور الاقتصادي، وترسيخ الاستقرار الأمني، تنخرط القيادة السورية في حسابات إقليمية معقدة تستهلك جزءا من رأس مالها السياسي في لحظة تحتاج فيها إلى تركيز الجهود على الداخل.
وتعكس طريقة تعامل دمشق مع التحولات الإقليمية قدرا من التردد الاستراتيجي، ما يجعل السياسة الخارجية السورية أقرب إلى إدارة تناقضات متراكمة منها إلى بناء رؤية واضحة للمصالح الوطنية، كما أن غياب تعريف دقيق للحدود التي يمكن أن يذهب إليها الانخراط السوري في الملفات الإقليمية يفتح المجال أمام ضغوط خارجية متزايدة تدفع دمشق إلى أداء أدوار لا تنسجم بالضرورة مع احتياجاتها الداخلية أو مع متطلبات مرحلة التعافي.
تزداد خطورة هذا المسار عندما يتحول السعي لاستعادة النفوذ الإقليمي إلى هدف بحد ذاته، بمعزل عن الكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة عليه، فالدول الخارجة من أزمات طويلة تحتاج عادة إلى ترميم عناصر القوة الداخلية قبل توظيفها خارجيا، بينما توحي بعض المؤشرات بأن دمشق ما تزال تراهن على استعادة المكانة الإقليمية بوصفها مدخلا لتعزيز الاستقرار الداخلي، رغم أن التجربة السورية خلال السنوات الماضية أظهرت أن العلاقة بين المسارين أكثر تعقيدا مما تفترضه الحسابات الرسمية.
تعكس التصريحات الأميركية الأخيرة تحولا في طريقة النظر إلى سوريا داخل الترتيبات الإقليمية الناشئة، حيث لم تعد دمشق تطرح باعتبارها ملفا مستقلا، بل كعنصر فاعل في شبكة التوازنات الممتدة من لبنان إلى الخليج.
تكشف هذه المقاربة عن رغبة أميركية في توظيف الموقع السوري ضمن استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني وإعادة رسم خرائط التأثير في المشرق.
نجاح أي دور سوري مستقبلي سيظل مرتبطا بقدرة دمشق على حماية استقلال قرارها السياسي، وتجنب التحول إلى ساحة إضافية للمواجهة المفتوحة، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الدور المعروض عليها، بل في كيفية توظيفه لخدمة أولوياتها الوطنية وسط بيئة إقليمية تتجه نحو مزيد من الاستقطاب وعدم اليقين.

