تكشف المقابلة التي بثتها منصة «سوريا الآن» في 13 آب 2026 مع السفير التركي في دمشق نوح يلماز عن خطاب يتجاوز عرض ملفات التعاون بين دولتين.
بين يلماز إن سفارة بلاده أصبحت الأكبر بين السفارات التركية من حيث عدد الدبلوماسيين، وإنه يتابع في دمشق ملفات أكثر مما كان يديرها عندما كان نائبا لوزير الخارجية، ثم انتقل بين الأمن والجيش والتجارة والتعليم والزراعة والملاحة، رابطا هذه القطاعات داخل رواية واحدة.
لا تقوم أهمية المقابلة على صحة كل معلومة منفردة، بل على الصورة التي تنتجها؛ فتركيا ليست قوة خارجية، وإنما شريك طبيعي تجمعه بسوريا الجغرافيا والتاريخ والمصالح، ويبني الخطاب هذه الصورة بإبراز القرب والمصلحة المشتركة، بينما يدفع اختلال القوة والطمع وحدود الدور التركي إلى خلفية المشهد.
“شام شريف”.. التاريخ بوصفه مدخلا للشرعية
يفتتح يلماز حديثه باستعادة اسم “شام شريف”، ثم يستحضر الأمويين وصلاح الدين والآثار العثمانية والتقاليد المشتركة.
اختيار هذه البداية ينقل العلاقة من حقل السياسة الخارجية إلى حقل الذاكرة؛ فتركيا لا تظهر كدولة عادت بعد انقطاع دبلوماسي، بل كجزء من تاريخ ممتد ما زال حاضرا في المكان.
هذه الذاكرة انتقائية؛ تجمع فترات التداخل الثقافي في خط متصل، بينما تتراجع خلفها حدود الدول الحديثة ومراحل التوتر.
لا يثبت ذلك وجود مشروع لضم سوريا، لكنه يخفف صفة “الخارجية” عن الحضور التركي، وحين تصبح العلاقة استعادة لقرب تاريخي، يبدو توسع المؤسسات التركية امتدادا طبيعيا لهذا القرب، لا خيارات سياسية تحتاج إلى مساءلة.
صورة الذات الإيجابية وصناعة الآخر المهدد
يقدم الخطاب تركيا بوصفها دولة قوية ذات تقاليد إدارية عميقة؛ تمد سوريا بالخبرة وتساعدها على بناء مؤسساتها وفق علاقة أخوة ومصلحة مشتركة.
في المقابل، يصف نظام الأسد بأنه حول الدولة إلى ما يشبه “عصابة مخدرات”، ويضع “قسد” داخل خانة الإرهاب، ويرد الجانب الأكبر من عدم الاستقرار اللبناني إلى الاحتلال الإسرائيلي.
ينظم هذا التقابل أدوار الفاعلين، فتركيا شريك قادر، وسوريا الجديدة دولة شرعية تحتاج إلى النهوض، بينما يأتي التهديد من أطراف تختزل في أوصاف سلبية حاسمة، ولا يعني ذلك أن الاتهامات بلا أساس، لكن التسمية تحدد حدود النقاش، فكلمة “الإرهاب” تنقل قضية قسد من التفاوض السياسي إلى ضرورة الاستئصال، بينما تخفي مفردات الأخوة اختلال القوة بين دولة تركية متماسكة ومؤسسات سورية استنزفتها الحرب.
الأمن المشترك وإعادة رسم الحدود
تقدم عبارة “أمن سوريا هو أمن تركيا” تطابق المصالح كأنه حقيقة تفرضها الجغرافيا، لكن الدولة تحدد نطاق أمنها وفقا للتهديدات التي تختارها وقدرتها على العمل خارج حدودها، وبهذه الصورة تتحول الحدود الممتدة لأكثر من تسعمئة كيلومتر من خط يفصل سيادتين إلى مجال تتحرك عبره الجماعات والسلع والسلاح، وترتبط سلامته بمن يدير الشمال السوري.
يجب هنا الفصل بين السوريين الأكراد و”قسد”، فخطاب يلماز يستهدف سلطة عسكرية وسياسية مستقلة عن سلطة دمشق، لكنه يمنح مساحة محدودة للمطالب المحلية التي نشأت حول الإدارة والتمثيل وتوزيع الموارد، ويدعم بناء دولة مركزية لكنها غير متكافئة، فتمتد سلطة دمشق على كل الجغوافيا السورية، وتحصل أنقرة على عمق أمني وتنقل كلفة ضبط الحدود إلى المؤسسات السورية.
يبقى الفرق جوهريا بين السيطرة والشرعية، فإذا اختصر الاندماج بإجراء عسكري، يمكن للدولة أن ترفع علمها فوق المعابر من دون أن تنتج قبولا مستقرا في المجتمع المحلي، فتبتعد المشكلة عن الحدود التركية، لكنها تستمر داخل سوريا في صورة أخرى.
بناء الدولة وتحويل النفوذ إلى مسألة فنية
حين يقول يلماز إنه يتابع “كل الملفات بلا استثناء”، فهو يصف سفارة تؤدي دور عقدة تربط الوزارات والأجهزة والشركات في البلدين.
يستخدم الخطاب مفردات اللجان والخبرة وتسريع البيروقراطية، فيظهر الحضور التركي كعمل فني هدفه حل مشكلات الإدارة السورية، لا كعلاقة قوة تؤثر في اتجاه السياسات.
تحتاج سوريا إلى تدريب الكوادر وإعادة بناء أجهزة التخطيط والرقابة، لكن من يقدم النموذج والخبراء والتمويل يستطيع التأثير في قواعد المؤسسات الجديدة، لذلك تقاس السيادة بقدرة الوزارات على صياغة سياساتها وامتلاك بياناتها وإدارة مواردها من موقع مستقل.
هذه الأسئلة تتراجع في المقابلة خلف إبراز قدرة تركيا على المساعدة.
الغموض العسكري بوصفه رسالة سياسية
يؤكد يلماز وجود ثقة وتعاون عسكري وتدريب وتسليح ودعم لوجستي، لكنه يتجنب وصف العلاقة باتفاق دفاع مشترك أو كشف تفاصيلها.
يجمع هذا الأسلوب بين التأكيد والتحفظ، فيكفي الكلام لطمأنة سلطة دمشق وإبلاغ الخصوم بأن تركيا حاضرة، من دون التزام علني بصيغة يمكن محاسبتها أو اختبار حدودها.
تؤكد مذكرة التعاون العسكري مسائل التدريب والاستشارات والمعدات والخدمات اللوجستية، ويمنح الحديث عن مناورات “إيفس” والبحرية التعاون امتدادا نحو الساحل.
كما كشفت رويترز أن “إسرائيل” استهدفت قواعد كانت تركيا تدرس استخدامها، لكن غياب التفاصيل لا يثبت وجود قاعدة أو قيادة مشتركة؛ إنه يبقي الاحتمالات مفتوحة أمام الحلفاء والخصوم.
المنفعة المتبادلة والمسكوت عنه في الملكية
في الاقتصاد، يكرر يلماز مفردات الشراكة والمنفعة المتبادلة، ويعرض اتفاق التجارة الحرة والمناطق الصناعية والميناء الجاف وفتح المعابر باعتبارها طريقا طبيعيا نحو عشرة مليارات دولار من التبادل.
وتؤكد وزارة التجارة التركية بلوغ التجارة 3.7 مليارات دولار وبدء ممرات عبور نحو الخليج والعراق.
عندما سئل يلماز عما إذا كان مشروع المنطقة الحرة والميناء الجاف في إدلب هو تركي أم شراكة سورية تركية، قلل من أهمية السؤال قائلا إنه “لا ينبغي التعلق كثيرا بهيكلية الملكية”، لكن الملكية ليست تفصيلا يؤخر الإنجاز، بل تحدد من يسيطر على الأرض والمنشآت والعائدات.
كما أن وصف العلاقة بأنها رابحة للطرفين يفترض مسبقا أن مكاسب دولة تملك رأس المال والخبرة تساوي مكاسب اقتصاد سوري ضعيف القدرة على التفاوض.
يمكن لهذه المشروعات أن تدعم التعافي، لكنها تستطيع أيضا توجيه طرق الإنتاج والتجارة السورية نحو الشمال وترسيخ اعتماد طويل الأمد.
خمسون عاما: تحويل اللجوء إلى رابطة استراتيجية
يضع يلماز العلاقة في أفق خمسين عاما، ويستند إلى السوريين الذين عاشوا في تركيا وتعلموا لغتها وأنشؤوا أعمالا وعائلات مشتركة.
ويربط هذا الواقع بمدارس “معارف” وتسهيلات التأشيرات واستمرار التعليم التركي داخل سوريا، فتتحول سنوات اللجوء من أزمة استثنائية إلى رأس مال اجتماعي يخدم علاقة ممتدة بين الدولتين.
يمكن لهذه الشبكات أن تنقل الخبرة والاستثمار، لكن خطاب “المصير المشترك” يقدم آثارها كأنها نتيجة تلقائية للتاريخ، مع أنها تتأثر بسياسات التعليم والإقامة والعمل.
السؤال الذي يتراجع خلف لغة التقارب هو مقدار الرقابة السورية على المناهج والمؤسسات، وقدرة المجتمع على الاستفادة من هذه الروابط من دون أن يصبح المجال الثقافي امتدادا للطرف الأقوى.
خطاب يمنح النفوذ شرعيته مسبقا
لا تكشف المقابلة خطة سرية لإدارة سوريا، بل تبني شرعية علنية لدور تركي واسع، وتفعل ذلك عبر ثلاث حركات مترابطة، فتجعل الحضور التركي طبيعيا بواسطة التاريخ، وتحول المعارضين إلى أخطار أمنية، وتقدم اختلال القوة في صورة تعاون فني ومصلحة متبادلة.
لا يحسم هذا الخطاب مستقبل العلاقة، فتستطيع سلطة دمشق استخدام القرب التركي لبناء قدرة وطنية إذا نشرت الاتفاقات ونوعت شركاءها وحمت قرارها المؤسسي.
أما إذا بقيت الملكية والتمويل والقيادة خارج الرقابة العامة، فسيتحول خطاب الأخوة إلى غطاء لاعتماد متزايد، ولاحتلال مُضمر، لذلك يختبر الدور التركي في العقود والقرارات وتوزيع الموارد، لا في حرارة الكلمات وحدها.
ملامح الدور التركي في سوريا
المصدر: تحليل مقابلة السفير نوح يلماز مع منصة “سوريا الآن” (13 آب 2026) – .
