مئة مليون دولار تعيد رسم السلطة المالية في سوريا

مئة مليون دولار رقم كبير إذا قيس بموارد الدولة السورية الحالية، لكنه يتقلص أمام كلفة إعادة الإعمار المقدرة بنحو 216 مليار دولار، أي أقل من 0.05 في المئة من الفاتورة.

المنحة، التي أقرها مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في 7 آب 2026، لن تبني مدينة ولا محطة كهرباء ولا شبكة مياه، لكنها تستهدف النظام المالي الذي يمر عبره تمويل كل تلك القطاعات، وبحسب وزير المالية محمد يسر برنية، فإنها خامس منحة يقرها البنك الدولي لسوريا خلال أشهر، بعد منح سابقة لقطاعات الكهرباء والصحة والمياه والإدارة المالية العامة، ليصل مجموع ما أقره البنك حتى الآن إلى 491 مليون دولار.

تتجاوز أهمية المشروع حجم المنحة لترتبط في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمال، حيث سيحدد التحديث المقترح من يملك القدرة على تحريك الموارد داخل الاقتصاد ومن يستطيع الاستفادة منها.

عمليا فإن المسألة ليست في حاجة سوريا إلى إصلاح قطاعها المالي، بل طبيعة النظام الذي سينشأ عنه، فهل يوسع الفرص ويعيد الثقة بالمؤسسات، أم يعيد إنتاج الامتيازات القائمة بأدوات أكثر حداثة؟

رقم صغير لمهمة بحجم الدولة

يصف البنك الدولي القطاع المالي السوري بأنه صغير، وشديد الاعتماد على المصارف والنقد الورقي، وضعيف القدرة على تحويل المدخرات إلى تمويل للنشاط الاقتصادي.

تغطي المنحة تحديث البنية التحتية للمدفوعات والائتمان، وأنظمة المصرف المركزي، وتقنية المعلومات والأمن السيبراني، إضافة إلى مراجعة جودة أصول المصارف العامة والخاصة، وتعزيز الرقابة ومكافحة غسل الأموال.

من المفترض أن تعيد هذه التحديثات ترتيب السلطة داخل النظام المالي السوري، فنحدد القواعد الجديدة لمن يحصل على التمويل، وكيف تعالج الخسائر، ومدى قدرة المعاملات السورية على العودة إلى القنوات الدولية، فهي ستغير العلاقة بين المواطن والمصرف والدولة، لا طريقة تنفيذ العمليات وحدها.

يمنح المشروع المصرف المركزي فرصة لاستعادة وظائف تراجعت، لكنه يضعه أيضا أمام مسؤولية سياسية، فجمع بيانات أوسع وامتلاك رقابة أقوى لا تعني نزاهة تلقائيا؛ حاكم المصرف المركزي محمد صفوت رسلان وصف المشروع بأنه محطة مهمة في تطوير البنية المالية والمصرفية، وخطوة نحو مصرف حديث يتماشى مع المعايير الدولية.

لكن الأدوات الجديدة لا تتحول إلى منفعة عامة إلا حين تخضع قواعد استخدامها للمساءلة؛ أما إذا بقيت القرارات والمعلومات محصورة داخل دائرة ضيقة، فستصبح وسيلة لتركيز النفوذ لا لتوسيع الثقة.

المعلومات أهم من السيولة

تخصص منحة البنك الدولي جزءا من مشروعها لإجراء مراجعة مستقلة لجودة أصول جميع المصارف السورية.

تهدف هذه العملية إلى معرفة ما إذا كانت الأموال المسجلة في دفاتر المصارف قابلة للاسترداد فعلا، حيث تسجل القروض بوصفها أصولا، لكن تعثر استردادها يجعل القيمة المحاسبية للمصرف أكبر من قيمته الحقيقية.

ستحدد نتائج المراجعة حجم الخسائر المخفية والمصارف التي تحتاج إلى إعادة هيكلة كي تتمكن من الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، فيرتبط أثر المنحة بقرارات تمس المجتمع مباشرة، لأن معالجة الخسائر تفرض تحديد الجهة التي ستتحمل كلفتها.

تفقد المنحة جزءا من قيمتها إذا بقيت نتائج المراجعة سريةـ فلا يكفي وصفها بأنها مستقلة، بل ينبغي نشر صورة واضحة عن النتائج وطريقة معالجتها.

إخفاء هذه المعلومات لا يلغي الخسائر، بل يسمح بنقل كلفتها إلى المجتمع من دون توضيح كيف نشأت أو من تسبب بها.

الرقمنة لا توزع الفرص وحدها

يستهدف المشروع تمكين 15 مليون عملية دفع إلكتروني سنويا على الأقل، ومساعدة 500 ألف شخص ومنشأة على الاستخدام الفعلي للأنظمة المدعومة، بينهم 150 ألف امرأة.

تحمل هذه الأرقام فرصة واضحة لتقليل كلفة التحويلات والرواتب والتجارة والمساعدات، لكنها لا تجيب عن سؤال التوزيع، فمن سيصل إلى هذه الخدمات فعليا، ومتى.

تحتاج المدفوعات الرقمية إلى كهرباء واتصالات وهواتف وحسابات موثقة وشبكة وكلاء يمكن الوصول إليها، وهي شروط تختلف جذريا بين دمشق والمدن الكبرى من جهة، والقرى ومناطق العودة والمجتمعات المتضررة من جهة أخرى.

التجربة الأقرب على الأرض تكشف حجم الفجوة بين الوعد والتنفيذ، في تموز 2026، مع انتهاء مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة، اشتكى مواطنون في حلب من عجزهم عن سحب أرصدتهم بالليرة السورية عبر تطبيق “شام كاش”، بعدما أرجع موظفو الصرافة الأمر إلى صعوبات في سحب القيم من المصرف المركزي ونقص السيولة اللازمة للتنفيذ.

قبل ذلك بأشهر، في آذار 2026، اشتكى معلمون في المدينة نفسها من تعذر قبض رواتبهم عبر التطبيق ذاته، رغم اعتماده رسميا لصرف رواتب القطاع العام منذ أيار 2025.

هذه الحوادث مؤشر على نمط أوسع، فالدفع الإلكتروني يستطيع تقليص الاعتماد على النقد، لكنه قادر أيضا على إنشاء مستوى جديد من الاستبعاد، فيصبح العامل أو المتقاعد أو المزارع أسيرا للعمولات إذا غابت المنافسة، ويتحول صاحب الحساب إلى مورد للبيانات إذا لم توجد قواعد واضحة للخصوصية.

الرصيد الرقمي لا يساوي مالا قابلا للاستخدام ما لم تتوافر السيولة، وشبكة السحب، والرقابة على الرسوم، ففرض الانتقال الرقمي قبل بناء ضمانات سيغير شكل المشكلة من نقص الخدمات إلى تبعية لمنصة أو وسيط.

استقلال المصرف المركزي لا يعني عزله عن المجتمع

دعا صندوق النقد الدولي إلى تمكين المصرف المركزي وضمان استقلاليته، وإعادة تأهيل نظام المدفوعات والمصارف، مع إجراء تقييم شامل لسلامة الوضع المالي للبنوك.

وأشار إلى أن وقف تمويل الموازنة من المصرف المركزي ساعد في إبطاء التضخم خلال عام 2025.

استقلال المصرف المركزي ضروري لحماية العملة من تمويل العجز ومن القرارات السياسية قصيرة الأجل، لكنه لا يحول أحيانا السياسة النقدية إلى مجال مغلق خارج النقاش العام، المصرف المستقل يملك سلطة تحديد كلفة الائتمان، والتأثير في الوظائف والاستثمار، واختيار درجة التشدد التي يتحمل المجتمع آثارها.

هناك ضرورة لمصرف مركزي محمي من أصحاب النفوذ ومن متطلبات الحكومة الآنية، وفي الوقت نفسه ملزم بنشر بياناته وشرح قراراته والخضوع لرقابة مؤسسية، فالاستقلال بلا شفافية يمكن أن يستبدل النفوذ السياسي المباشر بنفوذ تقني لا يقل عنه قوة.

الامتثال بوابة إلى الخارج وسياج في الداخل

تحتاج سوريا إلى أنظمة قوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب كي تستعيد علاقاتها مع المصارف المراسلة وتخفض كلفة التجارة والتحويلات، فالعزلة المالية لا تحمي الاقتصاد؛ إنها تدفع الأموال إلى شبكات غير رسمية أكثر كلفة وأقل قابلية للرقابة.

لكن الامتثال الصارم ينطوي على تحديات، فهو ينتج بيئة تدفع المصارف لرفض العملاء السوريين أو المشروعات الصغيرة بدلا من تحمل كلفة التحقق منهم، وهي ممارسة تعرف بتجنب المخاطر، وفي هذه الحالة تتحسن المؤشرات الرقابية على الورق، بينما ينتقل الأفراد والتجار مجددا إلى النقد والوسطاء.

المعيار الصحيح ليس عدد الحسابات التي أغلقت، بل قدرة النظام على تمييز المعاملة المشروعة من المشبوهة، ويحتاج لبيانات دقيقة وكوادر مؤهلة وإجراءات تظلم، بدلا من قواعد عامة تعاقب المناطق أو المهن أو الفئات التي تفتقر إلى سجلات مالية مكتملة.

من يوجه الائتمان؟

لن يغير تحديث المدفوعات وحده الاقتصاد السوري إذا بقيت المصارف عاجزة عن تمويل الإنتاج.

يستطيع النظام المالي الحديث تسريع حركة الأموال، لكنه لا يضمن استخدامها في تنمية الاقتصاد، وتحدد قواعد الائتمان ما إذا كانت المدخرات ستتحول إلى تمويل للإنتاج وفرص العمل، أم ستتركز في أنشطة تحقق أرباحا سريعة من دون قيمة اقتصادية مستدامة.

ملكية الدولة للمصرف لا تضمن أن يخدم الصالح العام، كما أن الملكية الخاصة لا تضمن كفاءة توزيع التمويل، فالمصرف العام يمكن أن يخضع للتوجيه السياسي، والخاص يميل إلى العملاء الأكبر والأقل كلفة، والمطلوب قواعد منافسة وإفصاح تمنع الإقراض المرتبط، وتوجه جزءا من القدرة التمويلية نحو المشروعات الصغيرة والقطاعات المنتجة والمناطق الأضعف مصرفيا.

خسرت الإيرادات العامة معظم قدرتها خلال الحرب، فتراجعت من قرابة 20% من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من 5% اليوم، ما دفع البنك الدولي في آذار 2026 لإطلاق مشروع منفصل بقيمة 20 مليون دولار لتطوير الموازنة والمشتريات والرقابة المالية.

الربط بين إصلاح المالية العامة وإصلاح المصارف ضروري، لكنه يتحول إلى خطر إذا صار النظام المصرفي مجرد أداة لتحصيل الإيرادات من اقتصاد فقير، من دون توسيع فرص العمل والائتمان.

المنحة التي ستقاس خارج المصارف

تستطيع مئة مليون دولار شراء خوادم وبرامج واستشارات، لكن بناء الثقة يحتاج إلى معرفة الناس بما يجري داخل المؤسسات، وقدرتهم على الاعتراض على قراراتها.

نجاح المشروع لن يقاس بعدد العمليات الإلكترونية وحده، بل بانخفاض كلفة التحويل، وانتشار الائتمان المنتج، وحماية المودعين، ووصول الخدمات إلى المناطق الأضعف، وعودة المصارف السورية إلى القنوات الدولية.

وزير المالية أعلن أن مشروعات جديدة قيد التحضير لقطاعات مختلفة، ما يعني أن هذه المنحة ليست الأخيرة، بل حلقة في سلسلة أطول من التمويل الدولي لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهذا ما يرفع سقف المساءلة المطلوبة، فكل منحة جديدة تعيد توزيع صلاحيات وموارد، وكل تأخر في نشر المعلومة أو إتاحة إجراءات التظلم يوسع الفجوة بين من يملك القرار ومن يعيش نتائجه.

تساعد المنحة الدولة على استعادة سيادتها المالية إذا حولت المعلومات إلى منفعة عامة والرقابة إلى ضمان للمجتمع، أما إذا اقتصر التحديث على استبدال الدفاتر القديمة بشاشات حديثة، فستصبح السلطة المالية أسرع من دون أن تصبح أكثر عدلا.

مئة مليون دولار تعيد رسم السلطة المالية في سوريا

تحليل رسوم بيانية تفاعلية – منحة البنك الدولي (7 آب 2026)

المنح المقررة vs. كلفة الإعمار

100 مليون $ (منحة القطاع المالي) تمثل أقل من 0.05% من فاتورة الإعمار (216 مليار $). إجمالي المنح الـ5 يصل إلى 491 مليون $.

المستفيدون المستهدفون من التحديث

استهداف 15 مليون عملية دفع سنوياً · 500 ألف مستخدم/منشأة · منهم 150 ألف امرأة.

تراجع الإيرادات العامة (قبل/بعد الحرب)

الإيرادات انهارت من ~20% من الناتج المحلي قبل الحرب إلى أقل من 5% حالياً، ما يضغط على قدرة الدولة التمويلية.
◈ خلاصة تحليلية: المنحة ليست مجرد تحديث تقني، بل إعادة توزيع للسلطة المالية. نجاحها يتوقف على الشفافية، استقلالية المصرف المركزي، وضمان وصول الخدمات إلى المناطق الأضعف. الرقمنة وحدها لا تكفي؛ يجب أن ترافقها قواعد ائتمانية عادلة ورقابة فعالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *