كنيسة الزيتون: حين يصبح الصمت استراتيجية مكشوفة تحليل جيوسياسي لأزمة المسيحيين في سوريا

عندما تخترق حرمة المقدس بلافتات الاحتجاج، فإن ما ينهار ليس مجرد بروتوكول كنسي، بل هي “الأسطورة التأسيسية” للتعايش السوري الراهن، فالنظر إلى حادثة كنيسة الزيتونة في دمشق باعتبارها مجرد رد فعل شبابي عابر يعني تجاهل التحولات التي تعصف ببنية المكونات الأساسية وما يسمى “الأقليات” في الشرق الأوسط، فجوهر ما جرى في 23 كانون الثاني لا يكمن في الكلمات المكتوبة على الورق، بل في المكان الذي كتبت فيه، والزمان الذي اختير بعناية، والجمهور الذي استدعي ليكون شاهدا.

كانت لحظة فارقة تشير إلى أن “عقد الحماية” التقليدي الذي أبرمته المكونات المسيحية في سوريا مع السلطة، والقائم على مقايضة “الولاء السياسي” بـ “الأمن الطائفي” دخل مرحلة التآكل النهائي، فلم يعد الصمت استراتيجية للبقاء، بل تحول إلى عبء وجودي يهدد بمحو الهوية.

هذا الاختراق الرمزي لفضاء الزيتونة، وتوجيه الخطاب مباشرة نحو الفاتيكان بدلا من السلطة المحلية، يكشف عن تحول جذري في وعي المسيحي السوري؛ الانتقال من وضع “المحمي” الذي ينتظر الرعاية، إلى وضع “الفاعل السياسي” الذي يطالب بالحقوق ويرفض أن يكون مجرد رقم في معادلة الاستقرار الأمني، وما شهدته دمشق لم يكن احتجاجا، بل إعلانا أحادي الجانب لإنهاء الوصاية، والبدء بالنظر إلى الأزمة ليس عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل عبر “جيوسياسية الهوية” المباشرة.

المكان كرسالة: لماذا الزيتونة؟

إن النظر إلى كنيسة الزيتونة في دمشق القديمة باعتبارها مجرد خلفية دينية للحدث هو خطأ منهجي يغفل عن “هندسة المكان” بوصفها أداة سياسية، فإن موقع الكنيسة في قلب باب شرقي—تلك البوابة التاريخية التي تمثل الشريان المسيحي العريق في دمشق—لم يكن اختيارا عشوائيا، بل كان جزءا من معادلة “الاختراق الممنهج”، ففي الثقافة السياسية للشرق الأوسط، المكان ليس مجرد إحداثيات جغرافية، بل هو رسالة، فبحضور مجموعة من الهرميات الكنسية العليا، بطريرك إغناطيوس أفرام الثاني، وممثل البطريرك يوحنا العاشر، وسفير الفاتيكان،تحول القداس من طقس روحي إلى “منصة دبلوماسية” مصغرة، هنا قام الشباب بعملية جراحية دقيقة: لقد اخترقوا “الحرمة الدينية” ليس لتدنيسها، بل لتفعيلها كـ “منبر سياسي” يتجاوز السلطة المحلية، إن رفع اللافتات داخل الهيكل المقدس، وتحت أنظار الممثل البابوي، هو استخدام ذكي لـ “السلطة الرمزية” للكنيسة لتوجيه ضربة مباشرة لمركز القرار في روما، متجاوزين بذلك الوساطة التقليدية للكنيسة المحلية التي ينظر إليها الآن كجزء من “المنظومة” الحاكمة.

التوقيت ولغة الخطاب: استراتيجية “التدويل المباشر

التوقيت الذي اختير للحدث، مع نهاية ولاية سفير الفاتيكان، يكشف عن معرفة بآليات الدبلوماسية الفاتيكانية. فلم يكن الهدف إيصال رسالة للشارع السوري الذي يعاني من “التعتيم الإعلامي”، بل “التدويل الفوري” للقضية عبر القنوات الرسمية.

تبرز هنا الاستراتيجية الشبابية في اللجوء إلى اللغات العالمية (الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية) على اللافتات، هذا الخيار اللغوي قرار سياسي بإخراج الملف المسيحي السوري من دائرة “الشأن الداخلي”، ووضعه مباشرة أمام “الرأي العام العالمي” وأجهزة الإعلام الدولية (مثل وكالات الأنباء الكاثوليكية التي وثقت الحدث فورا).

يعكس هذا السلوك تحولا جذريا في عقلية الفاعل المسيحي؛ فبعد أن خاب أملهم في جدوى المعارضة السياسية التقليدية، وبعد أن شعروا بأن الكنيسة المحلية فقدت قدرتها على لعب دور “الحامي” التقليدي، لجأوا إلى استراتيجية “التدويل المباشر”، فهم يخاطبون الفاتيكان ليس كمرجعية دينية فحسب، بل كـ “فاعل دولي” يمتلك النفوذ الأخلاقي والسياسي للضغط على سلطة دمشق.

البيانات اللاحقة تؤكد أن الرسالة وصلت؛ المسيحيون في سوريا لم يعودوا يقبلون دور “الأقلية الصامتة” التي تنتظر الرعاية، بل تحولوا إلى “فاعلين” يستخدمون أدوات العولمة لفرض قضيتهم على طاولة المفاوضات الدولية، ما يضع السلطة السورية أمام معضلة حقيقية؛ كيف تتعامل مع احتجاج لا يمكن قمعه أمنيا دون إحداث كارثة دبلوماسية مع الكرسي الرسولي؟

إعادة تشكيل “العقد الاجتماعي”: من الشراكة إلى الوصاية الطائفية

الاختزال الذي يصور تاريخ المسيحيين في سوريا كقصة “صمت مقابل حماية” هو قراءة سطحية للواقع، ففي عقود الاستقلال وما بعدها، لم يكن المسيحيون هامشيين، بل كانوا فاعلين مركزيين في صناعة القرار السياسي والفكري، ولم تكن الكنيسة مجرد “وسيط”، بل كانت جزءا من النسيج الوطني العام.

لكن المعادلة في مرحلة ما بعد 2024، حيث باتت السلطة الجديدة تعيد تعريف المجتمع السوري ليس كـ “مواطنين”، بل كـ “أكثرية سنية” و”أقليات محمية، وتحولت “الحماية” من كونها ضمانا دستوريا إلى “ورقة مساومة سياسية”، فتمنح السلطة الأمان ل”لأقليات” مقابل شرعنة وجودها، وتتحول الكنيسة من مؤسسة روحية إلى “ممثل حصري” لهذا المكون، مانحة نفسها حق التحدث باسمهم وتقرير مصيرهم السياسي.

البيانات الرسمية اللاحقة حاولت احتواء الموقف عبر لغة “التهدئة” و”الحفاظ على النسيج”، لكنها فشلت في إخفاء الأزمة العميقة، فالشباب المسيحي لم يعد يرى في الكنيسة “الراعي الروحي” بل “شريكا في المنظومة السياسية” التي تكرس تهميشهم.

اللافتات التي طالبت بـ “فتح أبواب الهجرة” لم تكن تعبيرا عن يأس اقتصادي فحسب، بل كانت رفضا وجوديا لدور “الرهينة الآمنة” الذي فرض عليهم، والجيل الجديد يدرك أن “الصمت” في ظل النظام الحالي لم يعد استراتيجية بقاء، بل هو “قبول بالتبعية” وشطب للهوية الوطنية الكاملة، فهم لا يطالبون بمزيد من الامتيازات الطائفية، بل يطالبون باستعادة “فاعليتهم السياسية” المستقلة عن وصاية الكنيسة ورعب السلطة، معلنين أن ولاءهم ليس لسلطة ولا للهرميات الكنسية الجامدة، بل لمستقبلهم كمواطنين أحرار، حتى لو كان الثمن هو الرحيل.

الخوف المتبادل: السلطة والكنيسة

لماذا لم تفرق القوات الأمنية الاحتجاج فورا؟ لأن المكان كان “محميا” بحضور دولي، وأي تدخل أمني كان سيوثق عالميا، مما يضر بصورة “التعايش” التي تروج لها السلطة، وهنا تظهر مفارقة القوة، فالسلطة التي تسيطر على الشارع عجزت عن منع رفع لافتة داخل كنيسة، لأن الفاعل هنا ليس “معارضا سياسيا” بل “مؤمنا” بحقه بالوجود كمواطن وعليه رفع صوته عاليا.

إليك إعادة صياغة للفقرة بأسلوب تحليلي يتسم بالعمق والربط الجيوسياسي، مع حذف أي إشارة للصور والتركيز على “البنية الديموغرافية” و”التحول في المرجعيات” كدليل على الأطروحة المركزية للمقال:

تآكل الوسط الديموغرافي وإعادة تعريف “الأمن” الكنسي

إن النظر إلى الاحتجاج عبر منظور “الشباب الغاضب” فقط يغفل حقيقة أكثر عمقا، فنحن أمام انهيار بنيوي للمكون المسيحي في سوريا بعد أربعة عشر عاما من الأزمة، لم تعد المسألة مجرد تذمر لحظي، بل استجابة مباشرة لـ”هجرة كبرى” أفرغت المدن السورية من طبقتها الوسطى المنتجة، وتركت المجتمع يشيخ قبل أوانه، والشباب الذين رفعوا اللافتات لا يمثلون مجرد جيل متمرد، بل هم “الباقون” في ساحة الوجود، الذين يدركون تماما أن رحيلهم يعني النهاية الديموغرافية للمسيحية السورية.

طلب الناشطين “عدم أن يكونوا ضحايا” هو قراءة استباقية؛ فهم يخشون أن تتحول سوريا إلى “عراق جديد” حيث يصبح التهجير القسري قدرا محتوما لا مفر منه، ولم يعد الفاتيكان مجرد مرجعية روحية، بل تحول إلى فاعل جيوسياسي يدرك أن أن استقرار المسيحيين في الشرق مرهون بـ”الحريات المدنية” والحق في المواطنة الكاملة.

نحو “هوية مسيحية” جديدة

ما حدث في الزيتونة ليس “ثورة”، بل تحول في الوعي، والشباب لم يعودوا يقبلون أن يعرفوا فقط كـ”أقلية محمية”، بل كـ”مواطنين لهم حقوق”، والتغيير الحقيقي يبدأ عندما يكسر الصمت، ليس بالصراخ، بل بالكلمة المكتوبة في المكان الصحيح”.

كنيسة الزيتونة كانت المكان، و23 كانون الثاني كان التوقيت، والعالم كان الجمهور، والسؤال هل ستستجيب السلطة والكنيسة لهذا “الزلزال الرمزي”، أم ستعودان لاستراتيجية “الصمت المؤقت”؟

تحليل مقارن: استراتيجية المسيحيين في سوريا

التحول من “عقد الحماية” إلى “التدويل المباشر” (23 كانون الثاني)

قراءة في البيانات: الرسم يوضح انهيار “النموذج القديم” الذي كان يعتمد على احتكار الكنيسة للتمثيل وعلى الولاء للسلطة مقابل الأمن. النموذج الجديد يظهر ارتفاعاً حاداً في محوري “التدويل المباشر” و “الهوية المستقلة”، مما يعني أن الشباب المسيحي لم يعد يراهن على “الحماية الداخلية” بل على الضغط الدولي والحقوق المدنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *