حظر ثلاث منصات إعلامية في سوريا: هل تعيد الدولة ضبط حرية الصحافة أم تقييدها؟

قرار وزارة الإعلام السورية بمنع ثلاث منصات، “هاشتاغ” و”جسور نيوز”  و”الدليل”، من العمل داخل البلاد يطرح سؤالا جوهريا يتجاوز الإجراء الإداري، فكيف تعرف الدولة الجديدة حدود حرية الإعلام؟ فالقضية هنا لا تتعلق فقط بترخيص أو مخالفة قانونية، بل بكيفية استخدام أدوات التنظيم، وما إذا كانت توظف لضبط المجال العام أم لإعادة تشكيله وفق معايير أكثر تقييدا، فيتحول القرار إلى لحظة كاشفة لملامح السياسة العامة تجاه الصحافة، أكثر مما هو مجرد خطوة تنظيمية عابرة.

القرار، كما ورد في التعميم الرسمي وما تلاه من توضيحات، استند إلى التعميمين رقم 18 ورقم 57 لعام 2025، وعلّله بعدم حصول هذه المنصات على “الترخيص الأصولي” من مديرية الشؤون الصحفية، مع تحذير من التعامل معها أو التعاون معها تحت طائلة الملاحقة القضائية.

أضاف مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام تفسيرا أوسع، متهما المنصات الثلاث بارتكاب “عشرات الانتهاكات الأخلاقية والمهنية”، وباعتماد خطاب “مرتفع الكراهية والتنميط والافتراء” إلى جانب مشكلة الترخيص، وهذه الإضافة تكشف أن القضية لا تتعلق بالأوراق وحدها، بل تمتد إلى تقييم الدولة لمحتوى المنصات وخطابها.

ما الذي يقوله القرار فعلًا؟

لغة القرار، إذا قرئت بهدوء، تحمل ثلاث رسائل في آن واحد، الأولى إدارية: لا عمل بلا ترخيص، الرسالة الثانية سياسية: الوزارة لا تكتفي بضبط الدخول إلى السوق الإعلامية، بل تحتفظ أيضا بحق التوصيف الأخلاقي العلني للجهات المخالفة، أما الرسالة الثالثة، وهي الأخطر، فتظهر في التحذير الموجه إلى كل “شخص طبيعي أو اعتباري” من التعاون مع هذه المنصات، فلا يعود الإجراء مقتصرا على تنظيم مؤسسة، بل يتوسع ليخلق دائرة تخويف تحيط بالمراسلين والمصادر والمتعاونين والمعلنين، وهذا بالضبط هو الفارق بين التنظيم والتأديب.

في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، الترخيص وسيلة لترتيب السوق وحماية الشفافية والمسؤولية القانونية، لكنه يصبح أداة قمع حين يقترن بالغموض الإجرائي، وبسلطة تقديرية واسعة، وبتهديد جماعي لمن يتعامل مع الجهة المعاقبة.

المشكلة في الحالة السورية ليست في مبدأ الترخيص نفسه، بل في طريقة استخدامه، وتحديدا حين يتحول من وسيلة تنظيم إلى آلية فرز سياسي ومهني غير خاضعة لمراجعة قضائية معلنة.

بين النص الدستوري والممارسة الإدارية

الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 واضح، على الأقل من حيث المبدأ، فالمادة 13 تنص على أن الدولة تكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، كما أن الإعلان نفسه يدمج الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها سوريا في بنيته الدستورية، والمعيار الدولي الأكثر استقرارا في هذا الباب، كما يورده التعليق العام رقم 34 على المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يقول إن أي قيد على حرية التعبير يجب أن يكون منصوصا عليه بقانون، وأن يخدم غرضا مشروعا، وأن يكون ضروريا ومتناسبا، وألا يفرغ الحق نفسه من مضمونه.

ومن هذه الزاوية، تبدو دستورية القرار محل نقاش جدي، لا لأن الدولة غير مخولة بالتنظيم، بل لأن السؤال الأهم هو هل جاء القيد هنا متناسبا وشفافا وخاضعا لضمانات كافية؟

التعميم الوزاري استند إلى تعاميم إدارية سابقة، لا إلى حكم قضائي معلن أو مسار علني لتدرج العقوبات، والتحذير من “أي تعاون” مع المنصات الثلاث يذهب أبعد من معالجة مخالفة، فيخلق أثرا رادعا على بيئة العمل الصحفي نفسها، فثمة فارق بين مطالبة مؤسسة باستكمال أوراقها، وبين تجريم المجال الذي تتحرك فيه فعليًا قبل استنفاد وسائل المراجعة والتظلم.

تظهر المفارقة السورية الكلاسيكية بأن السلطة تتحدث بلغة “الدولة”، بينما تستخدم أدوات “الإدارة”، والدولة، في معناها الحديث، لا تكتفي بإصدار قرار؛ بل تخضعه لمعيار العلنية والتسبيب والمراجعة والطعن والتناسب، أما الإدارة، حين تنفصل عن هذه القيود، فتعود إلى غريزتها الأولى؛ الضبط قبل الحق، والامتثال قبل النقاش.

ماذا عن المواقع الثلاثة نفسها؟

من السهل في النقاش العام أن تتحول المنصات المعاقبة إلى كتل متشابهة، لكن نظرة أقرب إلى تعريف كل منصة ومحتواها تقول غير ذلك.

“هاشتاغ” تقدم نفسها بوصفها موقعا إخباريا شاملا، وتضم أقساما مثل “تقارير وتحقيقات” و”ملفات ساخنة” و”اقتصاد” و”فن وثقافة”، وتقول في صفحة “من نحن” إنها مرخصة من “المجلس الوطني للإعلام” في سوريا والإمارات، ولها مكاتب في دمشق ودبي وشبكة مراسلين في عدة دول.

وفي ردها على القرار، قالت إن ترخيصها السوري ما يزال ساريا ولم يصدر قرار بإلغائه، وإن ما جرى هو إجراء “تعسفي” ذو طابع “أمني-سياسي”، ما يضعنا أمام نزاع قانوني حقيقي حول استمرارية التراخيص القديمة، لا أمام حالة “انتحال صفة” إعلامية كما قد يوحي الخطاب الرسمي .

أما “جسور نيوز”، فهي من حيث الهوية التحريرية أقرب إلى منصة مجتمعية – سياسية عابرة للحدود، لا تقتصر على سوريا وحدها، بل تغطي أيضا لبنان وفلسطين والعراق واليمن والخليج، وتضم بودكاست وتقارير خاصة وحوارات، وفي صفحتها التعريفية تقول إنها “منصة إعلامية مستقلة”، وتبحث عن القصص الفريدة والمؤثرة، ومحتوى صفحتها الرئيسية يظهر مزيجا من الموضوعات الاجتماعية والسياسية والإنسانية، من الرقة وغزة إلى لبنان وسوريا.

رئيسة تحريرها هديل عويس قالت إن المنصة تحمل تصريحا مؤقتا ساريا يُجدد شهريا، وإن إدراجها ضمن الجهات الممنوعة “تشهير” بوسيلة تعمل قانونيا، فالمسألة هنا لا تصبح مخالفة ترخيص، بل تناقضًا داخل الجهاز الإداري نفسه بين الاعتراف المؤقت والمنع العلني.

أما “الدليل” فصورتها مختلفة أكثر، فهي تصف نفسها بأنها منصة مستقلة تقدم تغطية مهنية وحيادية للشأن السوري، وتوثق انتهاكات حقوق الإنسان، وتعزز الحوار الثقافي والإنساني، وأسسها صحفيون سوريون في الداخل والخارج، ومقرها الأساسي في ألمانيا، وتعتمد حاليا على العمل التطوعي.

على صفحتها الرئيسية تبدو أقرب إلى صحافة تحليلية متخصصة في القضايا البيئية والاقتصادية والحقوقية المحلية، من التصحر في سلمية، إلى أثر رش المبيدات على أراضي القنيطرة، إلى متابعة حالات القتل والوفاة.

كما أعلنت أنها أوقفت عمل فريقها داخل سوريا مؤقتا إلى حين تسوية وضعها القانوني، مع استمرار عملها من الخارج، وهذا لا ينفي احتمال وجود نقص في الأوراق، لكنه يشي أيضا بأننا أمام منصة صغيرة الموارد، لا آلة دعائية ضخمة. (

هل المشكلة في الترخيص أم في الخط التحريري؟

هذا هو السؤال الذي يهم السياسة العامة، لا الجدل الإعلامي الآني، فالوزارة تقول إن المنصات غير مرخصة، ثم تضيف لاحقا أنها تحرّض وتخالف الأخلاق المهنية، لكن إذا كانت المشكلة الأساسية هي المحتوى، فيفترض أن يكون هناك مسار واضح للمحاسبة يبدأ بإنذار، وحق رد، وعرض الأدلة، وجهة مستقلة للفصل، ثم عقوبة متدرجة.

أما إذا كانت المشكلة ترخيصية بحتة، فالأصل أن تبقى المعالجة في نطاقها الإداري الضيق، لا أن تتحول إلى وصم علني وتحذير شامل من التعامل، والخلط بين المسارين هو بيت القصيد، لأنه يسمح للسلطة باستخدام المخالفة الإجرائية كرافعة لمعاقبة مضمون غير مرغوب فيه، من دون أن تعلن ذلك بصراحة.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن وزارة الإعلام كانت قد وضعت منذ 2025 نظاما ترخيصيا يتضمن رسوما مالية وشروطا تخص الجنسية والمكتب والكادر المؤهل والخبرة المهنية، مع رسم يبلغ ألف دولار للمنصة الإلكترونية.

هذه الشروط تبدو طبيعية في سوق إعلامي مستقر، لكنها في سوريا الخارجة من حرب وتفكك ونزوح جماعي تتحول عمليا إلى عتبة انتقائية عالية، خصوصا أمام المنصات الصغيرة أو التطوعية أو العابرة للحدود، فحين تصبح كلفة الدخول إلى المشهد العام مرتفعة، فإن النتيجة ليست “تنظيما” فقط، بل إعادة تشكيل الخريطة الإعلامية لصالح المؤسسات الأقدر ماليا والأقرب إداريا إلى السلطة.

ما الذي تكشفه القضية عن سياسة الدولة؟

القضية، في جوهرها، تقول إن السياسة العامة السورية تجاه حرية الإعلام ما تزال محكومة بعقلية “الترخيص أولًا، الحرية ثانيا”، وهذا ترتيب مقلق، فالحرية في الديمقراطيات ليست مكافأة تمنحها الإدارة بعد اكتمال الملف؛ بل حق أصيل يجوز تنظيمه ضمن حدود ضيقة وواضحة.

أما حين يصبح الترخيص شرطا سابقا لمجرد الوجود في المجال العام، وحين يرافقه تهديد للمحيطين بالمؤسسة، فنحن لا نكون بصدد بناء إعلام حر، بل بصدد بناء إعلام قابل للتدجين .

من حق الدولة، بل من واجبها، أن تواجه التحريض وخطاب الكراهية والتشهير والكذب المتعمد، لكن هذا الواجب نفسه يفقد شرعيته حين يُمارس بلا معايير مستقلة، وبلا علنية كافية، وبلا تناسب، خصوصا ان منصات التواصل الاجتماعي مليئة بهذا التحريض، فالمشكلة ليست في أن الدولة تريد قواعد؛ بل أنها تريد أيضا أن تكون الخصم والحكم والمفسر الوحيد للقواعد.

لا تُقاس حرية الإعلام في سوريا من خلال النصوص الدستورية وحدها، بل من خلال الطريقة التي تتصرف بها السلطة حين يزعجها الإعلام، أو يسبقها، أو يعارضها.

قرار منع “هاشتاغ” و”جسور نيوز” و”الدليل” يوحي بأن الدولة السورية الجديدة لم تحسم بعد علاقتها بالاختلاف، فهل تراه جزءا من المجال العام، أم خللا ينبغي تصحيحه؟ ذلك هو السؤال الحقيقي، وما لم يُحسم لصالح الحرية المقيدة بالقانون، لا لصالح القانون المسخر لتقييد الحرية، فإن الحديث عن إعلام جديد سيظل مجرد تغيير في الواجهة، لا في البنية.

تنظيم أم تقييد؟ تحليل سياسة الإعلام في سوريا

تنظيم أم تقييد؟
حظر ثلاث منصات إعلامية وملامح سياسة الدولة السورية تجاه حرية الصحافة

قرار وزارة الإعلام بحظر “هاشتاغ” و”جسور نيوز” و”الدليل” يطرح سؤالاً جوهرياً: هل هو تنظيم إداري لترتيب السوق، أم تقييد يهدف إلى إعادة تشكيل المشهد الإعلامي وفق معايير غير معلنة؟

ما الذي يقوله القرار فعلًا؟ ثلاث رسائل في آن واحد: الأولى إدارية (لا عمل بلا ترخيص)، الثانية سياسية (احتفاظ الوزارة بحق التوصيف الأخلاقي العلني)، والثالثة الأخطر — التحذير من التعاون مع المنصات، مما يحوّل الإجراء من تنظيم مؤسسة إلى خلق دائرة تخويف حول المراسلين والمصادر والمعلنين. الفارق الجوهري بين التنظيم والتأديب.

بُعد التنظيم
(الترخيص كأداة)

ترخيص + رسوم
شروط الترخيص: ألف دولار للمنصة الإلكترونية، متطلبات مكتب وكادر وخبرة
التعميم الوزاري استند إلى التعميمين رقم 18 و57 لعام 2025، وعلّل بعدم حصول المنصات على “الترخيص الأصولي”. لكن هاشتاغ تقول إن ترخيصها السوري ما يزال سارياً، وجسور نيوز تحمل تصريحاً مؤقتاً يُجدد شهرياً. نزاع قانوني حول استمرارية التراخيص.

بُعد التقييد
(الأخلاقي والسياسي)

توصيف أخلاقي + تحذير
اتهام المنصات بـ”انتهاكات مهنية” و”خطاب مرتفع الكراهية والتنميط”
الوزارة لم تكتفِ بمسألة الترخيص، بل أضافت تقييماً للمحتوى دون مسار واضح للمحاسبة (إنذار، عرض أدلة، جهة مستقلة للفصل). الخلط بين المخالفة الإجرائية ومعاقبة المضمون هو جوهر الإشكال.
النص الدستوري 2025

المادة 13: حرية مقررة

“الدولة تكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة” — بالإضافة إلى دمج المعاهدات الدولية التي صادقت عليها سوريا في البنية الدستورية.

المعيار الدولي (العهد الدولي): أي قيد يجب أن يكون بقانون، لهدف مشروع، ضرورياً ومتناسباً، وألا يفرغ الحق من مضمونه.
الممارسة الإدارية

غموض إجرائي + سلطة تقديرية

استند القرار إلى تعاميم إدارية سابقة، لا حكم قضائي معلن. التحذير من “أي تعاون” يخلق أثراً رادعاً على بيئة العمل الصحفي قبل استنفاد وسائل المراجعة.

الفجوة: دستور يعد بالحرية، وإدارة تستخدم الترخيص كأداة فرز سياسي ومهني غير خاضعة لمراجعة قضائية مستقلة.

تقييم إجراءات المنع: من التنظيم إلى التقييد

تحليل استناداً إلى معايير التناسب والشفافية والمراجعة القضائية المستقلة

هاشتاغ

موقع إخباري شامل
مرخصة من “المجلس الوطني للإعلام” في سوريا والإمارات، مكاتب في دمشق ودبي. تقول إن ترخيصها السوري ساري ولم يصدر قرار بإلغائه، وتصف الإجراء بأنه “تعسفي” وذا طابع “أمني-سياسي”.

جسور نيوز

منصة مجتمعية – سياسية
تغطي سوريا ولبنان وفلسطين والعراق. تحمل تصريحاً مؤقتاً يُجدد شهرياً. رئيسة التحرير قالت إن إدراجها ضمن الممنوعات “تشهير” بوسيلة تعمل قانونياً. تناقض إداري بين الاعتراف المؤقت والمنع العلني.

الدليل

صحافة تحليلية حقوقية
مقرها في ألمانيا، تعتمد على العمل التطوعي. أوقفت عمل فريقها داخل سوريا مؤقتاً لتسوية وضعها القانوني. تغطي قضايا بيئية واقتصادية وحقوقية محلية. نموذج لمنصة صغيرة الموارد لا آلة دعائية ضخمة.
ماذا تكشف القضية عن سياسة الدولة؟
السياسة العامة السورية تجاه حرية الإعلام ما تزال محكومة بعقلية “الترخيص أولاً، الحرية ثانياً”. الحرية في الديمقراطيات ليست مكافأة تمنحها الإدارة، بل حق أصيل يُنظم ضمن حدود ضيقة وواضحة. حين يصبح الترخيص شرطاً سابقاً لمجرد الوجود في المجال العام، وحين يرافقه تهديد للمحيطين بالمؤسسة، فإن النتيجة ليست “تنظيماً” بل إعادة تشكيل الخريطة الإعلامية لصالح المؤسسات الأقدر مالياً والأقرب إدارياً إلى السلطة. الفارق الحاسم: هل الدولة تتعامل مع الاختلاف كجزء من المجال العام أم كخلل ينبغي تصحيحه؟
المصادر: تعميم وزارة الإعلام السورية (2025)، الإعلان الدستوري السوري 2025، ردود المنصات (هاشتاغ، جسور نيوز، الدليل)، التعليق العام رقم 34 للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، تحليل مقال “تنظيم أم تقييد؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *