تعميم التظاهر السوري الجديد.. تنظيم الحق أم إعادة إنتاج السيطرة؟

يطفو حق التظاهر السلمي في صدارة المؤشرات التي تكشف طبيعة التحول السياسي في سوريا، فهو مجال تتقاطع فيه سلطة الدولة مع إرادة المجتمع بصورة مباشرة، فالتجمع العام ليس إجراء تنظيميا تديره وزارة الداخلية، بل لحظة سياسية مكثفة يعاد فيها تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

عند هذه النقطة تتضح حدود الشراكة الممكنة، فهل ينظر إلى المواطن كفاعل يمتلك حق التعبير والمساءلة، أم كعنصر ينبغي ضبط حضوره ضمن أطر مسبقة؟

التعميم الأخير الصادر عن وزارة الداخلية السورية يضع آلية لترخيص المظاهرات السلمية عبر لجنة من رئيس وعضوين على الأقل، وطلب يقدم إلى المحافظة، وإحالة خلال 24 ساعة، وبت خلال خمسة أيام، مع التزام الوزارة بتوفير الحماية ومنع حمل السلاح أو الأدوات الخطرة.

هذا الإجراء يتجاوز النص ذاته إلى فلسفته السياسية، فهل نحن أمام انتقال من منطق الحظر إلى منطق التنظيم؟ أم وصاية أمنية بلغة أكثر ترتيبا؟ حسب التعميم تحال الطلبات إلى لجنة مختصة، ويجوز للوزارة طلب إنهاء المظاهرة عند تجاوز حدود الترخيص أو وقوع أعمال شغب تخل بالنظام العام أو تعوق السلطات.

القانون القديم: تشريع ولد في ذروة الخوف

القانون السوري القديم الناظم للتظاهر هو المرسوم التشريعي رقم 54 لعام 2011، الصادر في 21 نيسان 2011، أي بعد أسابيع قليلة من اندلاع الاحتجاجات السورية، ونص المرسوم في مادته الأولى على تنظيم حق التظاهر السلمي بوصفه حقا من حقوق الإنسان الأساسية، وعلى التوفيق بين أمن الوطن وممارسة المواطنين لهذا الحق، كما عرف المظاهرة بأنها تجمع أو سير سلمي في مكان عام أو طريق عام بقصد التعبير عن رأي أو مطلب أو احتجاج.

لكن المشكلة في المرسوم 54 لم تكن في اعترافه اللفظي بالحق، بل في هندسته الإجرائية، فجعل ممارسة التظاهر رهينة الترخيص المسبق، وربطها بسلطة وزارة الداخلية، ووضع مفردات فضفاضة مثل الأمن، النظام العام، والسلامة، وهي عبارات مشروعة في القانون الديمقراطي حين تضبط بضمانات قضائية صارمة، لكنها تتحول في الأنظمة الأمنية إلى مفاتيح إغلاق للمجال العام.

الجديد والقديم: تحسن إجرائي أم استمرار فلسفي؟

بالمقارنة مع المرسوم 54، يحمل التعميم الجديد تحديدا زمنيا أوضح من مدة 24 ساعة لإحالة الطلب، وخمسة أيام للبت، وتكليف الجهات المختصة بتوفير الحماية، ونظريا تمنع هذه الإجراءات ترك الطلبات في الفراغ البيروقراطي.

غير أن جوهر المقارنة لا يقف عند عدد الأيام ولا شكل اللجنة، فهل انتقل القانون من “نظام الترخيص” إلى “نظام الإخطار”؟ وفق النص الجديد فإن البنية ما تزال حول “الترخيص”، المواطن لا يخطر الدولة بأنه سيمارس حقا دستوريا أو إنسانيا، بل يطلب منها الإذن.

هذه نقطة أساسية في المعايير الديمقراطية، فحرية الاجتماع هي الأصل، والتدخل الإداري استثناء محكوم بالضرورة والتناسب، أما في دولة الوصاية، فالشارع ملك للسلطة، والمواطن ضيف مؤقت فيه.

المعيار العالمي: الحق أولا، القيود استثناء

تنص المادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الاعتراف بحق التجمع السلمي، ولا تجيز فرض قيود عليه إلا تلك المقررة بالقانون والضرورة في مجتمع ديمقراطي لحماية الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم.

هذا النص يضع ثلاثة اختبارات حاسمة: الشرعية، والضرورة، والتناسب، فالشرعية تعني أن تكون القيود واضحة ومعلنة ومحددة، والضرورة هي وجود حاجة فعلية، لا افتراضات أمنية عامة، والتناسب يفترض أن يكون القيد هو الأخف أثرا على الحق، وأن تفضل إدارة المخاطر على منع التجمع أو تفريقه.

التعليق العام رقم 37 الصادر عن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يذهب أبعد من ذلك، فيؤكد أن حرية التجمع حق مستقل وجوهري للتعبير والمشاركة العامة، وأن على الدول تيسير ممارسته لا الاكتفاء بعدم عرقلته، كما تشدد المعايير الحديثة على أن الإجراءات المسبقة ينبغي أن تكون إخطارا لا طلب إذن، وأن التجمعات العفوية تستحق الحماية عندما تكون استجابة فورية لحدث عام.

كما توصي إرشادات منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ولجنة البندقية بأن يقدم منظمو التجمع “إخطار نية” لا “طلب ترخيص”، وأن تكون الإجراءات غير مرهقة أو بيروقراطية، وأن تكون المدة المطلوبة للإخطار معقولة بالقدر الذي يسمح للسلطات بالتجهيز لا بالتحكم السياسي المسبق.

نقطة الضعف: من يملك قرار الشارع؟

أخطر ما في أي قانون للتظاهر ليس النص على الحماية، بل الجهة التي تملك سلطة المنع أو الإنهاء، فحين تمنح وزارة الداخلية أو لجنة إدارية صلاحية تقدير “النظام العام” و”إعاقة السلطات” بلا تعريف دقيق ولا رقابة قضائية عاجلة، يصبح الحق معلقا على مزاج المؤسسة الأمنية، فلا يعود الخلل تفصيلا تقنيا، بل بنية سياسية.

مصطلح “إعاقة السلطات” على سبيل المثال يحتاج إلى ضبط صارم، فكل مظاهرة جدية تحدث إرباكا ما، فهي تغلق طريقا أو ترفع صوتا وتضغط على مسؤول أو تحرج مؤسسة.

الديمقراطيات لا تفهم هذا الإرباك بوصفه خطرا بذاته، بل ككلفة طبيعية للمشاركة العامة، فالاحتجاج الذي لا يزعج أحدا يتحول إلى طقس رمزي منزوع الأثر، وتميز المعايير الدولية بين التعطيل المؤقت المقبول وبين العنف أو الخطر الحقيقي على الأرواح والممتلكات.

قانون يعيد إنتاج السيطرة بواجهة تنظيمية

الحديث عن مدد زمنية محددة لدراسة الطلبات، أو عن لجان مختصة، لا يغير من جوهر المعادلة، فالزمن هنا يستخدم كأداة ضبط، لا كضمانة، وخمسة أيام كحد أقصى للبت في الطلب تبدو مهلة معقولة إداريا، لكنها سياسيا كفيلة بإفراغ أي احتجاج من طابعه الآني، وتحويله إلى فعل مؤجل يفقد صلته بالحدث الذي ولده، فالتظاهر، بطبيعته، استجابة مباشرة للوقائع، وأي محاولة لإخضاعه لجدول زمني بيروقراطي تعني عمليا تجميد الدينامية السياسية في الشارع.

الأكثر إشكالية اتساع المفاهيم التي تمنح السلطة حق التدخل أو الإنهاء، فعبارات مثل “الإخلال بالنظام العام” أو “إعاقة السلطات” تظل مفتوحة على تأويلات واسعة، تتيح للجهة المنفذة أن تتحول من ضامن للحق إلى خصم له، وفي غياب تعريفات قانونية صارمة، تصبح هذه المصطلحات أدوات مرنة لتبرير أي قرار قمعي، بما في ذلك تفريق مظاهرات سلمية لمجرد أنها مزعجة سياسيا أو محرجة للسلطة.

كما أن غياب أي إشارة واضحة إلى حماية الفاعلين داخل المظاهرة، من صحفيين ومراقبين ومسعفين، يعكس تصورا ضيقا للتجمع بوصفه حدثا أمنيا لا فضاء عاما متعدد الأطراف، وهذا الفراغ يتوافق مع مقاربة في أن إدارة الحشود أولوية تتقدم على حماية الحقوق داخلها.

ينسحب الأمر على تجاهل فكرة “التجمعات العفوية”، وهي من أبرز سمات الحياة السياسية الحديثة، فالنص، بصيغته الحالية، يفترض أن كل فعل احتجاجي يمكن ضبطه مسبقا عبر طلبات وإجراءات، متجاهلا أن كثيرا من التحركات تنشأ كرد فعل فوري على أحداث طارئة، فلا ينظم القانون الزمن السياسي، بل يعيد تشكيله وفق إيقاع إداري جامد، يفصل بين الحدث ورد الفعل عليه.

قانون يختبر حدود الحرية لا يوسعها

لا يعكس التعميم الجديد تحولا حقيقيا في تصور الدولة لحق التظاهر، بقدر ما يكشف عن إعادة صياغة الأدوات ذاتها بلغة إجرائية أكثر تهذيبا، فالبنية العميقة بقيت على حالها من إذن مسبق، وسلطة تقديرية واسعة، ومجال عام مشروط برضا الإدارة.

الإشكالية لا تكمن في التفاصيل، بل في الفلسفة التي تحكم النص، فالتعميم يتعامل مع التظاهر كخطر محتمل يجب احتواؤه، لا كحق يجب حمايته، والسلطة هنا لا تنظم الفضاء العام، بل تعيد ترسيم حدوده وفق مقاييسها، بحيث يصبح الاحتجاج مقبولا فقط حين يكون منضبطا ومتوقعا، وخاليا من القدرة على الإرباك السياسي، فيتم إفراغ الحق من مضمونه، ويعاد تعريفه كفعل رمزي منزوع التأثير.

وفق المنظور الذي يربط الديمقراطية بتقييد السلطة لا بتوسيع أدواتها، فحرية التظاهر لا تقاس بوجود نص يسمح بها، بل بمدى قدرة الناس على ممارستها دون خوف أو وصاية، وما دام القرار النهائي بيد جهة إدارية تملك حق المنع والإنهاء استنادا إلى مفاهيم فضفاضة، فإن المجال العام يظل محكوما بمنطق الإذن، لا بمنطق الحق.

لا يختبر التعميم قدرة الدولة على حماية الحريات، بل قدرتها على التحكم بها، والنتيجة أن الشارع، بدلا من أن يكون مساحة للتعبير السياسي، يتحول إلى نطاق مدار بدقة، تضبط حركته وتحدد سقوفه سلفا، يعاد إنتاج العلاقة التقليدية بين سلطة تراقب، ومجتمع يطلب منه أن يحتج ضمن الحدود التي ترسمها تلك السلطة نفسها.

تحليل قانون التظاهر السوري الجديد – رسم بياني تفاعلي

التعميم بشأن التظاهر السوري: حق تحت الاختبار أم إدارة أمنية للشارع؟

تحليل تفاعلي لفلسفة التنظيم، الفجوة مع المعايير الدولية، ونقاط الضعف البنيوية
نظام الترخيص مقابل الإخطار (جوهر الحق)
القانون السوري القديم والجديد كلاهما يبقيان على “الترخيص المسبق”، بينما المعيار العالمي (العهد الدولي + التعليق 37) يقر نظام “الإخطار” كأصل للحق.
التوافق مع معايير حرية التجمع (درجة من 10)
استناداً إلى مقاييس: شرعية القيود، ضرورة التدخل، التناسب، حماية التجمعات العفوية، رقابة قضائية مستقلة. المصدر: تحليل المقال والمعايير الدولية.
المهلات الزمنية لمعالجة طلبات التظاهر (أيام)
القانون الجديد يحدد 24 ساعة للإحالة و5 أيام للبت، لكنه يفتقر لحماية التوقيت الآني للتجمعات العفوية. القانون القديم لم يحدد مهلة واضحة.
أبرز نقاط الضعف في التعميم الجديد
  • بقاء نظام “الترخيص” لا “الإخطار”
  • مفاهيم فضفاضة: “النظام العام”، “إعاقة السلطات”
  • غياب الرقابة القضائية العاجلة على قرارات المنع
  • تجاهل حماية التجمعات العفوية
  • المهلة 5 أيام تفرغ الاحتجاج من طابعه الآني
  • لا حماية واضحة للصحفيين والمسعفين داخل المظاهرة
  • وزارة الداخلية تملك سلطة تقديرية واسعة للإنهاء
المصدر: مقال “قانون التظاهر السوري الجديد” – يتجاوز النص ذاته إلى فلسفته السياسية، حيث يظل الشارع محكوماً بمنطق الإذن لا منطق الحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *