تتجاوز الخصخصة في سوريا أي موضوع اقتصادي واضح، فهي تفكك صورة الدولة التي سادت منذ الاستقلال، وتطرح نموذجا يعيد رسم العلاقة ما بين المجتمع والمؤسسات العامة وفق تصور قائم على الفرز الاجتماعي، وخصخصة الصحة تقدم حالة متقدمة لهذا الأمر.
مسار خصخصة المستشفيات يتجاوز البيع المباشر للمستشفيات أو نقل ملكيتها إلى مستثمرين، فهذا الشكل التقليدي قابل للرصد والمساءلة على المستويات السياسية والقانونية والشعبية، وما يحدث بقاء المباني ضمن الملكية العامة، وتحافظ اليافطات الرسمية على حضورها، فيما تعاد صياغة وظيفة المستشفى العام من الداخل، فتصبح الإدارة والتشغيل والتجهيز والتسعير وشراء الخدمة خاضعة تدريجيا لمعادلات العائد والكلفة والجدوى المالية.
لم يعد السؤال هل تم بيع المستشفيات؟ ويتحول إلى شكل أكثر تعقيدا، فمن يتحكم بالخدمة؟ من يقرر أولويات الإنفاق؟ من يحدد ما هو “ضروري” وما هو “غير مجد”؟ ومن يدفع حين تتراجع قدرة الدولة وتتقدم حسابات السوق؟
الشراكة بوصفها لغة سياسية مريحة
الخطاب الرسمي يفضل استخدام كلمة “الشراكة” بدل “الخصخصة”، لكن المشكلة لا تكمن في وجود القطاع الخاص، بل في موقعه داخل النظام، فهل يدخل باعتباره أداة مساعدة ضمن قواعد صارمة تضمن الحق في العلاج؟ أم شريكا يملك عمليا القرار التشغيلي والمالي داخل مؤسسة يفترض أنها عامة؟
إدارة مستشفى عام ليست عملية محاسبية محايدة، بل قرار سياسي واجتماعي يتصل بتوزيع الحق في العلاج، فمن يدير المستشفى لا يكتفي بتنظيم الموارد، بل يعيد ترتيب الأولويات، فحين تفضل خدمة مأجورة ذات عائد سريع على العناية المشددة، يصبح معيار الجدوى المالية متقدما على معيار الحاجة الطبية، ويتحول المريض الأضعف إلى الطرف الأكثر عرضة للاستبعاد.
المستشفى العام: شبكة أمان لا مشروع استثماري
المستشفى الحكومي في سوريا ليس مؤسسة خدمية عادية، فبالنسبة لشرائح واسعة من السوريين، هو الملاذ الأخير بعد تآكل الدخل، وانهيار القدرة الشرائية، واتساع الفقر، وتراجع القدرة على الوصول إلى القطاع الخاص، وأي تعديل في طريقة تشغيله أو تمويله لا يمكن اعتباره إصلاحا إداريا فقط، فهو مساس مباشر بعقد اجتماعي هش، لكنه بالغ الأهمية.
دخول منطق السوق إلى المستشفى العام تظهر معضلة أخلاقية قبل أن تكون مالية، فالخدمات التي يحتاجها الفقراء والمرضى الأشد هشاشة ليست الأكثر ربحية، فهذه الخدمات تمثل جوهر الوظيفة الاجتماعية للقطاع الصحي، حيث ترتبط بحالات حرجة وممتدة زمنيا، وتتطلب استنزافا مستمرا للموارد البشرية والتقنية دون أن تولد عائدا ماليا متناسبا.
إخضاعها لمنطق الكلفة والربحية يضعها في موقع هش داخل أي نظام يميل إلى ترجيح الكفاءة الاقتصادية على الضرورة الطبية، ما يفتح الباب أمام تهميش تدريجي للفئات الأكثر احتياجا، ويحول الرعاية الصحية من التزام عام إلى خدمة انتقائية تحكمها القدرة على الدفع لا شدة الحاجة.
أخطر ما سيحدث فرز غير معلن للمرضى بين حالات مربحة تخدم بسرعة، وحالات مكلفة تترك للنظام العام المنهك، فلا تلغى العدالة الصحية بقرار رسمي، بل تتآكل عبر التفاصيل.
المجانية التي تتراجع من الأطراف
التأكيدات الرسمية على استمرار مجانية العلاج وتحمل الدولة للكلفة تصطدم بمنطق التآكل التدريجي الذي تعرفه الأنظمة الصحية المرهقة، فالمجانية لا تختفي بقرار صريح، بل تعاد صياغتها عمليا عبر تضييق نطاقها الفعلي، بحيث يبقى الإطار القانوني قائما بينما تتراجع القدرة الحقيقية على تقديم خدمة مكتملة دون كلفة على المريض.
عند هذه النقطة، يتحول العبء بصمت من الخزينة العامة إلى الأفراد، وتغدو المجانية توصيفا شكليا أكثر منها ضمانة فعلية للحق في العلاج.
تبقى المجانية موجودة في النص، لكنها تصبح محدودة في الواقع، والمواطن لا يدفع ثمن الدخول إلى المستشفى، لكنه يدفع ثمن ما يجعل العلاج ممكنا، وهذه هي الفاتورة الخفية التي لا تظهر دائما في التصريحات الرسمية.
المعيار الحقيقي لأي إصلاح صحي لا ينبغي أن يكون عدد العقود الموقعة، ولا عدد الأجهزة التي دخلت الخدمة، بل حجم ما تدفعه الأسرة من جيبها، فإذا أدت الشراكة إلى خفض هذا العبء، يمكن مناقشتها بجدية، أما إذا زادت الاعتماد على الدفع الفردي، فهي ليست إصلاحا، بل نقل للكلفة من الدولة إلى المواطن.
الدولة كمشتر ضعيف للخدمة
يطرح خيار شراء الخدمات من القطاع الخاص داخل البنية العامة بوصفه مخرجا تقنيا لتحسين الكفاءة التشغيلية، غير أن جوهره يتجاوز البعد التنفيذي إلى تحول في موقع الدولة داخل المنظومة الصحية، فبدل أن تبقى منتجا مباشرا للخدمة، تتحول إلى ممول يشتريها من الخارج، ما يعيد تشكيل ميزان القوة بينها وبين المزودين، ويضع قدرتها على ضبط الكلفة والجودة ضمن علاقة تعاقدية قابلة للاختلال، وتغدو السياسة الصحية أقرب إلى إدارة عقود منها إلى إدارة حق عام، وتفقد الدولة تدريجيا أدواتها المباشرة في توجيه الخدمة وفق معايير الحاجة الاجتماعية.
هذه النقلة تعيد تعريف دور الدولة من حيث قدرتها على الفعل لا من حيث شكل حضورها، فحين تتراجع أدواتها المباشرة في الإنتاج والتنفيذ، تصبح فعاليتها مرهونة بصلابة موقعها التفاوضي داخل منظومة تعاقدية، حيث تتحدد قدرتها على ضبط الأسعار وضمان الجودة وفرض المعايير. في هذا الإطار، يتبلور خطر تحول الدولة إلى طرف ممول ضمن معادلة يملك فيها المزود زمام المبادرة، ما يفضي إلى اختلال تدريجي في التوازن بين المصلحة العامة ومنطق الربحية، ويقوض دورها كجهة ناظمة ضامنة للحق في الخدمة.
مع مرور الوقت، يعيد هذا النمط تشكيل موازين القوة داخل المنظومة الصحية، بحيث تنتقل عناصر التحكم الفعلي إلى الطرف الذي يمتلك أدوات التشغيل والمعرفة التقنية والبنية التنفيذية، وتنحصر قدرة الجهة العامة في الاستجابة للطلب الاجتماعي والالتزام باستمرارية الخدمة.
ضمن هذا الاختلال، تتراجع قدرة الدولة على فرض شروطها، وتغدو العلاقة محكومة بمنطق تفاوضي يميل لصالح من يسيطر على مفاتيح التنفيذ، بما يعيد تعريف دورها من ضامن للحق إلى طرف يسعى لتأمينه ضمن شروط الآخرين.
التأمين الصحي: حل أم بوابة فرز جديدة؟
التأمين الصحي يطرح غالبا باعتباره مخرجا من أزمة التمويل، لكنه ليس حلا تلقائيا، فالتأمين أداة تعتمد عدالتها على تصميمها.
إن كان شاملا، ممولا بآليات تضامنية، ويغطي الفقراء والعاطلين والنازحين والعاملين غير النظاميين،
فسيشكل حماية مالية حقيقية، أما إذا كان قائما على اشتراكات لا يقدر عليها إلا جزء من السكان، أو على تغطيات محدودة، فسيخلق طبقات جديدة داخل الحق في العلاج.
الخطر أن يصبح التأمين عنوانا أنيقا لانسحاب تدريجي للدولة، وعندها سيقال للمواطن إن العلاج متاح، لكن عبر بطاقة لا يملكها، أو تغطية لا تكفي، أو شبكة خدمات لا تصل إلى منطقته، أو سقف مالي ينتهي عند أول مرض خطير.
الصحة ليست سوق تأمين فقط؛ إنها حق اجتماعي، خصوصا في بلد خرج من حرب طويلة ويمتلك ملايين المواطنين فيه قابلية عالية للانكشاف الصحي والمالي.
أين تكون الشراكة مقبولة؟
ليس المطلوب شيطنة القطاع الخاص، بل اختبار أي شراكة بسؤال جوهري واحد: إلى أي مدى تحافظ هذه الشراكة على أولوية الحق في العلاج بوصفه التزاما عاما، في ظل شفافية العقود، وعدالة التسعير، وضبط الربحية، وفعالية الرقابة، وقدرة الدولة على فرض معاييرها وضمان محاسبة حقيقية؟
من دون هذه الشروط، لا تكون الشراكة تحديثا، بل تفويضا غامضا لوظيفة عامة حساسة.
القضية الصحية في سوريا اليوم ليست صراعا نظريا بين القطاع العام والقطاع الخاص، بل سؤال عن طبيعة الدولة نفسها، فالخصخصة الأخطر التي تبيع المنطق العام للمرفق العام، وحين تصبح قدرة المواطن على العلاج مرتبطة بجاذبية الخدمة للمستثمر، نكون أمام تحول عميق يتجاوز الإدارة إلى العدالة.
الصحة ليست بندا ماليا يمكن ضغطه بلا ثمن، فهي أحد آخر خطوط الدفاع عن المجتمع، وإذا لم يبدأ الإصلاح من حماية المريض، فسوف ينتهي، مهما حسنت لغته، عند فاتورة لا يستطيع السوريون دفعها.

