أمام مجلس الشعب.. معركة الملكية تكشف فراغ السياسة في سوريا الجديدة

حمل المشهد أمام مجلس الشعب السوري في دمشق، الجمعة 28 آب، أكثر من معنى سياسي في صورة واحدة.

ملاك أراض وفلاحون ومتضررون من قوانين الاستملاك والإيجار القديم تجمعوا للمطالبة بمراجعة تشريعات مست حياتهم وممتلكاتهم طوال عقود، ثم أدوا صلاة الجمعة أمام مبنى المؤسسة التشريعية بعدما جرى تحديد موعد الوقفة بين الثانية عشرة والثانية ظهرا.

تحول الاحتجاج بذلك من مطالبة عقارية محدودة إلى مشهد يختصر أسئلة أوسع عن علاقة السوريين بالدولة، وعن القنوات التي يستطيع المجتمع استخدامها للتعبير عن مصالحه في المرحلة الانتقالية.

أهمية الوقفة تأتي من الملف الذي أعادته إلى الواجهة، فالمشاركون قدموا من مناطق بينها البجاع والصبورة وقدسيا، وطالبوا بمعالجة قرارات الاستملاك وحماية الملكية الخاصة ومراجعة الإيجارات القديمة والتعويضات المرتبطة بالأراضي المستملكة.

خلف هذه المطالب توجد قضية مرشحة لتصبح واحدة من أكثر قضايا سوريا تعقيدا خلال السنوات المقبلة، فمن يملك الأرض التي ستقام عليها سوريا الجديدة؟

إرث قانوني يعود إلى الدولة القديمة

يحمل ملف الاستملاك ثقلا يتجاوز النزاع بين مالك وجهة حكومية، فالمرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 منح الوزارات والمؤسسات والجهات العامة صلاحيات واسعة لاستملاك العقارات لتنفيذ مشاريع مصنفة ضمن المنفعة العامة، وشمل نطاقا واسعا من المشاريع المدنية والعسكرية والاقتصادية.

ونص القانون على أن مرسوم الاستملاك مبرم ولا يقبل طرق الطعن أو المراجعة، وهو ما أسس خلال عقود لاختلال واضح في ميزان القوة بين الفرد والدولة.

تضع المرحلة الحالية ملف الاستملاك أمام اختبار يتعلق بقدرة الدولة على الموازنة بين متطلبات إعادة الإعمار وحقوق المالكين، فالحاجة لمشاريع الخدمات تفرض توسعا في المشاريع العامة، بينما ترفع في المقابل حساسية أي قرار يمس الملكية الخاصة أو قيمة التعويض وآليات الاعتراض.

الطريقة التي ستدير بها المؤسسات هذا التوازن ستحدد جانبا مهما من الثقة بالقانون، ومن قدرة الدولة على دفع إعادة الإعمار من دون تحويلها إلى مصدر جديد للنزاعات الاجتماعية والعقارية.

إعادة الإعمار تبدأ من سند الملكية

تقدر كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار وفق البنك الدولي، بينما تصل قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية إلى نحو 108 مليارات دولار.

يستحوذ السكن وحده على نحو 75 مليار دولار من كلفة إعادة البناء المقدرة، فيما كانت حلب وريف دمشق وحمص بين أكثر المحافظات تضررا.

تجعل هذه الأرقام الملكية جزءا من الاقتصاد السياسي لإعادة الإعمار، وليست مجرد قضية قانونية، فالمستثمر الذي يريد بناء مجمع سكني يحتاج إلى أرض واضحة الملكية، والمصرف الذي سيمول المشروع يحتاج إلى ضمانات عقارية، والعائلة التي تريد العودة تحتاج إلى إثبات حقها في المنزل أو الأرض.

النزاعات غير المحسومة حول الملكيات يمكن أن تتحول إلى تكلفة مالية وسياسية تضاهي مشكلات الكهرباء والطرق والتمويل.

يظهر ثقل هذا الملف في برامج الأمم المتحدة داخل سوريا، فيجري العمل في حلب وإدلب وحمص على مساعدة السكان في تثبيت حقوقهم العقارية وتوثيق ملكياتهم، إلى جانب دعم العائدين في الوصول إلى مساكنهم وأراضيهم.

تتجاوز أهمية هذه الخطوات الجانب القانوني لارتباطها مباشرة بالحد من الخلافات على الملكية وتوفير ظروف أكثر استقرارا للعودة.

ملايين السوريين وسؤال العودة إلى ماذا؟

يكتسب الملف حجما أكبر عندما يوضع إلى جانب خريطة النزوح السوري، فما يقارب أربعة ملايين لاجئ سوري ما زالوا في تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر، إضافة إلى نحو 5.5 مليون نازح داخل البلاد بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في آب 2026.

تصبح عودة اللاجئ مسألة سياسية إضافة لكونها إنسانية، وتعقّد نزاعات الملكية مسار العودة لأنها تحتاج إلى حسم قانوني واضح يحدد الحقوق ويمنع تضارب المطالبات.

يصبح استقرار الملكية شرطا أساسيا لأي عودة واسعة أو مشروع إعادة إعمار طويل الأمد.

المال الخارجي يدخل.. والأرض تنتظر

توقيت احتجاج دمشق يزيد من أهميته، فسوريا تتحرك نحو اندماج في الاقتصاد الدولي بعد رفع القيود التي عطلت التعاملات والاستثمار، وفي 24 آب إلى أزالت الولايات المتحدة اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما أزاح عقبة كبيرة أمام المؤسسات المالية والمستثمرين الدوليين.

دخول رؤوس الأموال يعيد ترتيب قيمة الأرض، فالأراضي الواقعة حول دمشق وحلب وعلى طرق النقل والمناطق الصناعية يمكن أن تنتقل خلال سنوات من أصول منخفضة القيمة إلى مواقع لمشاريع بمئات ملايين الدولارات.

مع ارتفاع قيمة الأراضي، تزداد أهمية القواعد التي تنظم الملكية والاستملاك والتعويض، لأن القرارات المرتبطة بها ستؤثر مباشرة في توزيع مكاسب إعادة الإعمار بين المالكين والمستثمرين والجهات العامة. المعادلة الأكثر حساسية ستظهر عندما تتقاطع مصالح المستثمرين مع مطالب المالكين السابقين. وسرعة الإعمار تحتاج إلى إجراءات تنفيذية سريعة، بينما العدالة تحتاج إلى مراجعات واعتراضات وقضاء وتعويضات.

الاندفاع في تنفيذ مشاريع الإعمار قبل حسم حقوق الملكية يفتح نزاعات جديدة، بينما يؤدي تأخير التسويات القانونية إلى إبطاء الاستثمار وتعطيل المشاريع.

صلاة الجمعة وعودة الدين إلى المجال العام

تحمل صورة المصلين أمام مجلس الشعب دلالة تتجاوز تفاصيل الوقفة، فالمشهد يكشف طبيعة المجال العام السوري خلال المرحلة الانتقالية.

يأتي هذا الفراغ في ظل القيود التي تفرضها السلطات السورية الجديدة على العمل السياسي المنظم، مع غياب السماح بتشكيل أحزاب فاعلة، واستمرار محدودية دور النقابات ومنظمات المجتمع المدني والهيئات المستقلة القادرة على تنظيم المطالب الاجتماعية وتمثيلها في المجال العام.

يترك هذا الواقع أصحاب المطالب أمام قنوات محدودة لإيصال أصواتهم، ما يدفعهم أكثر نحو التحركات المباشرة، ويمنح الأطر الدينية والمحلية حضورا أكبر في المجال العام.

يدفع هذا الفراغ المجال العام نحو الهياكل الاجتماعية النمطية والتراثية، فالمسجد وشبكات الحي والعائلة والروابط المحلية تملك قدرة على جمع الناس أسرع من حزب لم يؤسس بعد أو منظمة مدنية محدودة الانتشار.

الصلاة هنا لا تعني بالضرورة أن المطالب العقارية أصبحت مطالب دينية، بل تكشف أن الشكل الديني يستطيع ملء مساحة تتركها السياسة المنظمة شاغرة.

ويؤثر استمرار هذا الفراغ مباشرة في شكل العلاقة بين المجتمع والدولة، لأن غياب المؤسسات الوسيطة يضعف قدرة أصحاب المصالح على تنظيم مطالبهم والتفاوض بشأنها ضمن قنوات سياسية ومدنية واضحة.

مع الوقت يصبح الدين حاملا لمطالب اقتصادية واجتماعية لا تنشأ أصلا من خلاف ديني.

مجلس الشعب أمام أول اختبارات التمثيل

الوقفة وضعت مجلس الشعب أمام سؤال يتعلق بوظيفته في المرحلة الجديدة، فالمؤسسة التشريعية تواجه مواطنين يطلبون تعديل قوانين تحتاج إلى نقل النزاع من الرصيف إلى اللجان والجلسات العامة والنقاش التشريعي.

ونقل ملف الاستملاك والإيجارات إلى داخل مجلس الشعب يضع المؤسسة أمام اختبار عملي لمدى قدرتها على الاستجابة لمطالب المواطنين وتحويلها إلى نقاش وتشريع.

يتجاوز المطلوب إلغاء مادة أو تعديل تعويض، فسوريا تحتاج إلى مراجعة شاملة لقوانين الملكية والاستملاك والتنظيم والإيجارات، وربطها بسياسة واضحة للعودة وإعادة الإعمار، مع إنشاء آليات اعتراض وحسم للنزاعات تحظى بثقة السوريين.

تحتاج المرحلة بالتوازي إلى قانون أحزاب ومساحة أوسع للنقابات والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، حتى يجد المواطن طريقا بين الصمت والاحتجاج المباشر.

معركة على شكل سوريا الجديدة

يكشف مشهد 28 آب أن الخلاف على الملكية لم يعد ملفا منفصلا، بل أصبح مرتبطا مباشرة بإعادة الإعمار والعودة ودور المؤسسات في إدارة مطالب المجتمع.

نجاح إعادة الإعمار لن يقاس بعدد الأبراج والطرق وحدها، فالمعيار سيظهر في قدرة الدولة على الإجابة عن سؤال لمن تعود الأرض؟

طريقة التعامل مع هذا الملف ستختبر قدرة مؤسسات الدولة على احتواء المصالح المتعارضة وحسمها ضمن مسارات قانونية وسياسية واضحة.

تتجاوز صلاة الجمعة أمام مجلس الشعب حدود الاحتجاج العقاري، وتكشف حجم الفراغ الذي ما زال قائما بين مطالب المجتمع وقدرة المؤسسات السياسية والمدنية على تمثيلها.

معركة الملكية وإعادة الإعمار

مؤشرات رئيسية من وقفة مجلس الشعب في 28 آب 2026

كلفة الإعمار الكلية
216 مليار $
الأضرار المباشرة
108 مليار $
كلفة قطاع السكن
75 مليار $
النازحون داخلياً
5.5 مليون
اللاجئون خارجياً
4 مليون

حجم الأضرار مقابل أزمة النزوح (مقارنة متداخلة)

المحور الأيسر: مليار دولار (تكاليف الإعمار) | المحور الأيمن: مليون شخص (النازحون واللاجئون)

الإعمار / الأضرار (مليار $) النزوح واللجوء (مليون شخص)

الإرث القانوني المعيق

المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 منح الدولة صلاحيات مطلقة في الاستملاك، مع حظر الطعن، ما خلق اختلالاً في ميزان القوة بين الفرد والدولة، وأصبح اليوم عقبة أمام توثيق الملكيات اللازمة لعودة اللاجئين وجذب الاستثمار.

فجوة التمثيل السياسي

غياب الأحزاب والنقابات الفاعلة يدفع أصحاب المطالب إلى التحرك المباشر، كما حدث في وقفة 28 آب، حيث تحول الاحتجاج العقاري إلى مشهد ديني – اجتماعي يعكس فراغ المؤسسات الوسيطة في المرحلة الانتقالية.

الخلاصة: ماذا تعني هذه الأرقام بالنسبة لسوريا الجديدة؟

  • تكلفة الإعمار (216 مليار $) تعادل 10 أضعاف الناتج المحلي، مما يجعل استقطاب الاستثمار الخارجي ضرورة حتمية، لكنه يظل مرهوناً بوجود نظام واضح للملكية.
  • النزوح الداخلي (5.5 م) واللجوء الخارجي (4 م) يشكلان ضغطاً هائلاً على الأراضي والمساكن، وأي مشروع إعمار دون حسم النزاعات العقارية سيؤدي إلى موجة جديدة من النزاعات الاجتماعية.
  • المحافظات الأكثر تضرراً (حلب، ريف دمشق، حمص) هي ذاتها التي شهدت أكبر موجات النزوح، ما يعني أن ملف الملكية فيها سيكون ساحة الاختبار الأولى لقدرة الدولة على تحقيق العدالة الانتقالية.
  • تكشف الوقفة أن معركة إعادة الإعمار ليست هندسية فحسب، بل قانونية وسياسية بالأساس، وأن غياب القنوات المؤسسية قد يحوّل المطالب العقارية إلى احتجاجات شعبية عريضة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *