خالد زعرور والسياسة الإعلامية السورية.. من أخلاق المنصات إلى رقابة المجال العام

تكشف آراء وزير الإعلام السوري خالد زعرور حول ما سماه “مجتمع الدياثة” عن احتمال انتقال التوتر من مستوى الخطاب الشخصي إلى مستوى البنية التنظيمية للإعلام السوري.

تتجاوز المسألة اعتراضا لغويا على مفردة صادمة، لتلامس سؤالا مؤسسيا أعمق، فأي نموذج إعلامي يراد بناؤه في سوريا الانتقالية؟ فهل سيقوم على ضبط الفضاء العام وفق معايير مهنية وحقوقية، أم مقاربة تعيد تعريف الإعلام بوصفه أداة لحراسة القيم كما تراها السلطة؟

خطورة هذا السؤال في أن وزارة الإعلام ليست منبرا أخلاقيا، بل مؤسسة تملك أدوات التأثير في التراخيص، والخطاب الرسمي، ومدونات السلوك، والعلاقة مع الصحفيين، وصناع المحتوى، والمنصات الرقمية.

من هنا لا يعود الجدل حول تصريحات الوزير مسألة خطابية معزولة، بل مدخلا لفهم طريقة تشكل السياسة الإعلامية في المرحلة الانتقالية، وانتقال الفكرة من رأي شخصي إلى قاعدة إدارية، ومن موقف أخلاقي إلى ممارسة مؤسسية، ومن مفردة عابرة إلى نمط رقابة قابل للتكرار.

من الرأي الفردي إلى بنية النظام الإعلامي

إن فهم الإعلام لا ينفصل عن شكل النظام السياسي، وعن علاقة الصحافة بالدولة، وعن درجة المهنية، وعن بنية السوق الإعلامية، فلا يمكن التعامل مع موقف زعرور بوصفه رأيا محافظا معزولا، لأن انتقال صاحبه إلى رأس وزارة الإعلام يمنحه قابلية مؤسساتية.

حين يصدر الرأي عن أستاذ جامعي أو محاضر، يبقى جزءا من الجدل العام، أما حين يحمله وزير، فيصبح قابلا للتسرب إلى السياسة العامة، حتى من دون إعلان صريح.

المفردة التي استخدمها زعرور تنتمي إلى قاموس الإدانة الاجتماعية لا إلى معجم التنظيم العام، فالدولة الحديثة، حين تنظم الإعلام الرقمي، تفترض أن معيار التدخل هو الضرر القابل للتحديد، لا الانزعاج القيمي أو الذوقي.

حين تستدعي لغة العار والوصم، فإنها تنقل النقاش من مجال الحقوق إلى مجال الطاعة الأخلاقية، لتصبح السياسة الإعلامية أقرب إلى هندسة السلوك الاجتماعي وليس تنظيم المهنة.

التوازي السياسي.. من الحزب إلى الأخلاق

أحد مفاهيم الأساسية هنا هو “التوازي السياسي”، عبر ارتباط وسائل الإعلام بالفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وفي الحالة السورية كان التوازي السياسي فجا ومباشرا، حيث الإعلام الرسمي مواز للسلطة، والصحافة العامة امتداد لبنية الحكم، وفي المرحلة الانتقالية، يفترض أن ينخفض هذا التوازي لصالح استقلال مهني أوسع.

خطاب خالد زعرور، حتى قبل أن يصبح وزيرا، يفتح احتمالا آخر، حيث انتقال التوازي من السياسي الحزبي إلى الأخلاقي المرتبط بهوية محددة، ففي هذه الصيغة، لا تطلب من الصحفي الموالاة السياسية فقط، بل يطلب منه الانضباط ضمن تعريف رسمي للقيم المقبولة.

الإعلام هنا لا يخضع بالضرورة لخط حزب واحد، بل لمنظومة معيارية تملك الدولة حق تفسيرها، وهذا أخطر من الرقابة المباشرة أحيانا، لأنه ينتج رقابة ناعمة يصعب الاعتراض عليها؛ فالسلطة لا تقول إنها تمنع، بل تقول إنها تحمي المجتمع.

وفق هذا التصور من الممكن أن تتحول وزارة الإعلام من مؤسسة تدير المجال المهني إلى جهاز ينتج حدودا أخلاقية للظهور العام، ويصبح السؤال عن المحتوى الرقمي مرتبطا بـ”الاحتشام” و”الغيرة” و”الصورة اللائقة”، بدل أن يكون سؤالا عن الموافقة، والكرامة، والضرر، والمصلحة العامة.

هذا التحول يهدد النساء وصناع المحتوى المستقلين خصوصا، لأنه يجعل أجسادهم وصورهم وحضورهم موضوعا لتقدير أخلاقي رسمي، لا لمعيار قانوني واضح.

دور الدولة.. التنظيم أم الرعاية الأبوية؟

يتحدد طابع النظام الإعلامي وفق المدارس الحديثة بمدى تدخل الدولة، فهل تتدخل لضمان التعددية والمهنية، أم لتوجيه الإعلام والسيطرة عليه؟

سوريا تحتاج إلى انتقال صعب من الدولة المهيمنة إلى الدولة الضامنة، وهذا الانتقال يتطلب إعادة تعريف الوزارة نفسها؛ من وزارة وصاية إلى مؤسسة تنظيم شفاف.

تدفع آراء زعرور، في حال تسربها إلى السياسة العامة، نحو تحويل الإعلام من مجال مهني قابل للتنظيم إلى مساحة اجتماعية قابلة للتأديب، فالدولة، في هذه المقاربة، لا تكتفي بضبط شروط النشر، بل تتقدم بوصفها مرجعا أخلاقيا يقرر حدود الظهور العائلي والنسائي والفردي في المجال الرقمي.

كما تصبح الوزارة سلطة رمزية لا تنظم المهنة بقدر ما تفرز المجتمع إلى محتوى مقبول وآخر مدان، وتمنح البيروقراطية حقا غير معلن في تحديد ما يجوز رؤيته وما ينبغي إخفاؤه.

تكمن خطورة هذه المقاربة في أنها تمنح اللغة الوعظية قابلية مؤسسية، فحين تدخل مفردات الوصم إلى القانون أو مدونات السلوك، لا تنتج معيارا واضحا، بل توسع سلطة التأويل لدى الموظف العام، وتحول مفاهيم مثل “المحتوى المخل” و”القيم العامة” إلى أدوات ضبط مفتوحة.

عندها لا تعود الوزارة ناظما للمهنة، بل جهازا لتأديب المجال الرقمي، يعامل المنصات لا كفضاء عام تحكمه الحقوق والمعايير المهنية، بل كمساحة اجتماعية ينبغي إخضاعها لتصور أخلاقي واحد.

المهنية الصحفية تحت ضغط الأخلاق الرسمية

تقاس قوة الصحافة المستقلة، في مقاربات الإعلام المقارن، بمدى استقلال غرف الأخبار، وفاعلية الأطر النقابية، واستقرار المعايير التحريرية، وقدرة المهنة على إنتاج أخلاقياتها بعيدا عن وصاية السلطة.

في سوريا، تبدو هذه الشروط هشة، والمدونة السورية للسلوك المهني والأخلاقي للعاملين في الشأن الإعلامي لا تكتسب معناها المهني من صدورها الرسمي، بل من طريقة تطبيقها، فإذا فسرت من أعلى، ومن دون مشاركة جدية من الصحفيين والمؤسسات المستقلة، فإنها لا تؤسس عقدا مهنيا بقدر ما تنتج وثيقة انضباط.

خطاب “الإعلام المسؤول” يحمل التباسا خطيرا، فالمسؤولية، في معناها المهني، تعني الدقة، التحقق، عدم التحريض، احترام الضحايا، حماية المصادر، والتمييز بين الخبر والرأي.

لكنها، في معناها السلطوي، تعني تجنب الإزعاج، وتخفيف النقد، ومراعاة حساسيات السلطة أو الجماعات النافذة، ويحتاج الإعلام السوري إلى تعريف مستقل للمسؤولية، لا إلى تعريف وزاري منفرد.

يتضاعف هذا التحدي عندما يكون الوزير نفسه صاحب خطاب قيمي حاد، فحتى لو لم يصدر قرار رقابي مباشر، سيفهم الموظفون والهيئات التابعة أن المزاج الرسمي يميل إلى التشدد الأخلاقي، وتعمل البيروقراطية غالبا بمنطق استباق رغبات الوزير، فتنشأ الرقابة قبل أن تكتب في القانون.

بنية السوق الإعلامية ومأزق المنصات

لا تقاس حرية الصحافة بالقوانين فقط، بل أيضا بقدرة السوق الإعلامية على إنتاج استقلال مالي ومؤسسات قابلة للحياة، وفي سوريا، تبدو هذه القاعدة غائبة؛ فيعمل الإعلام في بيئة اقتصادية ضعيفة تجعل بقاءه مرهونا بمصادر تمويل محدودة وغير مستقرة، ويصبح أكثر قابلية للضغط؛ فالمنبر الذي لا يستطيع تمويل استقلاله سرعان ما يتأثر بمزاج الوزارة، أو يتبنى لغتها طلبا للحماية والاعتراف.

صناع المحتوى الرقمي يشكلون بدورهم مجالا ملتبسا، فهم ليسوا صحفيين بالمعنى التقليدي، لكنهم صاروا جزءا من صناعة الرأي والتمثيل الاجتماعي.

تنظيم هذا المجال ضروري، خاصة حين يتعلق الأمر بالأطفال، والإعلانات المضللة، واستثمار الفقر والمرض والمآسي، غير أن التنظيم يجب أن يميز بين الضرر والاستفزاز، وبين الاستغلال والاختلاف الثقافي، فالدولة التي تعاقب المحتوى لأنه “غير مريح” تفتح بابا واسعا لتجريم التعدد الاجتماعي.

النموذج السوري.. خطر «التعددية المستقطبة» بوجه جديد

يقدم مفهوم “التعددية المستقطبة” في الإعلام المقارن مدخلا مناسبا لفهم المخاطر السورية، حيث تتجاور قوة الدولة مع هشاشة المهنية الصحفية وضعف السوق المستقل، لكن سوريا الانتقالية تضيف إلى هذا النمط بعدا أخطر من الاستقطاب الأخلاقي، حيث لا يقاس الإعلام بمهنيته أو استقلاله، بل بمدى امتثاله لتعريف رسمي لما هو مقبول أخلاقيا.

هذا التصنيف الأخلاقي يقتل السياسة كما يقتل الصحافة، ويحول الخلاف حول السياسات العامة إلى محاكمة نيات وسلوك، ويمنح السلطة قدرة على نزع الشرعية عن النقد من دون الرد عليه، وفي هذه الحالة، لا تحتاج السلطة إلى منع النقد صراحة؛ يكفي أن تعيد تأويله بوصفه خروجا على القيم أو تهديدا للتماسك الاجتماعي.

من التنظيم إلى الامتثال

تكشف تصريحات زعرور التي سبق توليه وزارة الإعلام، أن الخطر لا يكمن في تنظيم المجال الرقمي بحد ذاته، بل في تحويل التنظيم إلى اختبار امتثال أخلاقي.

فحين تستدعى مفردات مثل “الدياثة” و”الغيرة” و”الرذيلة” إلى محيط السياسة العامة، لا تعود الأخلاقيات إطارا مهنيا لحماية الجمهور، بل تتحول إلى لغة فرز تحدد من يستحق الظهور ومن ينبغي دفعه إلى الهامش.

عمليا تفقد المدونات والسلوكيات الرسمية حيادها المفترض، وتصبح جزءا من صراع على تعريف المجال العام، فالمنصة لا تقاس بمهنيتها فقط، والصحفي لا يقاس بدقته فقط، بل بمدى انسجامه مع تصور السلطة لما هو مقبول اجتماعيا، فتتراجع السياسة الإعلامية من بناء قواعد عادلة إلى إنتاج طاعة رمزية، ومن تنظيم المهنة إلى ضبط المجتمع.

امتحان الوزير وامتحان النظام

تصريحات خالد زعرور ليست امتحانا لشخصه وحده، بل للنظام الإعلامي السوري الناشئ، فإذا تحولت آراؤه إلى سياسات، سنكون أمام نموذج إعلامي تتقدم فيه الدولة بوصفها حارسا أخلاقيا للمجتمع.

وإذا بقيت آراؤه في حدود الجدل الشخصي، بينما التزمت الوزارة بقواعد مهنية وحقوقية، سيتحول الجدل نفسه إلى مناسبة لتأسيس عقد جديد بين الدولة والإعلام.

الإعلام السوري اليوم أمام امتحان بنيوي لا يتعلق بتبدل الأشخاص، بل بطبيعة السلطة التي ستمنح للدولة في تعريف المجال العام، فحين تحتكر الوزارة تفسير المهنية والأخلاقيات وحدود الظهور، لا يعود الخطر في رأي الوزير وحده، بل في تحويل هذا الرأي إلى معيار إداري وقانوني.

فهل يغادر الإعلام السوري منطق الطاعة فعلا، أم يعيد إنتاجه عبر لغة أخلاقية أكثر نعومة، لكنها لا تقل قدرة على الضبط والإقصاء؟

لوحة تحليل الإعلام السوري | أخلاق المنصات وهندسة المجال العام

وزارة الإعلام السورية: من تنظيم المهنة إلى هندسة المجال العام

تحليل بنيوي لتصريحات وزير الإعلام ومخاطر التحول الأخلاقي في السياسة الإعلامية | استناداً إلى مقال “أخلاق المنصات وهندسة المجال العام”
نموذج الرقابة المتوقّع
رقابة ناعمة
تنتقل من السياسي إلى الأخلاقي، عبر لغة “الوصم” و”الدياثة” ← سلطة تأويل موسعة
التوازي السياسي → الأخلاقي
80%
احتمالية تحول “الرأي القيمي” للوزير إلى معايير إدارية (تقدير نوعي)
هشاشة السوق الإعلامية
عالية جداً
بيئة اقتصادية ضعيفة تجعل الإعلام قابلاً للضغط والامتثال المسبق
مخاطر استهداف المستقلين والنساء
حرجة
تحديد “الظهور اللائق” يهدد الحضور النسائي وصناع المحتوى المستقلين
منظومة السياسة الإعلامية: نموذجان متقابلان
التنظيم المهني (قائم على الضرر والحقوق) ← مقابل ← الضبط الأخلاقي (قائم على القيم الرسمية)
مؤشرات قابلية تحول الرأي الفردي إلى سياسة عامة
تقدير المخاطر بناءً على مقال “زعرور وأخلاق المنصات”

خطوات تحوّل الرأي إلى بنية مؤسسية

  • رأي شخصي الوزير “مجتمع الدياثة”
  • تسرب إلى التوجيه الإداري تفسير مرن لمدونات السلوك
  • رقابة استباقية الموظفون يستبقون رغبات الوزير
  • معيار أخلاقي رسمي يُنتج إقصاءً دون نص قانوني صريح
“من مفردة عابرة إلى نمط رقابة قابل للتكرار” — خلاصة المقال

التوازي الأخلاقي: أخطر من السياسي

  • المعيار الجديد الولاء الأخلاقي + الانضباط القيمي
  • الهدف ليس فقط الموالاة السياسية بل الامتثال لتعريف “القيم المقبولة”
  • النتيجة إنتاج طاعة رمزية، وتجريم التعدد الاجتماعي باسم “الغيرة” و”الاحتشام”
“الدولة لا تقول إنها تمنع، بل تقول إنها تحمي المجتمع”

هشاشة المهنية وضغط السوق

  • المستشفيات ومراكز الصحة نصفها فقط يعمل بكامل الطاقة (بحسب التقرير الإنساني)
  • استقلالية غرف الأخبار ضعيفة جداً بسبب التمويل المحدود
  • صناع المحتوى الرقمي منطقة رمادية، يُنظّمون بوصفهم “محتوى مخل” دون معيار ضرر
“المنبر الذي لا يستطيع تمويل استقلاله يتأثر بمزاج الوزارة”

التعددية المستقطبة بوجه أخلاقي

  • قوة الدولة + هشاشة المهنية نموذج سوري خطير
  • الاستقطاب الأخلاقي يحوِّل الخلاف السياسي إلى محاكمة نيات وسلوك
  • السلطة تنزع الشرعية عن النقد بوصفه “خروجاً على القيم” لا بالرد المهني

المسؤولية المهنية مقابل المسؤولية السلطوية

  • المعنى المهني الدقة، التحقق، عدم التحريض، حماية المصادر
  • المعنى السلطوي (المحتمل) تجنب الإزعاج، تخفيف النقد، مراعاة الحساسيات
  • الخطر تعريف وزاري منفرد للمسؤولية دون نقابة مستقلة
“المدونة السورية للسلوك المهني لا تكتسب معناها من صدورها الرسمي بل من طريقة تطبيقها”
ما الذي يخشاه الإعلاميون والمحللون من تحول الوزارة إلى مرجع أخلاقي؟
مخاطر رئيسية استخلاصاً من المقال: غموض المعايير، وصاية على الجسد، رقابة ذاتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *