تراجع التصفيات الطائفية في سوريا: انخفاض الأرقام لا يعني نهاية الخطر

تكشف أرقام آذار 2026 عن انخفاض واضح في جرائم التصفية الانتقامية ذات الطابع الطائفي، إذ سجل مقتل 13 مدنيا، مقابل 22 في كانون الثاني و27 في شباط.

لكن القراءة السياسية والاجتماعية لهذه الأرقام لا تسمح بالاطمئنان، فالانخفاض العددي، في بلد هش كسوريا، لا يعني بالضرورة تراجعا في منطق العنف، بل يعكس تبدلا في وتيرته أو في قدرته على الظهور العلني.

المشكلة الأعمق ليست في عدد الضحايا وحده، بل في استمرار نمط القتل؛ مدنيون يستهدفون بسبب الهوية الدينية أو الطائفية أو الانتماء المفترض، فيصبح القتل رسالة اجتماعية قبل أن يكون فعلا جنائيا، فهو رسالة للناس بأن الماضي لم ينته، وإن الحرب ما تزال قادرة على التسلل إلى البيوت والطرقات والأحياء، ولو بصور أقل ضجيجا.

العنف بوصفه إرثا سياسيا

في التجارب التي تخرج من الحروب الأهلية، لا ينتهي النزاع بمجرد تراجع الجبهات، فأحيانا ينتقل العنف من خطوط التماس العسكرية إلى داخل المجتمعات المحلية.

ما تشير إليه حوادث حمص وريف دمشق وحلب واللاذقية هو أن سوريا لا تواجه فقط مشكلة أمنية، بل أزمة دولة ومجتمع وذاكرة.

حين تقتل الضحية لأنها تنتمي إلى جماعة محددة، فإن الجريمة لا تستهدف فردا فقط، بل تسعى إلى معاقبة جماعة كاملة عبر جسد فرد واحد، وهو أخطر ما في التصفيات الطائفية، حيث تحول المواطن من صاحب حق إلى حامل لهوية قابلة للعقاب.

حمص: الجغرافيا الأكثر إنذارا

تصدرت حمص حصيلة آذار بثماني حالات قتل، وكلها مرتبطة بخلفيات طائفية، فالمدينة التي كانت خلال سنوات الحرب واحدة من أكثر المدن السورية حساسية من حيث الانقسام الأهلي، تبدو اليوم كأنها تختزن بقايا صراع لم تعالجه أي تسوية حقيقية.

ما يظهر في حمص ليس مجرد انفلات أمني، بل فشل في إنتاج عقد اجتماعي محلي جديد، فالأحياء والقرى التي عاشت الخوف والتهجير والانتقام لا يمكن أن تستعيد استقرارها عبر الأمن وحده، فهي تحتاج إلى عدالة، واعتراف، وتعويض، وضمانات، ومحاسبة، ومن دون ذلك، سيبقى السلاح غير الرسمي، والثأر، والذاكرة الجريحة، بدائل خطيرة عن القانون.

العدالة الغائبة تصنع انتقاما دائما

تبدو جرائم آذار امتدادا لمعادلة مألوفة في سوريا، فغياب المحاسبة يولد الانتقام، والضحايا لا يسقطون فقط بسبب كراهية طائفية، بل نتيجة فراغ قانوني يسمح للكراهية بأن تتحول إلى فعل.

الدولة، أو السلطات المحلية والأمنية القائمة، لا تقاس قوتها بعدد الحواجز ولا بحجم السلاح، بل بقدرتها على حماية المدنيين بالتساوي.

حين يشعر الناس أن العدالة انتقائية أو غائبة، فإن الثقة العامة تنهار، وتظهر جماعات صغيرة مسلحة أو أفراد موتورون يزعمون أنهم يحققون “عدالتهم” الخاصة.

الخطر الأكبر أن العنف الانتقامي لا يحتاج إلى تنظيم واسع كي يهدد السلم الأهلي، فيكفي أن يتكرر بلا عقاب حتى يصبح جزءا من الحياة اليومية.

الطائفية ليست سببا وحيدا بل لغة للعنف

من الخطأ اختزال هذه الجرائم في “الكراهية الطائفية” وحدها، فالطائفية في السياق السوري ليست مجرد شعور اجتماعي، بل أداة سياسية وأمنية واقتصادية، كثيرا ما تتداخل مع نزاعات على الممتلكات، أو الثأر، أو الولاءات السابقة، أو السيطرة المحلية، أو تصفية الحسابات الشخصية.

لكن استخدام الهوية الطائفية كذريعة أو وسيلة يجعل الجريمة أكثر تدميرا، فلا تقتل الضحية فحسب، بل تعيد إنتاج الخوف بين جماعات كاملة، وتدفع الناس إلى الانكفاء داخل هويات ضيقة بحثا عن الحماية، فيخسر المجتمع فكرة المواطنة، وتربح منطق العصبية.

اللاذقية وريف دمشق وحلب: خريطة قلق لا أرقام هامشية

تبدو الأرقام في ريف دمشق وحلب واللاذقية محدودة مقارنة بحمص، لكنها لا تقل دلالة، فسجلت جريمتان في ريف دمشق، فيما شهدت حلب حادثة واحدة، مقابل حادثتين في اللاذقية، ما يشير إلى أن الظاهرة ليست محصورة في بقعة واحدة، بل موزعة على جغرافيا متباينة، ما يعني أن جذورها أعمق من حادث محلي معزول.

في اللاذقية، تكتسب الجرائم الغامضة والعنيفة حساسية مضاعفة بسبب التركيبة الاجتماعية والسياسية للمنطقة، وفي ريف دمشق، تحمل التصفيات رمزية قاسية لأنها تحدث في محيط العاصمة، حيث يفترض أن تكون قبضة المؤسسات أكثر وضوحا.

أما حلب، بما شهدته من تمزق اجتماعي واقتصادي واسع، فهي تذكير بأن المدن الكبرى لا تتعافى عمرانيا فقط؛ فالركام الأخطر أحيانا يكون في العلاقات بين الناس.

الأمن بلا مصالحة وصفة مؤقتة

التعامل مع هذه الجرائم كملف أمني فقط سيكون خطأ استراتيجيا، فالتحقيق والملاحقة القضائية ضروريان، لكنهما غير كافيين، فهاك حاجة لمسار أوسع من حماية المدنيين وتوثيق الانتهاكات ومنع التحريض وضبط السلاح، وإطلاق آليات مصالحة محلية لا تقوم على النسيان القسري، بل على الاعتراف بالضرر.

المجتمعات الخارجة من العنف لا تحتاج إلى خطابات عامة عن “الوحدة الوطنية” بقدر ما تحتاج إلى إجراءات ملموسة عبر قضاء مستقل ولجان حقيقة وتعويضات وإعادة ممتلكات، وضمان عدم عودة الجناة إلى مواقع القوة، وإلا تتحول المصالحة إلى شعار، والاستقرار إلى هدنة هشة بين موجتين من الخوف.

المدنيون في قلب العاصفة

الأكثر مأساوية أن الضحايا في هذه الجرائم ليسوا مقاتلين في ساحة حرب، بل مدنيون، وهذا يضع المسألة في إطار قانوني وأخلاقي صارم.

استهداف المدنيين على خلفية الهوية أو الانتقام يشكل انتهاكا خطيرا، ليس فقط لحقوق الإنسان، بل لفكرة المجتمع نفسها.

حين يترك المدني وحيدا أمام ذاكرة الحرب وسلاح الفصائل وخوف الجماعة، يصبح الحديث عن “مرحلة ما بعد النزاع” مضللا، فالنزاع لا ينتهي ما دام المواطن يخشى اسمه وحيه ولهجته وانتماءه.

ما الذي تعنيه أرقام آذار؟

تعني أن وتيرة القتل تراجعت، لكنها لم تنكسر، وأن العنف الطائفي ما يزال يمتلك بيئة حاضنة تظهر في هشاشة أمنية وذاكرة مثقلة وخطاب كراهية وغياب محاسبة، وأن سوريا تقف أمام اختبار بالغ الصعوبة، فهل يمكن تحويل انخفاض الأرقام إلى مسار مستدام، أم أن آذار كان مجرد استراحة قصيرة في دورة عنف أطول؟

الجواب يتوقف على ما سيحدث بعد الجريمة، لا أثناءها فقط، فإذا بقيت التحقيقات غائبة أو شكلية، وإذا لم يحاسب الفاعلون، وإذا استخدمت الهوية أداة للفرز والخوف، فإن الانخفاض الحالي سيبقى رقما عابرا لا مؤشرا على التعافي.

الدولة تبدأ من حماية المختلف

معيار الاستقرار في سوريا لن يكون قدرة السلطة على ضبط المدن الكبرى أو إعلان انخفاض نسب العنف، بل قدرتها على حماية الفرد حين يكون ضعيفا، ومنتميا إلى جماعة مكروهة أو مستهدفة أو مهزومة.

الدولة لا تبنى حين تحمي من يشبهونها، بل حين تحمي من يخافون منها أو ممن يحيطون بها.

انخفاض قتلى آذار خبر مهم، لكنه ليس مطمئنا، فالخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم وحده، بل في الفكرة التي تقف خلفه؛ فبعض السوريين ما يزالون يقتلون بسبب ما هم عليه، لا بسبب ما فعلوه، فيتم مقاضاتهم وفق قانون عادل، يحاسب الجميع، لا انتقاء طائفة بعينها، وما لم تكسر هذه القاعدة، ستبقى سوريا معلقة بين نهاية الحرب وبداية سلام لم يولد بعد.

سوريا: العنف الطائفي الكامن – لوحة تفاعلية

حين تنخفض الأرقام ولا يتراجع الخطر
سوريا أمام العنف الطائفي الكامن

تحليل تفاعلي لجرائم القتل ذات الطابع الطائفي – الأشهر الثلاثة الأولى 2026
13
قتيل مدني في آذار 2026
أدنى حصيلة خلال الربع
انخفاض 52% عن شباط
22
كانون الثاني
قتيل
27
شباط
قتيل (الذروة)
8
حمص – الأعلى في آذار
61.5% من ضحايا الشهر
مسار جرائم القتل الطائفي (كانون الثاني – آذار 2026)
البيانات: أرقام موثقة للتصفيات الانتقامية ذات الطابع الطائفي – المصادر الميدانية / الرصد المحلي
خريطة القلق – الضحايا حسب المحافظة (آذار 2026)
حمص (8) – ريف دمشق (2) – اللاذقية (2) – حلب (1)

لماذا لا يطمئن الانخفاض العددي؟

الانخفاض لا يعني تراجع منطق العنف، بل تبدلاً في وتيرته أو قدرته على الظهور العلني. المشكلة الأعمق هي استمرار نمط القتل؛ مدنيون يُستهدفون بسبب الهوية، فيصبح القتل رسالة اجتماعية بأن الحرب ما تزال قادرة على التسلل إلى البيوت والطرقات.

حمص: الجغرافيا الأكثر إنذاراً

حمص تختزن بقايا صراع لم تعالجه تسوية حقيقية. ما يظهر ليس انفلاتاً أمنياً فقط، بل فشل في إنتاج عقد اجتماعي محلي جديد. الأحياء التي عاشت الخوف والتهجير تحتاج إلى عدالة واعتراف وتعويض، وإلا سيبقى السلاح غير الرسمي والثأر بديلاً عن القانون.

العدالة الغائبة تصنع انتقاماً دائماً

غياب المحاسبة يولّد الانتقام. الدولة لا تُقاس بقدرتها على نصب الحواجز، بل بحماية المدنيين بالتساوي. حين يشعر الناس أن العدالة انتقائية تنهار الثقة، وتظهر جماعات مسلحة تزعم تحقيق “عدالتها الخاصة”.

الطائفية ليست سبباً وحيداً بل لغة للعنف

الطائفية أداة سياسية وأمنية تتداخل مع نزاعات على الممتلكات والثأر. لكن استخدام الهوية كذريعة يجعل الجريمة أكثر تدميراً: لا تقتل الضحية فحسب، بل تعيد إنتاج الخوف بين جماعات كاملة وتدفع الناس إلى الانكفاء داخل هويات ضيقة.

ما الذي تعنيه أرقام آذار؟

تعني أن وتيرة القتل تراجعت لكنها لم تنكسر، وأن العنف الطائفي ما يزال يمتلك بيئة حاضنة: هشاشة أمنية، ذاكرة مثقلة، خطاب كراهية، وغياب محاسبة. سوريا أمام اختبار صعب: هل يمكن تحويل انخفاض الأرقام إلى مسار مستدام، أم أن آذار مجرد استراحة قصيرة في دورة عنف أطول؟ الدولة تبدأ من حماية المختلف – معيار الاستقرار ليس انخفاض نسب العنف، بل قدرة الدولة على حماية الفرد حين يكون ضعيفاً ومنتمياً إلى جماعة مكروهة أو مستهدفة.

خلاصة: بعض السوريين ما يزالون يُقتلون بسبب ما هم عليه، لا بسبب ما فعلوه. وما لم تُكسر هذه القاعدة، ستبقى سوريا معلقة بين نهاية الحرب وبداية سلام لم يولد بعد.

1 فكرة عن “تراجع التصفيات الطائفية في سوريا: انخفاض الأرقام لا يعني نهاية الخطر”

  1. ميرنا سلام

    كيف خفت مبارح الأمن العام قتلوا شاب بحمص ومداهمات بجبلة ودريكيش وغيرهم وقتل مسيحي بجرمانا هدول ما في شي يوقفهم لأنهم همج ومخهم مريض هني ويلي معهم يصفق ويبرر
    الله يحمي سورية ويفرجها عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *