سوريا 2026: أمن هشّ وعنف يعيد إنتاج نفسه خارج منطق الاستقرار

تبدو سوريا منذ مطلع عام 2026 ضمن دائرة جديدة من العنف، فصورتها تتجاوز بعض الخطابات السياسية التي تتحدث أنها تدخل مرحلة  الاستقرار المتماسك، فهي أمام خريطة أمنية هشة تعيد إنتاج الخوف بأشكال مختلفة.

مقتل ما لا يقل عن 1462 شخصاحتى مطلع الشهر الخامس من العام، بينهم 833 مدنيا و629 من غير المدنيين يكشف عن بنية أزمة لم تعالج جذورها بعد.

الأخطر في هذه الأرقام ليس حجمها وحده، بل دلالتها السياسية والأمنية. فحين يشكل المدنيون النسبة الأكبر من الضحايا، يصبح الحديث عن “انخفاض التصعيد” أو “الانتقال السياسي” ناقصا، إن لم يكن مضللا، فالأمن لا يقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو التصريحات الدبلوماسية، بل بقدرة الطفل على الذهاب إلى مدرسته، والمرأة إلى عملها، والعائلة إلى بيتها، من دون أن تتحول الحياة اليومية إلى رهان على النجاة.

العنف بوصفه نظاما يوميا

توزع الضحايا على أشهر العام يكشف إيقاعا مقلقا، ففي كانون الثاني، سجل مقتل 289 شخصا، بينهم 189 مدنيا، من ضمنهم 33 امرأة و39 طفلا.

كان ذلك مؤشرا بعام يبدأ من تراكم للانكشاف الأمني، وجاء شباط ليحمل أعلى حصيلة شهرية حتى الآن، مع 582 قتيلا، بينهم 211 مدنيا و371 من غير المدنيين، في قفزة تعكس اتساع نطاق المواجهات أو تعدد مصادر العنف أو كليهما معا.

في آذار، تراجعت الحصيلة إلى 238 قتيلا، لكنها بقيت مقلقة؛ 188 من المدنيين مقابل 50 من غير المدنيين، فانخفاض العدد الإجمالي لم يعن بالضرورة تحسنا في حماية السكان، بل انتقال العنف إلى أنماط أكثر انتقائية أو محلية، حيث تبقى المجتمعات غير المسلحة هي الحلقة الأضعف.

في نيسان، عاد العدد إلى الارتفاع مع 246 قتيلا، بينهم 168 مدنيا، قبل أن ينخفض في أيار إلى 107 ضحية حتى الآن، منهم 77 مدنيا.

الحركة صعودا وهبوطا لا تعني أن الأزمة تتبدل، بل أن العنف يعيد توزيع نفسه داخل بيئة شديدة الهشاشة، فلم يعد حدثا استثنائيا مرتبطا بجبهة محددة أو لحظة تصعيد عابرة، بل بنية كامنة داخل المشهد العام، قابلة للانفجار كلما توافرت شروطها.

لا تكمن الخطورة في ارتفاع الحصيلة أو انخفاضها شهريا فحسب، بل في استمرار البيئة التي تجعل إنتاج الضحايا أمرا متكررا، وتحول غياب الأمن من طارئ مؤقت إلى سمة من سمات الحياة اليومية.

المدنيون في مركز الكارثة

في كل شهر من الأشهر الخمسة، بقي المدنيون في صدارة الضحايا؛ في دلالة تتجاوز البعد الإنساني إلى جوهر البيئة الأمنية ذاتها، فحين يصبح المدنيون الهدف الأوسع أو الحلقة الأكثر انكشافا، تتحول النزاعات من مواجهات بين خصوم مسلحين إلى حروب تستنزف المجتمع وتعيد تشكيل حياته اليومية بالخوف.

وجود النساء والأطفال ضمن الاحصاءات الشهرية يضيف بعدا أكثر قسوة، ففي كانون الثاني وحده قتلت 33 امرأة و39 طفلا، وفي نيسان 9 نساء و34 طفلا.

تكشف هذه الأرقام هشاشة المجال المدني، وغياب منظومة حماية فعلية في مناطق يفترض أنها تجاوزت المراحل الأكثر ضراوة من النزاع، فحين يدفع الأطفال ثمنا مستمرا، فذلك يعني أن العنف لم يعد طارئا، بل أصبح جزءا من شروط الحياة.

لا يتوقف الخطر على المدنيين عند حدود الموت المباشر؛ فكل خسارة بشرية تترك أثرا يتجاوز لحظتها، وتعيد إنتاج الهشاشة داخل المجتمع، والمفارقة السورية أن المعادلات السياسية يمكن أن تتبدل السياسية، وتتغير خرائط النفوذ، لكن أي تحول يبقى ناقصا ما لم يترجم إلى شعور يومي بالأمان، فالأمن ليس بندا في الانتقال السياسي، بل الشرط الذي يمنح المرحلة شرعيتها ومعناها في حياة الناس.

التحولات السياسية لا تصنع الأمن وحدها

المشكلة في سوريا أن خريطة القوة بعد أن كانت مركزية أصبحت موزعة بين سلطات محلية، وتشكيلات مسلحة، ومصالح إقليمية، ومناطق نفوذ متباينة.

عمليا فإن الواقع يكشف تراجع الأمن من كونه حقا عاما إلى نتيجة لموازين قوة متبدلة، فحين تتعدد مصادر السلطة ولا يخضع العنف لمركز قانوني واضح، يفقد الناس القدرة على توقع ما يحكم حياتهم اليومية؛ والمشكلة لا تعود في غياب الأمن وحده، بل في فقدان المرجعية التي تجعل الأمن قابلا للثقة والاستمرار.

يبقى الحديث عن الاستقرار ناقصا ما لم يقترب من البنية التي تنتج العنف وتعيد تدويره، فالأمن الحقيقي لا يعني توقف الضجيج العسكري فحسب، بل نشوء بيئة يشعر فيها الناس أن حياتهم محكومة بقواعد واضحة، لا باحتمالات مفتوحة.

المساءلة الغائبة وحافز التكرار

الأزمة أن تعدد مراكز القوة لا ينتج فراغا أمنيا فحسب، بل تعريفات متنافسة للأمن، فما تراه جهة ضبطا تراه أخرى انتهاكا، وما يقدم بوصفه حماية يتحول، في غياب المرجعية القانونية، إلى أداة هيمنة، فالسوريون لا يعانون من نقص في القوى القادرة على ممارسة العنف، بل من غياب الإطار الذي يحول القوة إلى سلطة مسؤولة ومقيدة.

المشكلة ليست في مستوى العنف الظاهر وحده، بل في قابليته الدائمة للعودة ما دامت شروط إنتاجه قائمة، فالأمن المستدام يبدأ عندما تفقد أدوات العنف قدرتها على التحول إلى سياسة، وعندما يصبح القانون أقوى من توازنات الأمر الواقع.

البعد الدولي: حضور كثير ونتائج محدودة

معظم المقاربات الدولية تنطلق من سؤال الاستقرار بمعناه الضيق، فكيف نمنع موجة لجوء جديدة ونضبط الحدود؟ وهذه أسئلة مشروعة، لكنها ناقصة، فالسؤال الأهم كيف يصبح السوري آمنا في بلده؟ من دون هذا التحول في زاوية النظر، سيبقى المدنيون مادة هامشية في حسابات كبرى.

أي مسار دولي لا يربط خفض التصعيد بحماية المدنيين والمساءلة واحترام القانون الدولي الإنساني سيظل قاصرا، حيث أثبتت التجربة السورية أن الاتفاقات الأمنية التي لا تمس بنية الانتهاك تتحول إلى هدن مؤقتة بين موجتين من العنف.

ما بعد الأرقام

الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تؤشر إلى أن سوريا لم تخرج من أزمتها الأمنية، بل انتقلت إلى طور أكثر تعقيدا منها، فالعنف أصبح موزعا ومتحركا ومتداخلا مع الاقتصاد المنهار، وتفكك الثقة، وصراع السلطات، وغياب العدالة.

الطريق إلى الاستقرار لا يبدأ بالشعارات، بل بثلاث أولويات متلازمة، تبدأ بحماية المدنيين كمعيار لا كملحق، وإعادة بناء سلطة القانون لا سلطة القوة، ووربط أي مسار سياسي بمساءلة جدية تمنع تحويل الدم السوري إلى رقم عابر في تقارير شهرية.

مأساة سوريا في أن استمرار الموت بات قابلا للتفسير والتبرير والاعتياد، فالقتل لم يعد خبرا صادما، بل جزءا من المشهد، فأصبحت المهمة الصحفية والسياسية والأخلاقية واحدة في إعادة الإنسان إلى مركز السردية، لا بوصفه ضحية في جدول، بل الغاية الأولى لأي أمن، وأي دولة، وأي مستقبل.

سوريا 2026 | رسم بياني تفاعلي لضحايا العنف

سوريا 2026: أمن هش تحت سقف التحولات السياسية

حصيلة العنف خلال الأشهر الخمسة الأولى (كانون الثاني – أيار) · الضحايا بين مدنيين وغير مدنيين · رسم بياني تفاعلي يغني عن قراءة الأرقام الأولية
1,462
إجمالي القتلى
كانون الثاني – أيار 2026
833
قتلى مدنيون
57% من الإجمالي
629
غير مدنيين
مقاتلون / مسلحون
+115
نساء وأطفال
حسب التفصيل الشهري

تفاعل مع الرسم البياني

انقر على أي عمود (شهر) لعرض التفاصيل الشهرية الكاملة: عدد المدنيين، النساء، الأطفال، والملاحظات الميدانية المستخلصة من التقرير.

المصدر: تقرير “سوريا 2026: أمن هش” – بيانات وتحليل استناداً إلى حصائل الأشهر الخمسة الأولى.
نظرة تحليلية: المدنيون يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا في كل شهر، ما يعكس بيئة أمنية هشة حيث تحول العنف إلى نظام يومي. الأطفال والنساء يدفعون ثمناً مستمراً (39 طفلاً و33 امرأة في يناير وحده). أي حديث عن “استقرار” دون حماية المدنيين ومساءلة الجناة يظل ناقصاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *