كشفت حصيلة الضحايا خلال شهر أيار 2026 عن سقوط ما لا يقل عن 287 شخصا في مناطق سورية مختلفة، بينهم 230 مدنيا و57 من العسكريين والمقاتلين.
توزعت الوقائع بين جرائم قتل، وإطلاق نار عشوائي، ومخلفات حرب، وعمليات تصفية، واقتتال محلي، وحوادث أمنية متفرقة، إلى جانب العثور على رفات عشرات الأشخاص في مقابر جماعية.
يحمل هذا التوزع دلالة تتجاوز الجانب الإحصائي؛ فيكشف عن انتقال العنف في سوريا من صورته العسكرية المباشرة إلى بنية أكثر انتشارا والتباسا، فلم تعد الحدود الفاصلة بين الجريمة الفردية والعنف المنظم واضحة، كما لم تعد دوافع القتل قابلة للفصل بسهولة بين ما هو أمني وما هو سياسي وما هو اجتماعي.
في هذا الفراغ، تتسع مساحة التأويل، وتصبح كل واقعة قابلة لإعادة الصياغة ضمن سردية أوسع عن الاستهداف والخوف والتهديد المتبادل، فالعنف لا يكتفي بإنتاج الضحايا، بل يعيد تشكيل العلاقات بين الجماعات، ويعمق الشكوك المتبادلة، ويدفع الأفراد إلى قراءة أمنهم الشخصي من خلال انتماءاتهم المحلية أو الأهلية بدلا من الثقة بقواعد عامة للحماية والمساءلة.
تكتسب قراءة هذا الواقع أهمية إضافية مع تحول الجريمة الفردية إلى مادة تعبئة جماعية، فيصبح الضحية أكثر من شخص، ويتحول الجاني في الخطاب العام من فرد أو مجموعة محدودة إلى ممثل مفترض لجماعة كاملة, ما يوسيع دائرة الخوف، ويثبت صور نمطية، ويفتح المجال أمام الانتقام المتبادل.
الطائفية بوصفها ممارسة سياسية واجتماعية
تتعامل بعض القراءات السائدة مع التوترات الطائفية وكأنها نتيجة تلقائية لاختلافات تاريخية راسخة، لكن التجربة السورية تظهر أن الانتماءات الأهلية تصبح أكثر حدة حين تدخل في دوائر التعبئة السياسية والإعلامية والأمنية.
الهوية، في أوقات الاضطراب، لا تبقى مجرد تعريف اجتماعي أو ثقافي، بل قد تتحول إلى أداة فرز واصطفاف.
ورد في الحصيلة توثيق مقتل 15 شخصا في عمليات تصفية ذات طابع طائفي، والرقم محدود مقارنة بإجمالي الضحايا، لكنه يحمل وزنا نوعيا كبيرا، فالجريمة الطائفية لا تقاس بعدد القتلى، بل بقدرتها على إنتاج الخوف خارج مكان وقوعها، فتنتشر آثارها عبر شبكات التواصل، وخطابات التحريض، والروايات غير المتحققة، ثم تتحول إلى ذاكرة جاهزة للاستدعاء عند كل توتر جديد.
يتشكل الخطر حين تنزع عن الجريمة خصوصيتها القانونية والجنائية، فبدل البحث عن هوية الجاني ومسؤوليته الفردية والجهة التي تقف خلفه، يجري تعميم الاتهام على جماعة كاملة.
بهذه الطريقة تنتقل الجريمة من مسرحها المحدود إلى فضاء اجتماعي واسع، وتصبح جزءا من معركة على الذاكرة والتمثيل والخوف.
القتل المتفرق وبناء السرديات الكبرى
تشير المعطيات إلى سقوط 41 شخصا في جرائم قتل منفصلة، وهذا النوع من الوقائع يكشف هشاشة الأمن المحلي، لكنه يوضح أيضا قابلية الحوادث الفردية للتحول إلى سرديات سياسية شاملة.
في المجتمعات الخارجة من نزاع طويل، يكفي أحيانا غياب التحقيق الشفاف كي تملأ الشائعات الفراغ.
تبدأ العملية عادة بخبر مقتضب، ثم تلحقه روايات غير موثقة، ثم تتدخل الحسابات السياسية والإعلامية لتمنحه تفسيرا مرتبطا بالهوية.
خلال ساعات تتحول الجريمة من واقعة مجهولة الدافع إلى دليل مزعوم على استهداف جماعة بأكملها، ويصعب لاحقا فصل الحقيقة عن السردية، خصوصا في بيئة تراجعت فيها الثقة بالمؤسسات وتعددت فيها مراكز النفوذ.
يمثل الغموض بيئة مثالية لصناعة الهويات المتصارعة، فغياب البيانات الرسمية، وتأخر التحقيقات، وندرة المحاسبة، كلها عوامل تسمح للقوى المحلية والمجموعات المسلحة وشبكات التحريض بإعادة صياغة الوقائع وفق مصالحها، وكلما طال الفراغ، تعمق الشعور بأن الأمان لا يتحقق عبر القانون، بل عبر الاحتماء بالجماعة.
الأطفال في قلب مشهد العنف
بلغ عدد الأطفال المدنيين الذين سقطوا خلال الشهر 40 طفلا وطفلة، وتوزعت أسباب الوفاة بين إطلاق النار العشوائي، ومخلفات الحرب، والحوادث المتفرقة، ووقائع أخرى، ويكشف هذا الرقم أن الأطفال ما زالوا يدفعون ثمن العنف المباشر وآثاره المؤجلة.
يمثل سقوط الأطفال لحظة شديدة الحساسية في الخطاب العام، فصورهم وأسماؤهم تتحول بسرعة إلى عناصر تعبئة، ويصبح استخدامها مسؤولية أخلاقية ومهنية مضاعفة.
تحتاج التغطية إلى توثيق دقيق، ولغة تحمي كرامة الضحايا، وتجنب تحويل المأساة إلى أداة لإشعال الكراهية.
تتطلب حماية الأطفال أكثر من إجراءات أمنية مؤقتة، وتشمل الأولويات إزالة مخلفات الحرب، وتحديد المناطق الخطرة، وتعزيز التوعية المحلية، وتطوير استجابة طبية سريعة، وملاحقة مصادر السلاح المنفلت.
كما تتطلب معالجة الخطاب التحريضي الذي يرسخ لدى الأجيال الناشئة فكرة أن الانتماء الأهلي هو مصدر الحماية الوحيد.
تعدد السلطات وتفتت المجال العام
توزعت الحوادث على مناطق كانت خاضعة لسلطات مختلفة، بما فيها مناطق الحكومة السورية ومناطق قوات سوريا الديمقراطية.
ويكشف هذا التوزع أن العنف ليس حكرا على جغرافيا واحدة، كما يؤكد أن غياب منظومة وطنية موحدة للعدالة والحماية يزيد هشاشة المدنيين.
حين تتعدد المرجعيات الأمنية والقانونية، تتراجع القدرة على إنتاج رواية موثوقة ومشتركة، تختلف لغة البيانات، وتتفاوت آليات التحقيق، وتتباين معايير التوثيق، بينما يبقى الضحايا في موقع هش.
يسهم هذا التفكك في تعزيز الهويات المحلية والفرعية، إذ يشعر السكان بأن علاقتهم بالأمن تمر عبر القوة المسيطرة على منطقتهم، لا عبر مؤسسات وطنية جامعة.
تحتاج سوريا إلى إعادة بناء المجال العام قبل الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية، ويشمل ذلك توحيد معايير التحقيق، ونشر البيانات، وضمان استقلال القضاء، وحماية الشهود، وإتاحة مسارات للمساءلة.
المجتمع الذي يفقد ثقته بالقانون يبحث عن الحماية في روابطه الأولية، وحينها تصبح الطائفة أو العشيرة أو المنطقة بديلا عن الدولة.
من وقف العنف إلى تفكيك منطقه
تكشف حصيلة أيار أن خفض عدد الضحايا، على أهميته، لا يكفي وحده لإعادة بناء السلم الأهلي، فالمطلوب تفكيك الآليات التي تجعل كل جريمة قابلة للتحول إلى صراع جماعي.
يبدأ ذلك من التحقيق الشفاف، واللغة الإعلامية المسؤولة، والامتناع عن التعميم، ومحاسبة الفاعلين وفق أفعالهم لا وفق انتماءاتهم.
تحتاج المرحلة المقبلة إلى مقاربة تربط الأمن بالعدالة، والعدالة بالذاكرة، والذاكرة بالمصالحة، كما تحتاج إلى خطاب عام يعترف بالضحايا جميعا، ويحمي التنوع السوري من التحول إلى وقود للصراع.
يبقى أخطر ما في العنف الأهلي قدرته على إعادة إنتاج نفسه عبر الخوف الذي يصبح اللغة المشتركة بين الجماعات، فتتراجع فرص السياسة ويتسع مجال الانتقام.
حماية السوريين تحتاج لعقلية الدولة لا ميليشيات تطلب ثأرا، وبناء مؤسسات قادرة على رد الجريمة إلى حجمها القانوني، ومنعها من التحول إلى هوية أو قدر جماعي.
العنف في سوريا | أيار 2026
تحول الجريمة إلى رسالة جماعية: حصيلة الضحايا (287 قتيلاً) وتفكيك آليات العنف الأهلي والطائفية كخطاب سياسي واجتماعي
الضحايا حسب الفئة
أنماط العنف النوعية
الجريمة الطائفية لا تُقاس بعدد القتلى فقط، بل بقدرتها على إنتاج الخوف وتحويل الضحية إلى راية تعبئة جماعية.

