حين تتحول المحاسبة إلى إدانة جماعية.. التحريض الطائفي في الفضاء السوري

في حزيران 2026، خرجت عبارة “محاسبة الشبيحة” من حدود الوسم السياسي إلى مساحة أوسع من الغضب الأهلي.

خلال ساعات، تحولت المنصات إلى ساحة اتهام مفتوحة، تتحرك فيها الوقائع بسرعة أكبر من القدرة على التحقق منها، ومع كل إعادة نشر، كان مطلب المحاسبة يبتعد خطوة عن معناه القانوني، ويتجه في بعض المسارات نحو ربط المتهم ببيئته ومحيطه وانتمائه.

بهذه الصورة المشهد السوري في ذلك؛ عدالة مطلوبة تتحرك داخل فضاء رقمي مثقل بخطاب طائفي، ينتظر لحظة مناسبة كي يعود إلى الواجهة.

يأتي التحريض الطائفي هنا بوصفه امتدادا لتراكم سابق في الفضاء السوري الرقمي، لا موجة معزولة عن سياقها، فظل هذا الخطاب موجودا في لغة الاتهام الجماعي، ويظهر عند كل أزمة تمنحه عنوانا واسع الانتشار، وجاء ملف “محاسبة الشبيحة” ليمنحه تلك الفرصة؛ فانتقل جزء من التفاعل من مطلب قانوني يستهدف المتورطين إلى خطاب يخلط بين الفرد والجماعة، وبين الجريمة والانتماء، وبين العدالة والانتقام.

وفق منهج تحليل الأزمات الرقمية، تتحول المنصات أثناء الأزمات إلى ورشة جماعية لصناعة المعنى، فالجمهور يبحث عن تفسير سريع للأحداث أو يتم دفعه عبر شبكات رقمية خاصة، فيجمع صورا وشهادات وأسماء ومقاطع، ثم يضعها داخل سردية كبرى.

في الحالة السورية، السردية بدأت من سؤال المحاسبة، ثم اصطدمت بإرث الحرب والانقسام والخوف وانعدام الثقة بالمؤسسات، فوجد الخطاب الطائفي فرصة للتقدم من هامش التعليقات إلى قلب النقاش العام.

“محاسبة الشبيحة” كسردية قابلة للاشتعال

حمل شعار “محاسبة الشبيحة” طاقة سياسية وأخلاقية كبيرة، فكلمة “محاسبة” تستدعي القانون والإنصاف وحقوق الضحايا، ومصطلح “الشبيحة” يستدعي ذاكرة الحرب، فالعبارة أنتج صيغة مختصرة قابلة للانتشار، تصلح للوسوم، المقاطع، اللافتات، والتعليقات.

خطورة الشعار جاءت من قابليته للتوسع، ففي معناه المحدد، يفترض أن يشير إلى أفراد أو شبكات تورطت في الانتهاكات لكن المصطلح اتسع ليشمل مناطق وعائلات وبيئات أهلية وطوائف، فتغير موقع الخطاب من عدالة تستهدف المسؤولية الفردية إلى فرز يحمل الجماعة عبء الجريمة.

يمثل هذا التحول نقطة الانزلاق الأساسية؛ تفقد المحاسبة معناها القانوني عندما تتحول الهوية أو المنطقة أو الاسم المتداول إلى قرائن اتهام، فتتراجع الوقائع أمام الصور النمطية، ويصبح التداول الرقمي نفسه عقوبة رمزية قد تفتح الطريق أمام تهديدات اجتماعية وميدانية أوسع.

التحريض كذاكرة رقمية متراكمة

اعتمدت موجة حزيران على تراكم سابق في الوعي الرقمي السوري؛ فخطاب التحريض لا يختفي، بل يبقى كامنا في اللغة المتداولة، ثم يعود عند كل حدث جديد بصياغات أكثر جاهزية وحدة.

مع تكرار هذه الدورات، يتحول القاموس السياسي المرتبط بالمحاسبة إلى قاموس أهلي ومذهبي، يختصر الوقائع في تصنيفات واسعة ويمنح الاتهام الجماعي قابلية أسرع للانتشار.

هذه الذاكرة الرقمية النشطة تمنح التحريض سرعة انتشار عالية، فالجمهور لا يبدأ من الصفر عند كل حادثة، بل يدخل إلى النقاش محملا بصور وأوصاف وسرديات سابقة، ويكفي حدث واحد أو وسم واحد لإعادة تشغيل شبكة كاملة من المخاوف والاتهامات، وكلما ارتفع الغضب، زادت قدرة الخطاب الطائفي على تقديم تفسير بسيط، فهناك جماعة مذنبة وأخرى ضحية.

التبسيط يريح الجمهور، لكنه يفتح بابا واسعا للفوضى، والتاريخ السوري أكثر تعقيدا من ثنائية الضحية والجماعة المذنبة، فالانتهاكات ظاهرة مرتبطة بظرف سياسي وأطراف مختلفة، أما الخطاب الطائفي فيختصر هذا التعقيد في هوية واحدة، ويحول الانتماء إلى دليل، والقرابة إلى شبهة، والمكان إلى لائحة اتهام.

كيف تعمل آلة الظائفية؟

الطائفية عملية تدريجية تتقدم عبر ثلاث حلقات، الأولى تبدأ بتسمية متهم أو نشر واقعة، والثانية تربط المتهم بمحيطه الأهلي أو المذهبي، وأخيرا تحويل المحيط كله إلى موضوع للاتهام أو العقاب الرمزي، ومع اكتمال هذه السلسلة، تصبح الجريمة الفردية مادة لتحريض جماعي.

تظهر هذه الآلية حين يجري توسيع دائرة الاتهام من الأفراد إلى محيطهم الاجتماعي الأوسع، فتنتقل المسؤولية من فعل محدد قابل للتحقيق إلى هوية جماعية فضفاضة، وتتحول اللغة من توصيف الانتهاك إلى إنتاج اشتباه عام.

يعمل التحريض الطائفي كاختصار عنيف للعدالة؛ فهو يتجاوز مسار التحقق والمؤسسات، ويقدم للجمهور تفسيرا سريعا وغاضبا للمسؤولية، فينتشر بسهولة في لحظات الخوف، لكنه يترك أثرا أعمق عير إضعاف قدرة المجتمع على تحويل الذاكرة المؤلمة إلى محاسبة دقيقة، وجرها نحو اشتباه جماعي مفتوح.

المنصات كغرفة تعبئة

المنصات في سوريا تتجاوز وظيفة التعبير إلى إنتاج قابلية مباشرة للتعبئة، فما يتداول رقميا يتحول سريعا إلى ضغط اجتماعي أو تحرك ميداني، خصوصا حين يصاغ بلغة طائفية تمنح الغضب هدفا محددا. فهذا الخطاب يملك أثرا ماديا يتجاوز الشاشة، فلا يكتفي بتشكيل الرأي، بل يساهم في توجيه السلوك الجماعي.

تزيد الخوارزميات هذا الأثر عبر مكافأة المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، فيتحول الخطاب المشحون إلى مادة قابلة للانتشار السريع، ومع انتقاله بين مستويات مختلفة من الفضاء الرقمي، يكتسب عناوين أكثر حدة وصيغا أكثر تعبئة، قبل أن يعود إلى المجال العام بوصفه تعبيرا عن “مزاج شعبي”.

بهذه الدورة، يصبح التحريض نتاجا مشتركا بين بنية المنصات وسلوك المستخدمين، لا مجرد موقف فردي معزول.

من الضحية إلى الجماعة المتهمة

حين تتحول السردية إلى أداة لإدانة طائفة

عندما يهيمن الخطاب الطائفي على ملف العدالة، يتراجع السؤال الأساسي حول من ارتكب الانتهاك؟ ويحل مكانه سؤال موجه سلفا عن كيفية إدخال الفعل الفردي داخل سردية تدين طائفة كاملة؟ فلا يعود النقاش منشغلا بتحديد المسؤولية، بل بإنتاج معنى جماعي للجريمة، يجعل الانتماء قرينة سياسية وأخلاقية.

تعمل هذه الآلية عبر بناء سرديات متكررة مثل سردية “الحاضنة” أو “الولاء الجماعي”، أو حتى “الصمت بوصفه شراكة”، ما يمنح التحريض قوة أكبر من الشتيمة المباشرة، لأنها تقدم الإدانة الجماعية في صيغة تفسير سياسي واجتماعي، وتحول الطائفة من جماعة أهلية متنوعة إلى طرف متهم داخل حكاية جاهزة.

يصبح الخطر أعمق من التعميم العابر، فالخطاب لا يوسع دائرة الاشتباه فقط، بل يبني إطارا تفسيريا كاملا يربط الجريمة بالهوية، ويمنح الجمهور مفاتيح جاهزة لقراءة كل حادثة لاحقة بالطريقة نفسها.

مع تكرار هذا النمط، تتحول العدالة من بحث عن الجناة إلى إنتاج ذاكرة انتقامية تدين جماعة كاملة باسم المحاسبة.

معركة سوريا على اللغة قبل القانون

ما تكشفه أحداث حزيران 2026 أن التحريض الطائفي في الفضاء السوري الرقمي صار بنية جاهزة للتفعيل عند كل أزمة.

ظهر سابقا في منشورات وتعليقات عديدة، ثم وجد في ملف “محاسبة الشبيحة” لحظة تكثيف واسعة، فتبدو المعركة الحقيقية اليوم على اللغة بقدر ما هي معركة على العدالة.

هناك لغة تضع المسؤولية على المتورطين بأسمائهم وأفعالهم وشبكاتهم، وهناك لغة تخلط بين الجريمة والهوية، وتحول العدالة إلى باب جديد للخوف الأهلي.

البلاد الخارجة من الحرب تستطيع أن تبدأ من ملف المحاسبة، لكنها ستبني سلامها فقط حين تفصل بين الحق في العدالة وإغراء الانتقام الجماعي.

الرسم البياني التفاعلي – محاسبة الشبيحة والتحريض الطائفي

من العدالة إلى الفرز الأهلي

كيف أعاد ملف “محاسبة الشبيحة” تنشيط التحريض الطائفي في الفضاء السوري الرقمي

توزيع الخطاب في الفضاء الرقمي

مراحل توسع الاتهام (حلقات التحريض)

آلية التحريض الطائفي في الأزمات الرقمية

يعكس المخطط الأيسر تحول الغضب من مطلب قانوني (محاسبة الأفراد) إلى خطاب طائفي يعمم الاتهام على الجماعة. أما المخطط الأيمن فيوضح الحلقات الثلاث للتحريض: تسمية المتهم ← ربطه بمحيطه الأهلي/المذهبي ← تحويل المحيط بأكمله إلى موضوع اتهام جماعي، وهي الآلية التي تحوّل العدالة إلى فرز أهلي.

١. تسمية المتهم
٢. ربطه بمحيطه
٣. اتهام الجماعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *