أثارت تصريحات مازن ديروان عن القمح والخبز نقاشا بدا اقتصاديا في ظاهره، لكنه في العمق يمس معنى الدولة نفسها.
حين يقال إن الحكومة لا علاقة لها بالقمح، أو إن إنتاج الخبز ليس من مسؤوليتها؛ يتحول الرغيف من مادة غذائية إلى سؤال سياسي، فما وظيفة الدولة في مجتمع أنهكته الحرب، وتراجعت فيه القدرة الشرائية، وصار الغذاء اليومي جزءا من معادلة البقاء؟
لا يتعلق النقاش بالدفاع عن مخبز حكومي فاشل، فالمسألة أعمق من ذلك، والقمح في سوريا ليس سلعة عادية تدخل السوق وتخرج منه بحسب العرض والطلب، فهو محصول سيادي، يرتبط بالأرض والمياه والطاقة والفلاح والنقل والطحن والدعم والدخل.
كل حل يتعامل معه كأنه بضاعة منفصلة عن هذه السلسلة يسقط من الحساب العنصر الأهم؛ الأمن الغذائي بوصفه ركنا من أركان بناء الدولة.
الخبز بوصفه عقدا اجتماعيا
في الدول الخارجة من النزاعات، فيتحول الخبز إلى عقد اجتماعي صامت بين الدولة والناس، فلا يطلب المواطن من السلطة أن تخبز بيدها كل رغيف، لكنه ينتظر منها ألا تتركه أمام الجوع والسوق والفوضى.
حين تعجز الدولة عن ضمان الحد الأدنى من الغذاء، يقرأ المجتمع هذا العجز بوصفه سقوطا في وظيفة الحماية، لا مجرد خلل في التموين.
ربطة الخبز لا تختصر الطحين والماء والخميرة فقط، بل تختصر الثقة في قدرة الدولة على تنظيم الحياة اليومية، فخفض وزن الربطة أو تقليص عدد الأرغفة مع تثبيت السعر ليس تعديلا فنيا، بل رسالة اجتماعية قاسية تقول إن الدعم يتراجع ولو بقي السعر على حاله.
المجتمع لا يقيسون السياسات الغذائية من خلال البيانات الرسمية، بل من خلال ما يعود إلى البيت آخر النهار.
القمح ذاكرة قوة
عرفت سوريا قبل الحرب مرحلة كان القمح فيها جزءا من صورة الدولة القوية، وحققت البلاد مستويات عالية من الاكتفاء، وارتبطت الجزيرة والفرات وحلب وحماة بخريطة إنتاج غذائي منحت دمشق هامشا في القرار الاقتصادي والسياسي.
دخلت سوريا مرحلة مفاوضات شيبردز تاون، جولة سلام سورية – إسرائيلية برعاية أميركية، عقدت في يناير 2000 لبحث الانسحاب من الجولان، وهي تستند إلى احتياطي استراتيجي ضخم من القمح، جرى الحديث عنه باعتباره كافيا لخمس سنوات.
لم يكن هذا المخزون رقما فنيا في دفاتر الحبوب فقط، بل كان جزءا من تصور الدولة لقوتها وقدرتها على الصمود وتملك هامشا أوسع في قرارها السياسي، وتدخل التفاوض وهي أقل تعرضا للضغط الخارجي.
لم يكن القمح محصولا زراعيا عاديا، بل لغة سيادة، وأداة أمان وطني، ودليلا على أن الأمن الغذائي كان حاضرا في صلب فكرة الدولة لا في هامشها.
الدولة التي تراكم القمح لا تفعل ذلك من أجل المخازن وحدها، بل من أجل الوقت، فالمخزون في أزمات الغذاء يعني قدرة على امتصاص الصدمة، وتأجيل الذعر، ومنع المضاربة، وتخفيف أثر الجفاف أو تعثر الاستيراد.
كل طن محفوظ في صومعة مدارة بكفاءة يمنح الدولة فرصة للتفاوض من موقع أقوى، بدل أن تدخل السوق العالمية تحت ضغط الحاجة العاجلة.
الدولة والسوق.. معادلة لا خصومة
يخطئ النقاش العام حين يحصر المسألة بين خيارين؛ دولة تحتكر كل شيء أو سوق يقرر كل شيء.
تثبت التجربة أن الأمن الغذائي يحتاج الاثنين معا، لكن ضمن ترتيب واضح للمسؤوليات، يستطيع القطاع الخاص أن يطحن وينقل ويخبز ويستثمر، وتستطيع الدولة أن تنسحب من الإدارة المباشرة للمخابز غير الكفؤة.
لكن ذلك لا يعني خروجها من القمح، بل انتقال دورها من تشغيل التفاصيل اليومية إلى ضمان أن تبقى سلسلة الخبز محمية من الاحتكار والعجز والانقطاع.
السوق يحتاج دولة تضبطه، لأن تحرير الخبز في مجتمع فقير بلا حماية اجتماعية لا يصنع كفاءة، بل ينقل عبء الأزمة إلى الفقراء.
تبدو المقارنة مع الدول الغنية مضللة إذا اقتصرت على سؤال هل تخبز الحكومة هناك؟ فالسؤال الأصح كيف تضمن تلك الدول أن المواطن يستطيع شراء غذائه؟ الدول لا تنسحب من الغذاء، بل تغير أدوات تدخلها كي يبقى المواطن قادرا على الشراء.
الفلاح أول خط دفاع
تبدأ السيادة الغذائية من الحقل لا من الفرن، فكل سياسة خبز لا تجعل الفلاح قادرا على الإنتاج والتسويق تبقى ناقصة، لأن ضعف المردود في بداية السلسلة يظهر لاحقا في المخبز، إمّا على شكل عجز في الطحين، أو ارتفاع في الكلفة، أو اتساع في الاعتماد على الاستيراد.
عمليا، دعم الزراعة استثمار في الدولة نفسها، فحين يصبح الفلاح قادرا على إنتاج القمح بثقة، تصبح الصومعة امتدادا للحقل، ويصبح الرغيف نتيجة مباشرة لعلاقة مستقرة بين الريف والمركز.
الاستيراد ليس بديلا عن التخطيط
تحتاج سوريا إلى الاستيراد في مراحل العجز، وهذا أمر لا مفر منه، لكن تحويل الاستيراد إلى بديل دائم عن الإنتاج المحلي يضع الأمن الغذائي تحت رحمة الخارج.
القمح المستورد لا يصل إلى الرغيف إلا بعد عبور شبكة من المخاطر. لذلك لا يكون الاستيراد بديلا عن التخطيط، بل أداة مساعدة عندما تملك الدولة إنتاجا محليا ومخزونا يخففان ضغط الخارج.
القوة الحقيقية لا تعني الاكتفاء الكامل في كل سنة، فهذا هدف يصعب ضمانه في بلد يتعرض للجفاف وتراجع الموارد.
القوة لا تعني الاكتفاء الكامل في كل موسم، بل امتلاك هامش أمان يمنع الخارج من التحكم بالرغيف، بهذه المعادلة يصبح الاستيراد أداة مساعدة، لا قيدا على القرار الوطني.
إصلاح الدعم لا كسر الرغيف
تحتاج منظومة دعم الخبز إلى إصلاح عميق، لكن لا يبدأ بكسر الرغيف، بل تحويل الدعم من عبء مفتوح على الخزينة إلى أداة حماية دقيقة، تمنع الهدر من دون أن تترك الفقراء وحدهم أمام السعر.
المطلوب طريق ثالث بين الفوضى والاحتكار؛ دعم أذكى، وأقل هدرا، وأكثر قدرة على حماية من يحتاجونه فعلا.
تبنى الدولة حين يشعر المواطن أن حاجاته الأساسية ليست متروكة للصدفة. فالخبز الذي يصل بكرامة لا يطعم الجسد وحده، بل يثبت الثقة بأن هناك نظاما قادرا على حماية الحياة اليومية.
الأمن الغذائي جزءا من الشرعية الحديثة، فهو لا يمنح السلطة تفويضا مفتوحا، لكنه يضع أساسا للثقة، فالدولة التي تحمي الخبز تحمي الحد الأدنى من الاستقرار، والدولة التي تترك الغذاء للسوق وحده في مجتمع فقير وممزق تخاطر بتحويل الرغيف إلى مصدر غضب.
القوة ليست في أن تخبز الحكومة كل رغيف، بل أن تضمن ألا يصبح رهينة للعجز أو الاحتكار أو الخارج.
الأمن الغذائي · القمح والخبز
إنتاج القمح المحلي والاستيراد (ألف طن)
سعر الخبز وتكلفة الدعم (مؤشر)
محطات سياسة القمح والخبز
الخبز كعقد اجتماعي
في مجتمع ما بعد الحرب، الخبز ليس سلعة، بل اختبار لشرعية الدولة. تراجع الدعم ووزن الربطة يقرأ كتراجع في الحماية.
القمح ذاكرة قوة
المخزون الاستراتيجي كان جزءاً من القوة التفاوضية (شيبردز تاون). اليوم، ضعف المخزون يضعف هامش القرار الوطني.
الدولة والسوق: تكامل لا خصومة
الانسحاب الكامل من القمح يترك الفقراء للسوق. المطلوب دعم ذكي، لا إلغاء، مع حماية الفلاح وسلسلة التوريد.
الفلاح أول خط دفاع
سياسة الخبز تبدأ من الحقل. دعم الفلاحين والتسويق العادل هو الاستثمار الحقيقي في الأمن الغذائي.

