تبدو أزمة تقليص مساعدات برنامج الأغذية العالمي في سوريا خبرا إنسانيا مألوفا في بلد أنهكته الحرب، غير أن القراءة الأعمق تكشف عن لحظة أكثر تعقيدا، فالتمويل الدولي يتراجع قبل أن يتراجع الجوع، وشبكات الأمان تسحب قبل أن تستعيد الدولة والمجتمع القدرة على إنتاج بدائل مستقرة.
عمليا فإن البرنامج أعلن عن خفض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا بنسبة 50%، من 1.3 مليون مستفيد إلى 650 ألفا فقط، مع وقف برنامج دعم الخبز الذي كان يساند أكثر من 300 مخبز ويوفر خبزا مدعوما لما يصل إلى أربعة ملايين شخص يوميا.
هذا الأمر يتجاوز أزمة “مساعدات” بالمعنى الإداري، ويصبح إشكالية عقد اجتماعي مصغر يتكثف في رغيف الخبز، وهو أكثر السلع التصاقا بالاستقرار اليومي، حيث أصبح رهينة لفجوة تمويل خارجية، ويغدو السؤال من يدفع كلفة انهيار التوازن بين السوق والدولة والمجتمع؟
حين يفشل السوق ولا تكفي الصدقة
الأسواق لا تنتج العدالة تلقائيا، ولا تعيد توزيع المخاطر بصورة أخلاقية أو عقلانية في المجتمعات الهشة، وفي سوريا يتقاطع فشل السوق مع ضعف الدولة وتراجع المانحين، والنتيجة ليست ارتفاعا في الأسعار فحسب، بل انتقال الخطر من المؤسسات إلى الأسر الفقيرة.
يستطيع السوق، نظريا، توفير الخبز لمن يملك ثمنه، لكنه يعجز عن حماية من تراجعت دخولهم بفعل انهيار سبل العيش، وكان دعم الخبز آلية لتصحيح فشل السوق، لا منحة عابرة، وعندما يسحب هذا التصحيح فجأة، لا يعود السعر مؤشرا اقتصاديا محايدا، بل يتحول إلى أداة فرز اجتماعي بين من يأكل ومن يختصر وجبته.
التمويل الإنساني كسياسة تقشف عالمية
رواية برنامج الأغذية العالمي تتحدث عن أن الخفض مدفوع حصرا بقيود التمويل ولا بتراجع الاحتياجات، وهذه الجملة تختصر التحول الأخطر في النظام الإنساني الدولي، فالاحتياج يتسع، بينما الموارد تنكمش، والأمر لا يتعلق بسوريا وحدها؛ حيث خفضت الأمم المتحدة نداءاتها الإنسانية لعام 2026 تحت ضغط تراجع التمويل، في وقت بقيت فيه سوريا بين أكبر ساحات الاحتياج.
المفارقة أن الدول الغنية تتعامل مع المساعدات كتكلفة قابلة للضغط في موازناتها، بينما تدفع المجتمعات الفقيرة الكلفة الحقيقية على شكل سوء تغذية، وتسرب من التعليم وديون أسرية، وزواج مبكر أو عمالة أطفال.
التقشف في الشمال يتحول إلى هشاشة في الجنوب، فالقرار المالي البارد في عاصمة مانحة يترجم نفسه، بعد أسابيع، إلى طابور أطول أمام مخبز أو وجبة أقل على مائدة عائلة نازحة.
القمح كأمن قومي مؤجل
تزيد أزمة القمح من خطورة وقف دعم الخبز، حيث واجهت سوريا جفافا شديدا خفض إنتاج القمح بنحو 40%، مع تقديرات لعجز يبلغ 2.73 مليون طن متري، في بلد يحتاج إلى نحو أربعة ملايين طن سنويا.
هذه الأرقام تجعل الخبز أكثر من سلعة غذائية، فهو مؤشر على قدرة السلطة الانتقالية على إدارة الندرة، فتراجع الإنتاج المحلي، وتعثر القدرة على الاستيراد، فيضعف التمويل الإنساني، ويدخل المجتمع في مثلث خانق من ندرة في العرض وفقر في الطلب، وانكماش في الدعم، وهذه ليست دورة سوق طبيعية، بل دائرة فشل مركب.
اللامساواة داخل الجوع
يظهر برنامج الأغذية العالمي أن 7.2 مليون شخص في سوريا يعانون انعداما حادا في الأمن الغذائي، بينهم 1.6 مليون في ظروف جوع شديدة، بينما تشير صفحة البرنامج القطرية إلى 9.1 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي و7.2 مليون نازح داخليا.
تكمن مشكلة الأرقام الكبيرة في أنها توحي بأن الجوع يصيب الجميع بالطريقة نفسها، بينما الواقع أكثر تفاوتا، فالأسرة النازحة لا تملك أدوات الصمود ذاتها التي تملكها أسرة مستقرة في بيتها، والمرأة المعيلة تواجه أعباء مختلفة عن رب أسرة لديه أرض أو دخل ثابت، كما أن سكان المناطق الطرفية يدفعون ثمنا أعلى من سكان المدن القريبة من الأسواق والمنظمات.
إن خفض المساعدات من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفا ليس تقليصا في عدد المستفيدين، بل يعني أن الفئات الأضعف ستدفع إلى مرتبة أدنى في سلم النجاة.
هشاشة الاستقرار السياسي
يراهن بعض المانحين على أن تراجع القتال في مناطق من سوريا يسمح بخفض المساعدات، وهذا الرهان يخلط بين الهدوء الأمني والتعافي الاجتماعي.
الاستقرار لا يقاس فقط بعدد الجبهات الساكنة، بل بقدرة الأسرة على شراء الخبز، وبقدرة المدرسة على إبقاء الأطفال، والسوق على خلق دخل لا يذل صاحبه.
تملك هذه النقطة حساسية سياسية خاصة، فالمجتمعات الخارجة من الحرب لا تنهار دائما بسبب عودة المعارك، بل تتفكك بسبب عجز الحياة اليومية عن استعادة الحد الأدنى من الكرامة، فيصبح سحب شبكة الخبز رسالة اجتماعية خطرة، فالعالم مستعد للاحتفاء بالاستقرار، لكنه أقل استعدادا لتمويل شروطه.
اقتصاد إنساني بلا ذاكرة مؤسسية
تكشف الأزمة أيضا عيبا بنيويا في إدارة المساعدات، عبر الاعتماد على برامج قصيرة الأجل لمعالجة مشكلات طويلة الأمد.
دعم الخبز يمس الزراعة والمطاحن والطاقة والنقل والأجور وسعر الصرف، ويحتاج إلى سياسة عامة متكاملة، لا إلى تمديد تمويلي موسمي، فحين يبنى نظام غذائي محلي على منح مؤقتة، يصبح كل تأخير في التعهدات الدولية صدمة معيشية.
من منظور اقتصادي نقدي، كان المطلوب أن يتحول دعم الخبز تدريجيا إلى جسر نحو إنتاج محلي أقوى، لا إلى بديل دائم عن الدولة، فالاستثمار في الري، وإصلاح سلاسل القمح، ودعم صغار المزارعين، وتحسين الشفافية في شراء الحبوب، كلها أدوات تقلل الاعتماد على الإغاثة.
الاكتفاء بتمويل الطحين ثم الانسحاب عند أول أزمة موازنات يحول البرنامج الإنساني إلى مسكن سياسي قصير المفعول.
الأزمة الحالية ليست نقصا سيولة لدى وكالة أممية فحسب، بل نتيجة التقاء ثلاث حلقات من تراجع التمويل الدولي، وهشاشة إنتاج القمح، وعجز الدولة والمجتمع عن امتصاص صدمة الأسعار بعد سنوات الحرب.
كلفة ترك الفقراء وحدهم مع السوق أعلى من كلفة حمايتهم، ففي سوريا، سيظهر ثمن تقليص المساعدات في الصحة والتعليم والأمن المحلي والهجرة والديون الأسرية، ويبدو وقف دعم الخبز وفرا ماليا في دفاتر المانحين، لكنه في ميزان المجتمع السوري دين مؤجل بفوائد قاسية.

