خرج لقاء الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في 4 آب 2026 دون بيان تنفيذي يوضح ما أنجز من اتفاق 29 كانون الثاني، أو يحدد موعد انتقال المؤسسات العسكرية والإدارية إلى سلطة الدولة.
يصعب اختصار الحدث كخلاف بين سلطة دمشق والقيادة الكردية، لأن الصراع يدور حول الجهة التي تدير الأرض والسكان والموارد وشبكات الحركة في شمال شرقي سوريا.
العلاقة منذ أول اتفاق في آذار 2025 بدت كمساحة احتكاك تم ضبطها إقليميا، وقدمت الوقائع اللاحقة أن “جغرافية قسد” أخطر من أن تبقى خارج إطار الضغط الإقليمي، فالمسألة لا ترتبط فقط بالتناقض بين بنية قصد سياسيا وثقافيا مع السلطة في دمشق، بل أيضا بتصور سوريا كأقاليم محكومة بجغرافية خاصة.
السؤال الأساسي هل ينتهي الدمج باستعادة الدولة احتكار السلاح وإدارة النفط والحدود، أم ينتج صيغة تحتفظ فيها قسد ببنية منظمة داخل غطاء رسمي؟
عمليا فإن الإشكالية بالسيطرة الفعلية على العقد الجغرافية، لا على رفع العلم أو تغيير أسماء الإدارات.
اتفاق واسع وآلية تنفيذ متعثرة
أرسى اتفاق 18 كانون الثاني إطارا من 14 بندا شمل وقف إطلاق النار، وانسحاب تشكيلات قسد إلى شرق الفرات، وتسليم الرقة ودير الزور، ودمج مؤسسات الحسكة، ووضع حقول النفط والغاز والمعابر الحدودية تحت إدارة الدولة.
نص الاتفاق أيضا على دمج عناصر قسد والأمن الداخلي بصورة فردية في وزارتي الدفاع والداخلية، وتسليم ملف معتقلي تنظيم الدولة والمخيمات إلى الحكومة.
أضاف الاتفاق الشامل المعلن في 29 كانون الثاني صيغة أكثر مرونة، تضمنت تشكيل فرقة عسكرية من ثلاثة ألوية تابعة لقسد، إلى جانب لواء من قوات عين العرب مرتبط بفرقة تتبع لمحافظة حلب.
احتفظت الدولة بمبدأ الدمج الفردي داخل هذه الوحدات، وتعهدت باستيعاب الموظفين المدنيين وضمان الحقوق الثقافية والتعليمية للكرد وعودة المهجرين.
جاء اللقاء الحالي بعد أكثر من ستة أشهر على الاتفاق، بينما اكتفى البيان الرسمي بالحديث عن مراجعة التقدم واستكمال الدمج.
يكشف استمرار التفاوض أن المشكلة تجاوزت توقيع الوثائق ووصلت إلى توزيع القيادة والميزانيات والمناصب والسلطة المحلية.
الخريطة الحقيقية ترسمها العقد لا الحدود الإدارية
تكشف بنود الاتفاق خريطة نفوذ تختلف عن الخريطة الإدارية للمحافظات.
تتوزع المراكز الحاسمة بين مدينتي الحسكة والقامشلي، وحقول رميلان، والطرق المؤدية إلى العراق وتركيا، والمعابر الحدودية، وشبكات المياه والكهرباء والري المتصلة بالفرات.
تمنح السيطرة على هذه العقد صاحبها إمكانية تنظيم الحركة وتحصيل الإيرادات وتوزيع الخدمات.
جاءت مباحثات تطوير رميلان مع شركة HKN الأميركية بالتزامن مع لقاء الشرع وعبدي، وطرحت رفع إنتاج الحقول إلى نحو 200 ألف برميل يوميا، فأصبحت مسألة النفط جزءا من تعريف الدولة نفسها؛ فتحتاج سلطة دمشق إلى الإيرادات والطاقة لتمويل إعادة الإعمار، بينما ترى الإدارة الذاتية في الموارد ضمانة لتمويل مؤسساتها والتفاوض على موقعها داخل النظام الجديد.
تحمل الأرض الزراعية وزنا مماثلا، حيث قدرت منظمة الأغذية والزراعة إنتاج الحبوب السوري في 2025 بنحو 1.2 مليون طن، أي أقل من المتوسط بأكثر من 60%، مع حاجة إلى استيراد ثلاثة ملايين طن من القمح خلال موسم 2025–2026.
سجلت الحسكة والرقة ضمن المحافظات المتضررة من الجفاف وانعدام الأمن الغذائي، وتحول هذه الأرقام السيطرة على القمح والطرق والصوامع من شأن محلي إلى مسألة أمن غذائي وطني.
السلاح بين دمج الأفراد وبقاء الكتلة المنظمة
يمثل شكل الدمج العسكري أكثر النقاط حساسية، فتريد سلطة دمشق أفرادا يخضعون للفحص الأمني والتسلسل القيادي وقواعد الانتشار الوطنية، لأن استمرار جيش منظم داخل الجيش يخلق مركز قرار موازيا.
أما قسد فتسعى إلى حماية بنيتها من التفكيك الكامل، وإبقاء وحدات مترابطة تمنحها وزنا سياسيا وضمانة في مواجهة تغير التوازنات.
يعكس الخلاف على وحدات حماية المرأة هذا التباين، فطرحت الإدارة الذاتية إدخالها ضمن وزارة الدفاع، بينما ظهر اتجاه لإلحاقها بوزارة الداخلية كتشكيل لمكافحة الإرهاب، يوضح هذا التناقض بعدا يتجاوز مكان الوحدة في الهيكل التنظيمي، لأنها تتصل بالقيادة والسلاح والعقيدة العسكرية والانتشار الجغرافي.
أظهرت القوائم الأولية لدمج قوات الأمن الداخلي نحو تسعة آلاف عنصر، بينهم ألف امرأة، مع إخضاعهم لمقابلات وفحص الوثائق والكفاءة والأهلية القانونية، وكانت السلطات تريد إنجاز معظم العمل خلال تموز، لكن استمرار المفاوضات في آب يشير إلى أن الإجراءات الفنية لم تحسم الخلاف السياسي.
يحافظ الدمج الشكلي على الانقسام تحت مسميات رسمية جديدة، بينما يفتح التفكيك السريع فراغا أمنيا في منطقة ما زالت تواجه خلايا تنظيم الدولة وشبكات تهريب وحدودا طويلة، وتحتاج الصيغة المستقرة إلى قيادة موحدة وانتشار متفق عليه وضمانات تمنع تحول الخصوصية المحلية إلى استقلال عسكري.
السكان والشرعية: من يحكم ولصالح من؟
تضم الحسكة والقامشلي وريفهما مجتمعات كردية وعربية وسريانية وآشورية، مع تفاوت بين المدن والأرياف في المصالح والتمثيل والوصول إلى الموارد.
تفرض هذه البنية سؤالا يتجاوز هوية القوة العسكرية، فمن يقرر توزيع عائدات النفط والقمح؟ ومن يعين المسؤولين المحليين؟ وكيف تمثل المجتمعات التي عاشت سنوات تحت سلطات متعاقبة؟
الاتفاق اعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، ومعالجة أوضاع غير المسجلين ومطالب الملكية المتراكمة، كما نص على تعيين مرشح لمنصب محافظ الحسكة والإبقاء على شرطة محلية في عين العرب مرتبطة بوزارة الداخلية.
من المفترض وفق تصور سلطة دمشق أن تمنح هذه البنود الدولة فرصة لبناء شرعية تقوم على المواطنة والتمثيل والخدمات، بدلا من الاكتفاء بنقل السيطرة الأمنية.
تكشف معادلة الدمج أن توسيع حضور مؤسسات الدولة لا يساوي تلقائيا استعادة الوحدة؛ فالمركزية التي لا تضمن الحقوق والتمثيل المحلي والتوزيع العادل للموارد تعيد إنتاج السيطرة تحت غطاء مؤسسي.
تواجه قيادة قسد اختبارا موازيا، فلا يمكنها تحويل نفوذها العسكري وصلاتها الخارجية إلى تفويض سياسي دائم من دون تمثيل تعددي ومحاسبة مالية وإدارية واندماج واضح في الإطار الوطني السوري.
وفق هذا السياق فإن شرعية الطرفين تتحدد بقدرتهما على بناء تسوية تجعل السكان شركاء في الحكم، لا موضوعا لتقاسم النفوذ.
تركيا والولايات المتحدة وحدود القرار المحلي
تنظر تركيا إلى الملف من زاوية أمن حدودها وإنهاء الصلة بين قسد وحزب العمال الكردستاني، حيث رحبت وزارة الخارجية التركية باتفاق الدمج على أساس وحدة الأراضي السورية، وربطت دعمها بالتنفيذ الفعلي ومكافحة التنظيمات التي تصنفها إرهابية.
أما الدور الأميركي فيظهر عبر مكافحة تنظيم الدولة، وتأمين المنشآت التي احتجز فيها مقاتلوه، والوساطة بين سلطة دمشق وقسد، وينص الاتفاق نفسه على استمرار التنسيق مع التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، ما يمنح واشنطن تأثيرا في توقيت الدمج وترتيباته الأمنية.
تلتقي المصلحة التركية والأميركية عند منع عودة تنظيم الدولة والحفاظ على الاستقرار، بينما تختلفان في تعريف الخطر الكردي وشكل القوات المحلية المقبول، ويمنح هذا التفاوت قسد مجالا للمناورة، لكنه يربط موقعها بتفاهمات خارجية يمكن أن تتغير أسرع من التوازنات الاجتماعية داخل سوريا.
مسار متعرج
تتحرك التسوية بين سلطة دمشق وقسد على مستويات غير متزامنة، فيمكن أن يتقدم الحضور الإداري للدولة في الحسكة والقامشلي، بينما تبقى البنية العسكرية وآليات إدارة الموارد خارج الحسم.
ينتج عن هذا التفاوت وضع هجين تتسع فيه الدولة جغرافيا قبل أن تتوحد مؤسساتها.
تبدأ النقلة الحاسمة عندما تنتقل المفاوضات من تنظيم وجود الطرفين إلى تحديد مرجعية القرار، فاحتفاظ قسد بسلسلة قيادة مستقلة داخل غطاء رسمي يعيد إنتاج ازدواجية السلطة من داخل المؤسسات، بينما يرفع تفكيك بنيتها دفعة واحدة مخاوف السكان ويهدد الاستقرار المحلي، ويكمن جوهر التسوية في نقل القوة إلى الدولة من دون تحويل الدمج إلى إقصاء سياسي أو أمني.
يعمل الزمن والضغط الخارجي داخل هذه العملية، فتستخدم سلطة دمشق تقدمها الإداري لتقليص هامش قسد، فيما تستخدم قسد تماسكها العسكري لحماية موقعها التفاوضي، وتغير التحولات في الموقفين التركي والأميركي كلفة التنازل لدى الطرفين، ويمكن أن تظهر أزمات موضعية من دون انهيار الاتفاق، كما يمكن أن يستمر الهدوء بينما يترسخ الانقسام المؤسسي.
المؤشر الحاسم ليس توقيع وثيقة جديدة، بل توقف الحاجة إلى تفاوض منفصل على كل خطوة تنفيذية، فاستمرار مرجعيتين للقرار يعني أن الاتفاق نظم الانقسام، أما انتقال الخلافات إلى مؤسسات واحدة قابلة للمحاسبة فيعني أن بنية الدولة بدأت تستوعبها.
هل يجري الدمج أم تدار الأزمة؟
تفتح الفجوة بين كثافة اللقاءات وبطء التنفيذ احتمال أن تؤدي المفاوضات وظيفة مزدوجة، فتمنح سلطة دمشق فرصة لترسيخ صورتها بوصفها مركز الدولة الموحدة، وتتيح لقسد الاحتفاظ بمؤسساتها وسلاحها داخل مناطق نفوذها الأساسية.
يعزز تعثر دمج القوات واستمرار الخلاف حول التعليم ووحدات المرأة وعودة المهجرين احتمال تحول الحوار إلى صيغة مؤقتة لإدارة التعايش، أكثر من كونه مسارا مكتمل الشروط لنقل السلطة.
في المقابل، تمنع التطورات التنفيذية اختزال المشهد في عملية لكسب الوقت، حيث دخلت قوات وزارة الداخلية إلى مراكز الحسكة والقامشلي، وعين مبعوث رئاسي لمتابعة التنفيذ، وبدأت مقابلات عناصر الأمن، وعادت مؤسسات وطرق إلى العمل.
نقلت هذه الخطوات الصراع من خطوط التماس إلى البنية اليومية للدولة، حيث أصبحت المكاتب والسجلات والرواتب وسلاسل القيادة ساحات لتحديد من يملك القرار وكيف توزع الصلاحيات، وتدور المواجهة الحالية حول مضمون الدولة وعلاقة المركز بالأطراف داخل مؤسساتها، لا حول حدود منطقة مسلحة وحدها.
السيادة تبدأ من طريقة إدارة المكان
تتحدد قيمة لقاء الشرع وعبدي بقدرته على حسم مرجعية القرار وحدود الصلاحيات، وهي الموضوع الغائب عن البيان المعلن.
المسألة بعد لقاء آب ليست عودة الدولة إلى الخريطة، بل نوع الدولة التي ستعود إلى شرق الفرات، عبر اتفاق يعيد توزيع السلطة داخل مؤسسات قابلة للمحاسبة ويثبت حقوق السكان يمكنه تفكيك الانقسام، بينما يحول الاتفاق الذي يبقي مرجعيتين للقرار هذا الانقسام إلى صيغة أكثر هدوءا وأطول عمرا.
عند هذه النقطة يصبح الفرق بين الوحدة وإدارة الانقسام مرئيا في حياة السكان، لا في لغة البيانات.

