اختار مظلوم عبدي، قائد قوات قسد، مئوية تأسيس القامشلي ليعلن نهاية مرحلة سياسية وعسكرية امتدت أكثر من عقد.
عبدي أوضح أن دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لـ”قسد” في مؤسسات الدولة السورية “تم وانتهى”، ثم نقل مركز الصراع إلى الدستور، مؤكدا استمرار العمل لتثبيت حقوق الأكراد.
جمعت العبارة بين إقرار بانتهاء سلطة موازية ومحاولة لحفظ مضمون سياسي داخل الدولة الجديدة، فالسؤال حول طبيعة الدولة التي استوعبتها، فهل جرى توحيد السلطة العامة، أم نقلت أدوات القوة من بنية محلية مسلحة إلى مركز رئاسي شديد التركيز؟
إعلان يسبق اكتمال التفاصيل
القيمة السياسية لتصريح عبدي أكبر من قيمته الإجرائية، فعرض الدمج بوصفه عملية منجزة، من دون أن يشرح مصير سلسلة القيادة أو قواعد الترقية والتسليح والانضباط داخل الوحدات المدمجة.
وأشارت تغطية وكالة فرانس برس إلى غياب شرح لهذه الآلية، رغم دخول القوات الحكومية إلى الحسكة والقامشلي وانتقال إدارة مطار القامشلي وحقول نفط رئيسية إلى سلطة دمشق، ما يعني أن عناصر السيادة انتقلت بالفعل، بينما بقي الشكل النهائي للقوة المسلحة أقل وضوحا من الإعلان السياسي.
جاءت المفارقة من سلطة دمشق قبل التصريح بيوم واحد، حيث قال أحمد الهلالي، المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، إن العمل مستمر على ملفات مهمة وصلت إلى مراحلها النهائية.
تكشف المسافة بين “الانتهاء” في خطاب عبدي و”المراحل النهائية” في خطاب الدولة اختلافا في تعريف الدمج، لا مجرد خلاف على الوقائع، فيرى عبدي أن التخلي عن المؤسسات المستقلة أنهى المرحلة السابقة، بينما تنظر السلطة المركزية إلى الدمج كسلسلة عمليات لا تكتمل قبل انتقال الأمر والتمويل والتعيين والرقابة إلى الوزارات.
ميزان القوة كتب الاتفاق
بدأت الصيغة الراهنة من ميدان تغير مطلع 2026 مع رفع الغطاء الأمريكي عن “قسد”، لا من توافق نظري حول شكل الدولة.
خسرت “قسد” معظم نفوذها في الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف حلب، وتراجعت معها قدرتها على استخدام الأرض والموارد في التفاوض.
نقلت سلطة دمشق المعابر وحقول النفط والغاز وملف سجون تنظيم “داعش” إلى قلب المساومة، وربطت الاعتراف بالحقوق الكردية بإنهاء الاستقلال العسكري والإداري، وجاء مرسوم 16 كانون الثاني للاعتراف بالأكراد مكونا أصيلا ومعالجة آثار إحصاء 1962، ثم دفع اتفاق 29 كانون الثاني نحو دمج تدريجي أكثر مرونة من صيغة الحل الفردي الفوري.
هذا التسلسل يجعل الدمج نتيجة لتفاوت القوة بين الطرفين، فاحتفظت “قسد” بكتلة بشرية مدربة وبشبكات أمنية وإدارية محلية، لكنها فقدت المجال الجغرافي والموارد والدعم الخارجي اللازم لتحويل هذه الأدوات إلى مشروع سلطة مستقل.
امتلكت سلطة دمشق الشرعية الدولية الصاعدة، والقدرة على توظيف الضغط التركي، وقبولا أمريكيا بإنهاء الازدواج المؤسسي.
حمت الصيغة التدريجية المنطقة من معركة مكلفة، ومنحت المركز ما يريده على مستوى السيادة، وأعطت القيادة الكردية طريقا منظما للخروج من تجربة الحكم الذاتي.
الدمج هو انتقال القرار
المعيار الحاسم لا يكمن في بقاء المقاتلين ضمن ألوية متماسكة أو استمرار الموظفين في مكاتبهم، فتستطيع الدولة استيعاب القوة البشرية السابقة من دون تفكيكها ميدانيا، شرط امتلاكها القرار النهائي في الرواتب والتسليح والانتشار والعقوبات والتعيينات.
ظهرت خلال المفاوضات صيغة تضم أربعة ألوية موزعة بين كوباني ومناطق الحسكة، بالتوازي مع دمج قوات الأمن المحلي في وزارة الداخلية، فيصبح وجود هذه التشكيلات جزءا من الدولة عندما تتبع قيادتها الفعلية للوزارة، بينما تتحول إلى حكم ذاتي مقنع إذا احتفظت بقنوات تمويل وأوامر مستقلة.
نفذت الأطراف خطوات ملموسة، فدخلت قوات وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، وعين نور الدين أحمد عيسى محافظا للحسكة، وتولى القيادي الكردي سيبان حمو منصب مساعد وزير الدفاع للمنطقة، وبدأ دمج قطاعات خدمية وموظفين محليين.
تعكس هذه الترتيبات نموذجا للاستيعاب عبر المواقع لا للاقتلاع الشامل، وهي تمنح سلطة دمشق واجهة وطنية أوسع، وتحفظ خبرة محلية تحتاج إليها محافظة ذات تركيبة سكانية معقدة وحدود حساسة وعبء أمني مرتبط بخلايا «داعش» والسجون والمخيمات.
سلطة مركزية في طور التأسيس
السلطة التي تستوعب “قسد” ليست دولة مكتملة التوازن بين المؤسسات، فالإعلان الدستوري أسس مرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات ضمن نظام رئاسي قوي من دون رئيس للحكومة، ومنح الرئيس صلاحيات واسعة في تعيين الوزراء وأعضاء المحكمة الدستورية وقيادة القوات المسلحة.
وشكل الرئيس اللجنة المشرفة على اختيار ثلثي مجلس الشعب، ثم عين الثلث المتبقي مباشرة، وأظهر تشكيل المجلس المؤلف من 210 أعضاء في تموز 2026 استمرار هذا البناء من أعلى إلى أسفل، مع صلاحيات تشريعية محدودة للتعامل مع السلطة التنفيذية.
هذه الطبيعة تجعل عملية الدمج استيعابا داخل هرم سلطوي قائم، لا اندماجا بين مؤسستين متساويتين.
تسعى سلطة دمشق إلى احتكار السلاح والقرار السيادي بوصفه شرطا لإعادة بناء الدولة، فالجيش الموحد والموازنة الواحدة وإدارة الحدود والموارد من مركز واحد شروط ضرورية لمنع تحول سوريا إلى مجموعة مناطق مسلحة.
يحمل المسار خطرا واضحا، لأن إنهاء التعدد المسلح لا يضمن وحده قيام رقابة سياسية أو توزيع عادل للسلطة.
ما الذي بقي لعبدي؟
نقل عبدي المعركة من الجغرافيا إلى القانون، فخسر مشروع الإدارة الذاتية أدواته السيادية، لكنه احتفظ بقضية سياسية تتعلق باللغة والتعليم والتمثيل والإدارة المحلية وحقوق الملكية وآثار سياسات التعريب.
جاءت عبارته عن الدستور لتقول إن قبول الدولة الواحدة ليس تفويضا مفتوحا للمركز، وتظهر هنا مفارقة التوقيت، فالقيادة الكردية سلمت القسم الأكبر من أدوات الضغط قبل تثبيت التسوية الدستورية النهائية، فأصبحت قدرتها على انتزاع الضمانات مرتبطة بالتزام سلطة دمشق وبالضغط الدولي أكثر من ارتباطها بالسيطرة على الأرض.
تكشف عملية الدمج مشكلة أوسع في بنية المرحلة الانتقالية، فانتقلت حقول النفط ومطار القامشلي والمدن والمؤسسات إلى السلطة المركزية، بالتوازي مع تراجع الدور الأمريكي كحام مباشر لـ”قسد”، لكن توحيد أدوات السيادة جرى داخل نظام رئاسي شديد التركيز، تتمتع فيه السلطة التنفيذية بنفوذ واسع على التشريع والقضاء والتعيينات.
تمثل استعادة الدولة لاحتكار القرار خطوة ضرورية لإنهاء الانقسام، من دون أن تشكل دليلا كافيا على اكتمال الشرعية السياسية.
تقاس المرحلة الانتقالية بقدرتها على تحويل السوريين، ومنهم الأكراد، من جماعات يجري استيعابها أو تمثيلها بقرارات فوقية إلى مواطنين وشركاء تحمي حقوقهم مؤسسات مستقلة وقواعد دستورية ملزمة للسلطة نفسها.
اختبار العام القادم
المسار الأكثر ترجيحا هو استيعاب مركزي تدريجي يحافظ مؤقتا على كوادر محلية وتشكيلات عسكرية متقاربة، ثم يعيد توزيع قياداتها ومواردها داخل وزارتي الدفاع والداخلية.
يظل المسار البديل كامنا في بقاء قيادة موازية خلف التسميات الرسمية، بما يعيد التوتر عند أول خلاف على الانتشار أو الموارد.
ستكشف سجلات الرواتب وأوامر الانتشار وتعيينات قادة الألوية والرقابة على النفط حجم انتقال القرار الحقيقي، وستوضح مناهج التعليم وقانون الإدارة المحلية ونصوص الدستور إن كان الدمج وحد الدولة أم اكتفى بتوسيع جهازها المركزي.
يمثل تصريح عبدي نهاية حقبة أكثر مما يمثل كشف حساب نهائيا، فانتهت قدرة “قسد” على التفاوض كسلطة إقليمية مستقلة، وبدأت قدرتها على العمل كقوة سياسية داخل نظام مركزي ناشئ.
نجحت سلطة دمشق بدعم تركي أميركي غير محدود في استعادة مفاتيح الجغرافيا والموارد، لكن نجاح الدولة سيقاس بقدرتها على بناء عقد سياسي لا يختزل الوحدة في الطاعة، وعند تلك النقطة يصبح الدمج انتقالا من الحرب إلى الدولة، لا عبورا من تعدد السلطات إلى سلطة واحدة بلا توازنات.
مئوية تأسيس القامشلي
مرور مئة سنة على تأسيس مدينة القامشلي (التي تأسست رسمياً في 20 آب/أغسطس 1926 إبان فترة الانتداب الفرنسي) يعني اكتمال قرن كامل من العراقة والتحول المدني والاقتصادي والسياسي، لتتحول من مجرد مستنقعات قصب ممتدة على ضفاف نهر جقجق إلى واحدة من أهم المدن وأكثرها تميزاً في شمال شرقي سوريا، وهذه المئوية تختزل معاني وقيم تاريخية هامة، تشمل التأسيس الحديث المخطط حيث بُنيت المدينة بناءً على تخطيط عمراني وضعه مهندسون فرنسيون؛ لذا عُرفت بـ “باريس الصغرى” نظراً لشوارعها المستقيمة والمتوازية وأحيائها المنظمة، وكانت عقدة اتصال اقتصادي، ارتبط نموها بوصول خط سكة حديد قطار الشرق السريع عام 1928، ومطارها في الأربعينيات، مما جعلها مركز تجاري وترانزيت رئيسي يربط حلب بالموصل وبغداد، وتمثل المدينة نموذجاً تاريخياً للتعايش؛ حيث نشأت وتطورت بجهود جماعية تلاقحت فيها الثقافات والأديان، ولم يسكنها الكرد وحدهم بل العرب أيضاً الذبن يمثلون مكوناً رئيسياً وأصيلاً في المدينة والريف؛ حيث استقرت في جنوبها ومحيطها قبائل وعشائر عربية عريقة مثل قبيلة طيّ (والتي يسمى أحد أحياء المدينة باسمها “حي الطي”) وقبيلة شمر.
السريان والآشوريون والكلدان وهم من بناة المدينة الأوائل الذين استقروا فيها في عشرينيات القرن الماضي، ولهم دور ريادي مشهود في تأسيس التعليم والمدارس وأسواق القامشلي القديمة، وتطوير قطاعات الصناعة والزراعة وتجارة الصاغة والأقمشة، اضافة الى الأرمن الذي توافدوا إلى المدينة كلاجئين في أواخر عشرينيات القرن الماضي. وتركوا بصمة واضحة في الحياة المهنية والحرفية والاجتماعية بالمدينة.
ما بعد قسد
| الأصل / الموقع | الوضع قبل الدمج | الوضع بعد الدمج | الدلالة |
|---|---|---|---|
| مطار القامشلي | تحت إدارة قسد | تحت إدارة دمشق (جاهزية 80%) | نقل سيادي بارز |
| حقول النفط والغاز | سيطرة قسد | تحت إدارة دمشق | مورد رئيسي في قلب المساومة |
| المعابر الحدودية | إدارة محلية | تحت إشراف الحكومة | توحيد حدودي |
| المدني: الحسكة، الرقة، دير الزور | نفوذ قسد واسع | قوات الداخلية تدخلت | استعادة الانتشار |
| سجون داعش ومخيماتها | إدارة قسد | ملف في قلب المساومة | عبء أمني مركزي |
| الجهة | التصريح | التوقيت | المضمون |
|---|---|---|---|
| مظلوم عبدي (قسد) | “عملية الدمج اكتملت وانتهت” | 20 آب 2026 | تأكيد سياسي، مع تركيز على الدستور |
| أحمد الهلالي (دمشق) | “العمل مستمر على ملفات وصلت لمراحلها النهائية” | قبل 20 آب بيوم | الدمج كسلسلة إجراءات مستمرة |
| المحللون | الدمج = استيعاب في هرم مركزي، لا اندماج متساوٍ | – | نقل القرار لا الشكل فقط |
الخلاصة: نجحت دمشق في استعادة مفاتيح الجغرافيا والموارد، بينما خسرت قسد أدواتها السيادية لكنها احتفظت بقضية سياسية (حقوق، لغة، إدارة محلية). يظل اختبار المرحلة الانتقالية في قدرة الدولة على بناء عقد سياسي يحمي الحقوق بمؤسسات مستقلة، لا مجرد استيعاب مركزي. التحدي الأكبر: تحويل السوريين من جماعات تُستوعب إلى مواطنين تحت دستور ملزم للسلطة نفسها.

