من دمج السلاح إلى دمج المجال.. أي دولة تتشكل في شمال شرقي سوريا؟

تجاوز ملف شمال شرقي سوريا الترتيبات العسكرية إلى إعادة تشكيل خريطة السلطة داخل الدولة، حيث كشف ممثل الإدارة الذاتية في دمشق، عبد الكريم عمر، أن غالبية القوات العسكرية والأمنية دمجت في وزارتي الدفاع والداخلية، وإعلان حل الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بات مرتبطا باستكمال دمج مؤسساتهما.

بقيت وحدات حماية المرأة والتعليم باللغة الكردية والتمثيل السياسي ضمن الملفات العالقة، ما يكشف أن المسألة أصبحت مرتبطة بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأرض والسكان والمؤسسات.

أصبح الأمر أوسع من مصير “قسد”، فهل تستعيد دمشق الشمال الشرقي عبر توحيد مؤسسات الدولة، أم تقود عملية الدمج إلى صيغة توفق بين السيادة المركزية وصلاحيات محلية ثقافية وإدارية؟

تكمن العقدة في طبيعة الدولة التي ستندمج فيها المنطقة، وفي مقدار ما ستحتفظ به البنية السياسية والأمنية التي ترسخت خلال أكثر من عقد.

الاتفاق بوصفه إعادة رسم لخريطة السلطة

بدأ المسار باتفاق 10 آذار 2025، الذي نص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.

جمع الاتفاق بين ثلاثة مستويات مترابطة:

  • استعادة السيادة على المجال.
  • دمج القوة المسلحة.
  • الاعتراف بالمجتمع الكردي جزءا أصيلا من الدولة يتمتع بحقوق المواطنة والحقوق الدستورية.

تحول ميزان التفاوض خلال مطلع 2026 بعد مواجهات عسكرية وضغوط أمريكية، فتراجع نفوذ “قسد” باتجاه المناطق الكردية في شمال الحسكة والقامشلي.

أعاد اتفاق كانون الثاني إطلاق الدمج على مراحل، ودخلت وحدات من وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، بينما بدأت اللجان المشتركة معالجة المؤسسات الأمنية والمدنية.

أصبح التفاوض يجري انطلاقا من تفوق مؤسسات الدولة في المجال الوطني، مقابل احتفاظ الإدارة الذاتية بقدرة تنظيمية واجتماعية داخل مناطقها الأساسية.

دمج المقاتلين أم توحيد سلطة القرار؟

تبقى عبارة “دمج غالبية القوات” الواردة في تصريحات عبد الكريم عمر أوسع من المعلومات المنشورة.

يقاس الدمج بانتقال السلطة الفعلية، لا بإدراج الأفراد داخل هياكل جديدة، فالمؤسسة العسكرية تتوحد حين تصبح سلطة الدولة المرجع الملزم لجميع وحداتها، وتفقد البنى السابقة قدرتها على إنتاج قرار مستقل، فيتحول الدمج من تسوية بين قوتين إلى إعادة تأسيس لاحتكار الدولة القوة، بينما يؤدي بقاء مراكز الولاء القديمة داخل الغلاف الرسمي إلى ازدواجية مؤجلة وليس لبناء جيش واحد.

يمثل اقتراح إلحاق وحدات حماية المرأة بوزارة الداخلية كفريق خاص لمكافحة الإرهاب اختبارا لهذه المعضلة.

يسعى المقترح إلى الحفاظ على هوية وظيفية وتنظيمية للوحدات داخل مؤسسة حكومية، بعدما رفضت وزارة الدفاع إدماجها ككتلة نسائية بسبب غياب تشكيلات نسائية مماثلة في الجيش.

قبول المقترح سيقدم صيغة مرنة تسمح للدولة باستيعاب تشكيل قائم، لكنه يفتح الباب أمام وحدات ذات هويات خاصة داخل أجهزة الأمن، ورفضه يدفع المقاتلات إلى الاختيار بين الدمج الفردي أو فقدان بنيتهن التنظيمية.

تعطي هذه القضية معنى أدق لاحتكار الدولة للسلاح الذي لا يتحقق بمجرد تسجيل المقاتلين في قوائم الوزارات، بل بوحدة القانون والعقيدة الأمنية والقيادة والمساءلة، كما ترتبط شرعية الدمج بقدرة المؤسسات الجديدة على حماية السكان من دون تحويل الانتماء القومي أو الحزبي إلى معيار في التوظيف أو التعامل الأمني.

التعليم يرسم حدود الدولة داخل الصف

الإشكالية الثانية التي طرحها عبد الكريم عمر حول اللغة الكردية تنقل الصراع من الثكنة إلى المدرسة.

عمليا تقترح وزارة التربية ساعتين أسبوعيا لتعليم الكردية، بينما تطالب الإدارة الذاتية بإتاحة الدراسة بها، وقدمت مع وزير التربية مقترحا لترجمة المناهج الوطنية السورية ومنح الطلاب خيار الدراسة بالعربية أو الكردية.

يمثل التعليم أحد أكثر اختبارات الدمج حساسية، لأن موقع اللغة الكردية سيكشف طبيعة الدولة التي ستحتضن مؤسسات الشمال الشرقي بعد حل الإدارة الذاتية، فهل تعود المنطقة إلى نموذج مركزي يكتفي باعتراف ثقافي محدود، أم تندمج في دولة موحدة تسمح بتعدد لغوي داخل مؤسساتها؟

تخصيص ساعتين أسبوعيا للكردية سيضعها عند مستوى التعليم الإضافي، أما اعتمادها لغة للتدريس فيجعلها جزءا من بنية المواطنة ومن توزيع الصلاحيات بين المركز والمجتمعات المحلية، فالمرسوم رقم 13 لعام 2026 منح النقاش أساسا قانونيا، بعدما اعترف بالكردية لغة وطنية وأتاح تدريسها وعالج ملف المجردين من الجنسية الناتج عن إحصاء الحسكة عام 1962.

اقتراح ترجمة المنهاج الوطني إلى الكردية يدخل في عمق معادلة نسيج السوري، فهو اختبار لجعل المنهاج الدراسي جزء من حالة التنوع دون الخروج من الإطار الوطني.

هذه الصيغة تشكل تجربة تحتاج إلى رسم ثقافة سورية متعددة الأطراف، ورغم أن طرحها يظهر بشكل سياسي، لكن امتدادها سيغير البنية الفكرية التي اعتمدتها الدولة السورية الحديثة

الموارد والمعابر تحدد معنى السيادة

في الشمال الشرقي يرتبط الدمج بالقاعدة المادية للسلطة، لا بالترتيبات الإدارية وحدها.

الثقل الوطني للمنطقة يأتي من قدرتها على تمويل الدولة والتحكم في مسارات الحركة وتحمل عبء أمني يتصل بسوريا كلها، ونقل إدارتها إلى دمشق هو إعادة توزيع لمركز القوة داخل البلاد، فالجهة التي تدير هذا المجال تمسك بجزء من قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

استعادة دمشق السيطرة على موارد الشمال الشرقي لا تكتسب شرعيتها من إدراجها في الموازنة العامة، بل من تغيير العلاقة التي حكمت المركز بالأطراف.

جمع الثروة في العاصمة مع إبقاء سكان المنطقة على هامش الإنفاق والقرار ينتج دولة تتعامل مع الأطراف بوصفها خزانات للموارد، لا شركاء في السلطة والتنمية، فيصبح الدمج استعادة لمصادر الإيراد أكثر منه استعادة لوحدة الدولة، وتتحول السيادة إلى غطاء لإلحاق مالي وإداري.

كما ان دمج هيئتي المرأة والشؤون الاجتماعية، وإدخال كوادر من الإدارة الذاتية إلى المكتب التنفيذي لمحافظة الحسكة وإدارات المناطق، فيمثل تفكيكا تدريجيا للازدواجية المؤسسية، لكنه لا يضمن شراكة سياسية.

قيمة هذه الخطوات تقاس بقدرة المسؤولين المحليين على التأثير في الموازنة والتخطيط والرقابة، لا بعدد المقاعد التي يشغلونها، وحين تبقى القرارات الأساسية محتكرة في دمشق، تتحول التعيينات إلى واجهة محلية لمركزية أعيد إنتاجها، ويصبح الدمج ضما للمؤسسات أكثر منه إعادة بناء للدولة.

التفاوض المحلي تحت سقف إقليمي

كان مسار التفاوض منذ بداية خاضعا لتوازنات تتجاوز دمشق والقامشلي.

أدت الولايات المتحدة دورا في دعم دمشق ورفعت الغطاء عن “قسد”، بينما تنظر تركيا إلى وجود تشكيلات مسلحة مرتبطة بالمشروع الكردي قرب حدودها بوصفه قضية أمن قومي.

يضيف ملف سجناء تنظيم الدولة ومخيماته بعدا دوليا، لأن نقل مسؤوليتهم إلى الحكومة السورية يربط الدمج بالتعاون الأمني مع التحالف الدولي.

هذه العوامل تضغط لإنجاز التسوية بشكل يمكن أن يخل بالتوازنات الداخلية السورية، ولا تستطيع وحدها إنتاج استقرار دائم، فالعوامل الداخلية تبقى الأقوى، فيستطيع التوافق الخارجي منع الحرب، بينما تحتاج وحدة المجال إلى شرعية يومية تبنى عبر الأمن والخدمات والتمثيل.

ثلاثة مسارات محتملة

تفتح عملية الدمج الباب أمام نتائج مختلفة، ويتوقف المسار الذي ستسلكه العلاقة على قدرة الطرفين تحويل التفاهم الأمني إلى صيغة سياسية وقانونية قابلة للاستمرار، وتظهر هنا عدة مسارات”

  • الاندماج المؤسسي المتوازن الذي ينهي مراكز القرار الموازية، مقابل ضمان تمثيل محلي وحقوق سياسية وثقافية للكرد داخل الدولة، ويتطلب توحيد القيادة العسكرية وإدارة الموارد، مع منح الإدارات المحلية صلاحيات فعلية واعتماد صيغة مستقرة للتعليم الكردي، واحتمال إنجازه متوسط خلال عامين، بسبب حاجته إلى ثقة وتشريعات وآليات لا يوفرها التفاهم الأمني وحده.
  • الاندماج الشكلي واستمرار الازدواجية، فتنتقل المؤسسات رسميا إلى الوزارات السورية، بينما تبقى شبكات القرار السابقة مؤثرة في الأمن والإدارة المحلية، فيتحول الدمج إلى تسوية تؤجل توحيد السلطة. وتظهر علاماته في تضارب المرجعيات وتأخر توحيد القوانين والتمويل، وهذا الاحتمال متوسط إلى مرتفع في الأجل القريب، لأن تغيير التبعية الرسمية أسرع من تفكيك مؤسسات وشبكات نفوذ ترسخت خلال أكثر من عقد.
  • تجدد التوتر، فيتعثر الدمج إذا شعر أحد الطرفين بأن التسوية تنتزع نفوذه من دون مقابل سياسي، ما ينقل الأزمة من التعطيل الإداري إلى احتكاكات أمنية، وهو احتمال منخفض في المدى المتوسط والقريب، لوجود مصلحة مشتركة في تجنب الحرب، لكنه يرتفع إذا استمرت العملية من دون معالجة سياسية وقانونية لجذور الخلاف.

يبقى معيار نجاح الاتفاق أوسع من إعلان حل الإدارة الذاتية و”قسد، وستقاس النتيجة بوحدة القرار الأمني، وشفافية إدارة الموارد، واعتراف السكان بالمؤسسات، وقدرة المدرسة على الجمع بين الهوية الوطنية والحقوق اللغوية.

عندها يصبح الدمج إعادة بناء للدولة على كامل مجالها، أما الاكتفاء بتغيير الأسماء والزي الرسمي فسيؤجل الصراع داخل المؤسسات بدلا من إنهائه.

مسارات الدمج في شمال شرقي سوريا – رسم بياني تفاعلي

مسارات الدمج في شمال شرقي سوريا

3 مسارات · 5 محاور تقييم

يعتمد مستقبل شمال شرقي سوريا على كيفية حل ثلاث عقد جوهرية: توحيد القيادة العسكرية، والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، وإدارة الموارد، والشرعية المحلية، والاستقرار الأمني. الرسم البياني أدناه يُقارن بين ثلاثة مسارات محتملة، مع إسقاط زمني لاحتمالية كل مسار.

مقارنة المسارات وفق المحاور الخمسة

اندماج متوازن اندماج شكلي تجدد التوتر
تقييم افتراضي (من 0 إلى 100) لكل مسار بناءً على معطيات المقال

احتمالية كل مسار حسب الأفق الزمني

تقدير الاحتمالية: منخفضة، متوسطة، مرتفعة (وفق تحليل المقال)

قراءة سريعة: المسار المتوازن يحقق أعلى درجات في جميع المحاور لكنه يحتاج إلى وقت وثقة. المسار الشكلي يحافظ على استقرار ظاهري مع استمرار ازدواجية القرار. مسار التوتر يبقى احتمالاً منخفضاً في المدى القريب بسبب المصالح المشتركة في تجنب الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *