في آب 2026، أعلن معاون وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية لشؤون المنطقة الشرقية سيبان حمو أن حل “قسد” والإدارة الذاتية بات قريبا.
بعد أيام، كشفت صحيفة “جمهورييت” حذف اسمه من قوائم المطلوبين التركية بعد أشهر من تعيينه داخل المؤسسة العسكرية السورية، ولم تعلن أنقرة سبب الحذف، فالقرار لا يمثل تحولا مكتمل المعالم، لكنه يشير إلى قبول محتمل للشخصية الكردية المسلحة عندما تنتقل من قيادة مستقلة إلى موقع رسمي.
الحدث يتجاوز مصير تنظيم عسكري، لأن القضية تتعلق بمن يملك القرار في مساحة تضم النفط والحبوب والسدود والمعابر والمخيمات، فيستطيع الدمج نقل سوريا من ساحة نفوذ خارجي إلى دولة تستعيد وظيفة إقليمية، شرط بناء سلطة قانونية مشتركة، فإنهاء الهياكل التنظيمية شكليا مع إبقاء شبكات القوة القديمة، أو استبدالها بمركزية أمنية مغلقة، سيؤجل الصراع بدل إنهائه.
من اتفاق مؤجل إلى ميزان قوة جديد
نص اتفاق 10 آذار 2025 على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا، بما فيها المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، مع تثبيت حقوق السوريين الكرد ورفض التقسيم.
تعثر التنفيذ حتى نهاية 2025 لأن الطرفين اختلفا على معنى الدمج، فأرادته سلطة دمشق سلسلة قيادة واحدة، بينما سعت “قسد” إلى الحفاظ على كتلة عسكرية وإدارية مميزة داخل الدولة.
حسمت مواجهات كانون الثاني 2026 جزءا من الخلاف بالقوة، فخسرت “قسد” معظم نفوذها في الرقة ودير الزور، وتراجعت إلى الحسكة وكوباني، ثم جاء اتفاق 30 كانون الثاني ليفرض دمجا متدرجا، ودخول قوات الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، وتشكيل وحدات مرتبطة بوزارة الدفاع.
ولدت هذه التسوية بعد تراجع الحماية الخارجية وتفكك جزء من التحالف المحلي الذي استندت إليه “قسد”.
الأرض والموارد تحددان معنى السيادة
لا يمثل الشمال الشرقي هامشا بعيدا عن دمشق، حيث تؤثر حقول رميلان ومحيط دير الزور في الطاقة، وتربط أراضي الجزيرة الزراعية الأمن الغذائي بالقرار السياسي.
تتصل مياه الفرات وسدوده الرقة ودير الزور بمصالح تركيا والعراق، بينما يحدد الطريق الدولي “M4” والمعابر الشرقية حركة السلع والأشخاص والقوات.
وفق هذا المنظور، لا تقاس النتيجة بعدد الألوية التي جرى دمجها، بل بقدرة الدولة على ممارسة سلطة فعلية وموحدة في المنطقة، فسيطرة الدولة على “العقد الجغرافية” تعيد إليها موردا ماليا وأداة تفاوض إقليمية.
احتكار المركز للعوائد من دون حصة واضحة للمجتمعات المنتجة سيصنع اعتراضا جديدا، لأن السكان لن يروا فرقا بين سلطة محلية مغلقة ومركز لا يمنحهم تمثيلا أو خدمات أفضل.
الجيش الموحد لا يصنعه تغيير الأسماء
شهد ربيع 2026 إدخال ألوية سابقة من “قسد” ضمن تشكيلات الجيش وتسلم مواقع أمنية.
يبدأ الاختبار بعد قرارات التعيين، فيتوقف نجاح الدمج على خضوع التشكيلات السابقة لنظام مؤسسي واحد ينهي استقلالها التنظيمي، أما استمرار مرجعيات موازية داخل الألوية المدمجة فينتج جيشا موحدا في الشكل ومجزأ في الممارسة.
التحدي القادم هو فهم الوحدة باعتبارها إخضاعا أحاديا، فالجيش السوري الجديد تشكل من جماعات وميليشيات متفرقة، ولا يكتسب شرعية وطنية بمجرد وضعها تحت وزارة واحدة، ويتطلب دمج “قسد” معيارا يطبق على جميع التشكيلات، وفي غياب هذا المعيار، سيحجب التركيز على الملف الكردي حقيقة استمرار الفصائلية في بقية البلاد.
الدولة التي تطلب من الشرق التخلي عن سلاحه ملزمة بإخضاع الغرب والجنوب للقانون نفسه.
الحقوق الكردية جزء من هندسة الدولة
أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في 16 كانون الثاني 2026 المرسوم رقم 13، الذي اعترف بالكرد جزءا أصيلا من الشعب السوري، واعتبر الكردية لغة وطنية، وألغى آثار إحصاء الحسكة لعام 1962 ومنح الجنسية للمحرومين منها.
يمثل المرسوم انتقالا قانونيا مهما، لكنه يبقى محدودا إذا لم يتحول إلى تسجيل مدني وتعليم وتمثيل محلي وتسوية لحقوق الملكية وعودة آمنة للمهجرين.
عمليا، الحسكة والقامشلي مجال مختلط يضم كردا وعربا وسريانا وآشوريين وشبكات عشائرية ومدينية، وأي نظام محلي يحتكره مكون واحد سيعيد إنتاج الخلل، سواء حمل اسم الإدارة الذاتية أو المحافظة المركزية، فالمطلوب إدارة محلية منتخبة بصلاحيات معلومة ضمن دولة موحدة، بلا غموض يسمح بعودة الانفصال العملي أو الحكم الأمني.
تركيا والولايات المتحدة.. انتقال مركز الثقل إلى دمشق
اكتمل انسحاب القوات الأميركية من سوريا في نيسان 2026، وتسلمت سلطة دمشق المواقع المرتبطة بالحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية”.
أنهى الانسحاب المظلة التي منحت “قسد” قدرة تفاوض مستقلة، ونقل عبء الحدود والسجون وملاحقة الخلايا إلى الدولة والتنسيق مع العراق، وبقي لواشنطن نفوذ من خارج الأرض، لكن قدرتها على رسم الإدارة المحلية انخفضت.
أقر البرلمان التركي في 10 آب 2026 إطارا لنزع سلاح حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج عناصره، ثم ظهر حذف اسم حمو، ويشير التزامن إلى تمييز محتمل بين بنية كردية مستقلة وشخصيات تعمل تحت قيادة سورية، فبقاء مظلوم عبدي على القوائم يؤكد أن التحول لا يشمل جميع القيادات.
إذا ضبطت سلطة دمشق الحدود وأخرجت القرار العسكري من الشبكات العابرة لها، ستتراجع حجة التدخل التركي، فبقاء قيادة مزدوجة سيمنح أنقرة مبررا لاستمرار الضغط، ونجاح الدمج سيحول الملف إلى تفاوض بين دولتين، ويمنح سوريا مساحة أوسع للمطالبة بجدول لإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.
ما بعد الدمج.. إعادة توزيع القوة داخل الدولة السورية
النتيجة الأكثر ترجيحا حتى نهاية 2027 ليست استمرار الحكم المزدوج أو اختفاء نفوذ “قسد”، بل انتقال هذا النفوذ من السيطرة المباشرة على الأرض إلى مواقع داخل مؤسسات الدولة.
ستفقد “قسد” قدرتها على استخدام الجغرافيا والموارد أساسا لقرار سياسي مستقل، لكن جزءا كبيرا من كوادرها سيبقى داخل الأجهزة العسكرية والإدارية الجديدة، وستحصل سلطة دمشق على السيادة العليا، بينما تستمر الإدارة اليومية عبر شبكات محلية أعيد تعريف موقعها القانوني.
لا تستطيع الدولة استبدال جهاز إداري وأمني تشكل خلال أكثر من عقد من دون إحداث فراغ، في وقت خسرت “قسد” الغطاء العسكري الخارجي الذي سمح لها بالمطالبة بكيان مستقل، ومن المرجح ان يتجه الطرفان نحو مقايضة غير معلنة؛ تحصل سلطة دمشق على القرار الاستراتيجي والتمثيل الخارجي، وتحول النخبة السابقة في “قسد” نفوذها من سلطة إقليمية إلى نفوذ وظيفي داخل الدولة، الدمج لن يلغي مراكز القوة القديمة مباشرة، بل سيغير موقعها وطريقة عملها.
يكشف السلوك التركي حدود هذا التحول، فحذف اسم سيبان حمو من قوائم المطلوبين مع استمرار إدراج مظلوم عبدي يرسم فاصلا بين شخصية كردية تعمل ضمن التسلسل السوري وقيادة تحتفظ برمزيتها المستقلة.
إذا استمرت عملية نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، ستنتقل أنقرة من إدارة حدودها السورية بالعمليات العسكرية إلى التأثير في البيئة الأمنية عبر سلطة دمشق، وينطوي ذلك على تناقض، فتستعيد الدولة السورية سلطتها من تنظيم محلي، لكنها تصبح أكثر عرضة للضغط التركي إذا ارتبط الاعتراف بالقيادات المدمجة بالموافقة الأمنية لأنقرة.
بحلول 2028، يرجح أن يتحول الشمال الشرقي إلى منطقة ذات وضع خاص غير معلن دستوريا عبر سيادة مركزية في القضايا الاستراتيجية، يقابلها استمرار نفوذ الكوادر المحلية في الإدارة والخدمات.
يمكن اختبار عمق الدمج من خلال مؤشرين حاسمين:
- الأول انتقال الضباط والموظفين بين المحافظات بدل بقائهم محصورين في مناطقهم السابقة.
- الثاني دخول موارد المنطقة في الموازنة العامة ضمن آلية معلنة لإعادة توزيع الإنفاق.
تحقق المؤشرين يعني تفكيك المجال السياسي الذي قامت عليه «قسد»، بينما يعني غيابهما أن الإدارة الذاتية غيرت اسمها من دون أن تفقد بنيتها الداخلية.
إقليميا، سيجعل هذا التحول سلطة دمشق طرفا أساسيا في إدارة المسألة الكردية بين تركيا والعراق، ويمنح الدولة موقعا أقوى في إدارة الحدود الشرقية وربطها بمشروعات التجارة والطاقة، والأثر الأبعد سيظهر داخل البلاد نفسها، لأن صيغة الجمع بين السيادة المركزية والإدارة المحلية ستصبح مرجعا للتعامل مع السويداء ومناطق النفوذ المسلح الأخرى.
يتوقف نجاح الدمج على تحول قادة “قسد” إلى مسؤولين خاضعين لمؤسسة وطنية، لا ممثلين لمنطقة داخلها، وإلا سينتقل الانقسام من الأرض إلى مؤسسات الدولة.
الدمج بوصفه اختبارا لمستقبل سوريا
ستكشف الأشهر المقبلة ما إذا كانت سلطة دمشق تكتفي باستعادة السيطرة على الأرض أم تبني إطارا يدمج المنطقة وسكانها في الدولة، نجاح ذلك سيحول الشمال الشرقي من نطاق عازل إلى حلقة وصل بين سوريا وتركيا والعراق.
النتيجة الإقليمية الأهم أن سوريا الموحدة تستطيع الانتقال من موضوع تتفاوض عليه الدول إلى طرف يفاوضها.
أما الدمج العسكري من دون عقد سياسي واجتماعي، فسوف ينقل خطوط التماس من ضفاف الفرات إلى داخل الجيش والإدارة، فمستقبل البلاد لن يحسمه اختفاء اسم “قسد”، بل قدرة الدولة على تحويل السيطرة على الأرض إلى مواطنة وقانون وتوزيع عادل للسلطة والموارد.

