استضاف الأردن في 23 آب اجتماعاً سورياً – “إسرائيلياً” رفيع المستوى بوساطة أميركية، قُدّم بوصفه محاولة لوقف الغارات والاعتقالات والعمليات المستهدفة، وإحياء التفاوض على اتفاق أمني، ومنع الصراع الإسرائيلي التركي من الانفجار فوق الأراضي السورية.
الوقائع اللاحقة نزعت عن كلمة “التهدئة” مضمونها؛ ففي اليوم التالي مباشرة، دخلت القوات الإسرائيلية معرية بريف درعا وصيدا الجولان في القنيطرة، وفتشت منازل ومزرعة، وبعد يومين، زار وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قواته داخل الجنوب السوري، متعهداً بإبقائها ما دامت إسرائيل ترى وجود تهديدات.
لا يعكس هذا التسلسل تعثراً عابراً في الدبلوماسية، بل يكشف تفاوضاً تحت الإكراه، تستخدم فيه “إسرائيل” احتلال الأرض والقصف والاعتقالات لتحديد ما يحق لسلطة دمشق التفاوض عليه، فالغاية دفع سوريا إلى قبول نتائج القوة مسبقاً، فطاولة التفاوض ليست بديلاً من التوغلات، بل امتداد سياسي لها ووسيلة لانتزاع الاعتراف بالوقائع التي فُرضت عسكرياً.
تكشف هذه الوقائع طبيعة التسوية التي تسعى “إسرائيل” إلى فرضها، فهي لا تتجه إلى خفض التصعيد للتراجع عما انشأته بالقوة، بل تحولها إلى البداية لأي اتفاق.
المطلوب، وفق هذا المنطق، منع سلطة دمشق وأنقرة من الرد عليها أو تغيير نتائجها، بينما تحتفظ “إسرائيل” بحق القصف والتوغل وتعريف ما تعتبره تهديداً، فيصبح “خفض التصعيد” وسيلة لتقييد حركة الآخرين، فيما تبقى لـ”إسرائيل” حرية رسم حدود الأمن والسيادة في الجنوب السوري.
خفض التصعيد لا يعني التراجع
غاية “إسرائيل” من خفض التصعيد لا تصل إلى مسألة العودة لما قبل في كانون الأول 2024، فهي تريد إدارة للمخاطر وليس تسوية مسألة سيادة.
تريد “إسرائيل” مع سلطة دمشق مناطق أمنية وقيوداً على انتشار الجيش السوري الجديد، ومع أنقرة قناة تمنع الاصطدام، لكنها تتمسك بحق الاعتراض على قواعد أو قدرات تركية تراها مهددة لتفوقها.
عبّر وزير الخارجية “الإسرائيلي” جدعون ساعر عن ذلك مبينا إن بلاده لا تريد التصعيد مع تركيا، لكنها لن تقبل قواعد تركية في سوريا، فالهدوء المطلوب مشروط بخطوط حمراء ترسمها “إسرائيل”، وتوحي هذه الصيغة بهدف أعمق؛ دولة سورية تضبط حدودها، من دون أن تستعيد كامل حريتها العسكرية جنوباً.
الأرض التي تسبق الاتفاق
ترسم تضاريس الجنوب السوري خريطة عسكرية متدرجة، تتوزع بين مرتفعات الرصد وممرات الحركة ومداخل الجولان.
يمنح جبل الشيخ قدرة متقدمة على الرصد والإنذار، وتمثل القنيطرة بوابة خط الفصل في الجولان، فيما يربط ريف درعا الغربي حوض اليرموك بالحدود الأردنية، وتشكل المواقع والحواجز والتحركات شبكة لمراقبة الطرق والسكان واختبار استجابة السلطات السورية.
أكدت إحاطة أممية في حزيران أن القوات “الإسرائيلية” أبقت وجودها في منطقة الفصل ونفذت توغلات شبه يومية، وأقامت حواجز وفتشت واعتقلت مدنيين، مع قيود على وصول السكان وأضرار في أراض زراعية.
هنا ينتقل الأثر من العسكري إلى الاجتماعي، فتعطيل الحركة والزراعة يضغط على القرى، والاعتقالات تضعف سلطة دمشق أمام سكانها، فيما يحول تكرار الدوريات الوجود “الإسرائيلي” إلى أمر مألوف يصعب عكسه.
بهذه الآلية فإن الخريطة تسبق نص الاتفاق، فكل موقع يرفع ثمن الانسحاب، وكل توغل يمنح “”إسرائيل معلومة وورقة تفاوض، أما تنفيذ عمليات غداة اجتماع عمّان، فيؤكد أن المسار الدبلوماسي لن يقيّد العمل الميداني قبل قبول سلطة دمشق بالترتيبات المطلوبة.
أنقرة.. القوة التي تفرض سقفاً للتصعيد
كشف قصف مطار أبو الظهور في إدلب أن التنافس تجاوز الجنوب، فالمطار يقع على نحو سبعين كيلومتراً من الحدود التركية، وبررت “إسرائيل” استهدافه باحتمال انتشار قوات تركية، وهو ما نفته سلطة دمشق وأنقرة.
المبعوث الأميركي توم باراك أوضح إن تركيا لم تتلق تحذيراً، وإن رصدها الطائرات المتجهة شمالاً كان يمكن أن يدفعها إلى الاستعداد للرد، ودفع ذلك واشنطن إلى العمل على آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا وإسرائيل وسوريا.
كشفت الحادثة حدود حرية الضرب “الإسرائيلية” حين تقترب العمليات من مجال النفوذ التركي، فأنقرة تملك جيشاً كبيراً، وتدرب القوات السورية وتشارك في إعادة بناء مؤسسات الدولة، والمواجهة معها تفتح جبهة لا تضمن “إسرائيل” التحكم بها وتحرج واشنطن.
لكن الآلية لا تعني قبول “إسرائيل” بالدور التركي، بل محاولة تطويقه عبر إبعاد ثقله العسكري عن الجنوب، ومنع نشوء قدرات تحد من حرية الطيران “الإسرائيلي”، وإخطار الأطراف بالتحركات الحساسة، فخفض التصعيد اعترافاً بميزان القوة مع أنقرة، لا تقارباً معها.
التفاوض بوصفه امتداداً للقوة
تخدم العمليات المستمرة ثلاثة أهداف.
أولاً، تحسين خريطة التفاوض؛ فالمواقع المحتلة تقايضها “إسرائيل” بقبول مناطق منزوعة السلاح، وثانياً، فرض خطوطها الحمراء فوراً بدلاً من انتظار اتفاق، كما حدث في أبو الظهور، وأخيرا الاحتفاظ بضمانة ميدانية إذا فشلت المحادثات، بما يتيح تعطيل إعادة بناء القدرات السورية.
يتيح استمرار العمليات للحكومة “الإسرائيلية” طمأنة سكان الشمال بأنها لا تستبدل القوة بوعود غير مضمونة، فيما يظهرها حضورها في التفاوض أمام واشنطن طرفاً منفتحاً على الدبلوماسية، فتجمع بين شرعية الحوار وحماية الأمر الواقع العسكري.
سلطة دمشق.. مطالب سيادية بلا استراتيجية وطنية
تطالب سلطة دمشق بوقف الاعتداءات، وعودة القوات “الإسرائيلية” إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول 2024، واستعادة اتفاق فصل القوات لعام 1974، وترفض تقييد حقها في بناء جيشها واختيار شراكاتها.
إعلان هذه المطالب لا يعبر، بمفرده، عن استراتيجية وطنية قادرة على تغيير الوقائع التي تفرضها “إسرائيل”.
تبدو السياسة السورية محكومة بالاستجابة المنفصلة لكل غارة أو توغل من خلال إدانة رسمية، واتصالات مع الوسطاء، ثم جولة جديدة من المحادثات.
لا يظهر حتى الآن إطار وطني معلن يربط المسار السياسي بتحرك قانوني ودبلوماسي منظم، وإعادة بناء القدرة الأمنية للدولة، وتثبيت مؤسساتها في الجنوب، وإشراك مجتمعاته المحلية، وتنظيم الشراكات الخارجية بما يخدم القرار السوري.
في هذا الفراغ، تنفرد “إسرائيل” بصياغة جدول الأعمال، فتجعل رؤيتها للأمن مرجعيةً للمحادثات وتدفع المطالب السورية إلى موقع دفاعي، فلا يعود وقف الاعتداءات شرطاً سابقاً لأي مسار سياسي، بل يتحول إلى بند مؤجل داخل محادثات تستمر تحت القصف والتوغل، وينتقل اتفاق عام 1974 إلى ورقة قابلة للمساومة.
الخطورة أن يؤدي غياب الخطوط الحمراء وآليات التنفيذ والجدول الزمني الملزم إلى تحويل المطالب الأمنية “الإسرائيلية” إلى سلطة غير مباشرة على القرار السوري، واستمرار المحادثات بعد كل انتهاك، من دون تغيير في الأدوات أو رفع كلفة التوغلات سياسياً وقانونياً، يمنح العمل العسكري عائداً تفاوضياً ويشجع على تكراره.
لا تقتصر كلفة غياب استراتيجية وطنية شاملة تجاه الجنوب على إضعاف موقف السلطة المركزية؛ فيبقى سكان المنطقة موضوعاً للترتيبات الأمنية بدلاً من أن يكونوا طرفاً في صياغة سياسة تحمي أرضهم وحركتهم وارتباطهم بمؤسسات الدولة.
يفاقم تهميشهم الاحتقان المحلي ويولد ردود فعل تستخدمها “إسرائيل” لاحقاً لتبرير بقائها، وحين يُدار المسار السياسي من دون هذا إطار استراتيجي وطني، تتحول الدبلوماسية من أداة لاستعادة السيادة إلى وسيلة لإدارة تراجعها.
هل هي احتياطات أمنية فقط؟
حسب التصريحات “الإسرائيلية” فإن عملياتها تستهدف أخطاراً مباشرة في بيئة غير مستقرة.
في ضربة بيت جن الأخيرة، قالت إنها استهدفت شخصاً يهدد جنودها، بينما قالت سلطة دمشق إن مسيّرة أصابت سيارة مدنية وأوقعت إصابات.
لكن هذا لا يفسر وحده قصف قاعدة في إدلب، والوجود المفتوح زمنياً في جبل الشيخ، والمطالبة بنزع سلاح نطاق واسع جنوب سلطة دمشق، فيبدو الأمن أيضاً إطاراً لإعادة تنظيم المجال السوري بما يضمن لـ”إسرائيل” أكبر حرية عمل وأقل التزامات مقابلة.
تفاوض “إسرائيل” سلطة دمشق لأنها تريد سلطة تضبط الجنوب، وتفاوض أنقرة لأنها لا تريد حرباً مع قوة إقليمية كبيرة، لكنها تفرض الوقائع لأنها تمنحها شروطاً أفضل وتحميها من فشل المحادثات، فالعمل العسكري ليس نقيض التفاوض، بل وسيلة لتحديد سقفه.
هل توقف التفاهمات الغارات والاعتقالات، وتنتج انسحاباً واضحاً وعودة منطقة الفصل إلى الإشراف الأممي، أم تحول الانتشار الإسرائيلي إلى نظام دائم؟
إذا غاب الانسحاب، فلن تعني التهدئة انتقالاً من منطق القوة إلى تسوية سياسية، بل تحولا من فرض الوقائع عسكرياً إلى تثبيتها داخل ترتيبات أمنية، فربما تتراجع الغارات العنيفة، لكن المواقع العسكرية وحرية التدخل وحق تعريف التهديد ستبقى بيد “إسرائيل”، بينما تنتقل إلى سلطة دمشق مسؤولية ضبط الجنوب وفق قيود لم تضعها.
عندها لا يتغير الهدف الاستراتيجي المتمثل في إبقاء الجنوب السوري منقوص السيادة وعاجزاً عن تعديل ميزان القوة، وإنما تتغير أداة تحقيقه من احتلال مكشوف ومكلف إلى نفوذ أمني أقل كلفة وأكثر قابلية للتثبيت السياسي، فيصبح خفض التصعيد وسيلة لتحويل واقع عسكري قُدّم بوصفه مؤقتاً إلى نظام دائم لإدارة الأرض والحدود والقرار السوري.
