“إسرائيل” تعيد رسم حدود الشرق الأوسط.. سوريا ولبنان بين الردع والتمكين

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 13 حزيران 2026، أن “إسرائيل” لن تنسحب من “المناطق الأمنية” التي تسيطر عليها في لبنان وسوريا وغزة، وكسر التوازن الدقيق الذي استمر لعقود في الشرق الأوسط.

كانت “إسرائيل” تفضل الغموض الاستراتيجي أو الاعتماد على تفاهمات غير مكتوبة، لكن هذه المرة فضحت أوراقها معلنة أن الاحتلال المطول للأراضي السورية واللبنانية لم يعد سرا، بل أصبح عقيدة.

لم يكن الإعلان منعزلا، ففي صباح نفس اليوم، توغلت قوات “إسرائيلية” في وادي معرية غرب درعا وأطلقت النار على مزارعين سوريين، ونفذت عمليات دهم في بلدتي كودنة وعين القاضي بريف القنيطرة الجنوبي.

عمليا، بلغ عدد التوغلات في جنوب سوريا خلال أسبوع واحد 15 توغلا، وفي لبنان، تتواصل الغارات الجوية والبرية ضد حزب الله منذ آذار 2026.

في المقابل سارعت سلطة دمشق إلى نفي أي نية للتدخل العسكري في لبنان، رغم تقارير عن ضغوط أميركية على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لمواجهة حزب الله، وهذا التناقض بين احتلال “إسرائيلي” متصاعد ونفي سوري للتحرك، يظهر العمق الجيوسياسي الجديد الذي تواجهه السلطة.

كيف وصلنا إلى هنا؟

لفهم قرار كاتس، يجب العودة إلى الحرب الإسرائيلية على غزة (تشرين الأول 2023–2026) التي امتدت إلى جبهات أخرى.

بعد “طوفان الأقصى” شنت “إسرائيل” حربا شاملة وفشلت في تحقيق هدفها المعلن بالقضاء على حماس بالكامل وردع حزب الله شمالا، وتحولت المعارك إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات.

في لبنان، شن الجيش الإسرائيلي عملية برية في آذار 2026، وسيطر على شريط حدودي بعرض عدة كيلومترات، وفي سوريا، استغل الفراغ الأمني بعد سقوط النظام السياسي في كانون الأول 2024، فوسع سيطرته على جبل الشيخ (أعلى نقطة استراتيجية تطل على دمشق والجولان) وعلى مناطق واسعة من ريف درعا والقنيطرة.

“إسرائيل” أعلنت أنها لن تنسحب بعد انتهاء العمليات العسكرية ، وبدأت ببناء نقاط عسكرية ثابتة وطرق إمداد، تحولت إلى “مناطق أمنية” بحكم الأمر الواقع، وإعلان كاتس تتويج لسياسة الأمر الواقع التي تمارسها “إسرائيل” منذ عام ونصف.

الأهداف الإسرائيلية – لماذا الآن؟

يعد إعلان كاتس خطوة محورية في فهم الدوافع الخفية للسياسة “الإسرائيلية” الحالية، ويشير إلى تحول في العقيدة العسكرية والاستراتيجية نتيجة تراكمات عسكرية، وتقديرات أمنية جديدة، وحسابات جيوسياسية معقدة تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

قراره حمل أهدافا استراتيجية مترابطة:

  1. تأمين الحدود الشمالية والشرقية بشكل دائم

تريد “إسرائيل” شريطا عازلا بعمق 10–15 كم داخل سوريا ولبنان يمنع حزب الله والفصائل الموالية لإيران من الاقتراب من الجولان والجليل، ويشكل جبل الشيخ عينا استخباراتية فمن قمته يمكن رصد تحركات القوات السورية والإيرانية حتى مشارف دمشق.

  • تغيير قواعد اللعبة من الردع إلى الاحتلال الوقائي

العقيدة التقليدية كانت على “الردع” عبر القوة الساحقة، ثم “الرد السريع” على أي اختراق، الآن تعلن “إسرائيل” أنها لا نثق بأي اتفاق، ولن تترك أي منطقة يمكن أن تشكل تهديدا حتى ولو كان افتراضيا، وتحولت نحو الاحتلال الوقائي المفتوح.

  • الضغط على دمشق وحكومة الرئيس الشرع

سوريا في ظل حكومة الشرع تحاول تثبيت شرعيتها وسط غياب استراتيجية جديدة للسلطة، و”إسرائيل” ترى في ذلك فرصة، فباستمرار احتلالها للجنوب تضع سلطة دمشق أمام أمر واقع؛ إما القبول بالاحتلال الصامت، أو الدخول في مواجهة عسكرية لا تستطيع تحمل تبعاتها، النفي السوري للتدخل في لبنان يظهر أن سلطة دمشق لم تضع “مخاطر” احتلال الجنوب ضمن أولويات تثبيت شرعيتها.

  • اختبار حدود التفاهم الأميركي-الإيراني

تتزامن هذه التطورات مع مفاوضات حول مذكرة تفاهم أميركية-إيرانية تنص على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، و”تل أبيب” تبعث برسالة واضحة لواشنطن وطهران بأن أي اتفاق يشمل انسحابها من هذه المناطق هو اتفاق ناقص، ولن تلتزم به، وإعلان كاتس ورقة ضغط لتعقيد أي تسوية إقليمية.

الموقف السوري – النفي كسياسة

في مواجهة التصعيد، كان رد سلطة دمشق مزدوجا؛ نفي قاطع لأي نية للتدخل العسكري في لبنان وعلى لسان الرئيس الشرع نفسه، وصمت رسمي تجاه التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا مع الاكتفاء بتصريحات من مصادر غير رسمية.

هذا التناقض الظاهري يعود لأن سوريا تعيش مرحلة هشة، فالاقتصاد منهار، والجيش يتعثر في إعادة بناء قدراته، والوحدة الوطنية مفقودة، فالمواجهة مع “إسرائيل”، أو حتى التحضير لها، غير واردة في حسابات سلطة دمشق.

تعلم سلطة دمشق أن “إسرائيل” لا تريد احتلالا شاملا، بل مناطق أمنية فقط، وهذا يسمح بـ”تجميد” النزاع والتركيز على الداخل، فالرئيس الشرع يتبنى سياسة “الواقع المرير” بقبول الاحتلال “الإسرائيلي” للجولان والمناطق العازلة، على أمل تغير الظروف الإقليمية وتبدل المعادلة الحالية.

اللاعبون الآخرون – أميركا وإيران ولبنان

إدارة ترامب منقسمة، فهي تريد تخفيف التوتر مع إيران عبر مذكرة جنيف لتفرغ نفسها لملفات أخرى (الصين، أوكرانيا)، ولا تستطيع التخلي عن “إسرائيل”.

تصريحات ترامب في 7 حزيران بأن “الرئيس السوري مستعد للمساعدة في إضعاف حزب الله” تشير إلى أن واشنطن تحاول دفع سلطة دمشق إلى مواجهة حزب الله لتقليل التكاليف على “إسرائيل”، لكن السلطة نفت أي نية لذلك، والتردد الأميركي شجع “إسرائيل” على إصدار إعلان كاتس، لتذكير واشنطن أن تل أبيب لديها أجندتها الخاصة.

إيران

إيران لا تريد حربا إقليمية شاملة، لكنها لا تستطيع التخلي عن حليفها الاستراتيجي، ووزير الخارجية الإيراني عراقجي قال إن مذكرة التفاهم ستتنص على “إنهاء الحرب على جميع الجبهات”، ما يعني أن طهران مستعدة لتجميد دعمها العسكري لحزب الله مقابل تخفيف العقوبات.

لكن إعلان كاتس يعقد ذلك، فطالما أن “إسرائيل” تحتل الأراضي اللبنانية، فإن أي تجميد لن يكون مقبولا سياسيا داخل إيران وحزب الله.

السيناريوهات المتوقعة للأشهر الستة المقبلة

السيناريوالاحتمالالوصف
السيناريوالاحتمالالوصف
استمرار الاحتلال وتجميد النزاع60%تواصل إسرائيل احتلال المناطق الأمنية في سوريا ولبنان، وتستمر التوغلات اليومية في جنوب سوريا دون رد عسكري سوري. حزب الله يخفض وتيرة عملياته، وتوقع مذكرة جنيف لكن مع استثناء إسرائيلي. سوريا تركز على إعادة الإعمار والاقتصاد، وتقبل بالأمر الواقع مؤقتا.
اشتباكات محدودة بين الجيش السوري ونقاط إسرائيلية25%إذا زادت التوغلات الإسرائيلية وطالت مناطق حيوية (مثل درعا بشكل أوسع)، قد يضطر الجيش السوري للرد بشكل رمزي لاستعادة هيبته. لكن هذا سيكون محدودا (قناصة، صواريخ مضادة للدروع) ولن يتطور إلى حرب شاملة. الخطر أن يخرج الوضع عن السيطرة إذا استشهد مدنيون بأعداد كبيرة.
تفاهم أميركي-إيراني يؤدي إلى انسحاب إسرائيلي مشروط15%إذا نجحت مفاوضات جنيف وقدمت واشنطن ضمانات أمنية لإسرائيل تتجاوز ما هو موجود حاليا (مثل نشر قوات أميركية في الجولان أو منظومات دفاع جوي متقدمة)، فقد توافق إسرائيل على انسحاب تدريجي من بعض المناطق. لكن هذا السيناريو صعب لأنه يتطلب تغييرا في الموقف الإسرائيلي، وهو ما لم نشهد أي مؤشر عليه حتى الآن.

الشرق الأوسط الجديد

ما حدث في 13 حزيران 2026 ليس مجرد خبر عابر، بل إعلان ميلاد مرحلة جديدة في الصراع العربي-“الإسرائيلي”، حيث تتخلى إسرائيل عن غطاء “الردع” وترتدي رسميا ثوب “التمكين” عبر الاحتلال المطول.

سوريا، منهكة وسياستها الحالية خارج أي تفكير بالمقاومة، وتختار الانتظار لتغير الظروف، أما إيران وأميركا فتتصارعان حول مذكرة التفاهم، لكن “إسرائيل” تثبت أن لديها نفوذا يسمح لها بتعطيل أي اتفاق لا يرضيها.

هل ستظل سوريا راضية بالاحتلال الجزئي لأراضيها إلى الأبد، أم أن هناك نقطة تحول قادمة؟ الجواب يعتمد على قدرة سلطة دمشق في خلق تحول على مستوى دورها الإقليمي، وبناء شرعيتها داخليا قبل مسألة استعادة الشرعية الدولية، ثم العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة.

رسم بياني: سيناريوهات المنطقة بعد إعلان كاتس
السيناريوهات المتوقعة للأشهر الستة المقبلة
بعد إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس (13 حزيران 2026)
15 توغلاً
في جنوب سوريا (أسبوع واحد)
10-15 كم
عمق المنطقة الأمنية المطلوبة
جبل الشيخ
نقطة استراتيجية تطل على دمشق
المصدر: تحليل ميداني يستند إلى تصريحات رسمية وتقارير أمنية حتى 13 حزيران 2026. الاحتمالات تقديرية.
تفاعلي: مرر مؤشر الفأرة فوق الأعمدة لرؤية التفاصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *