تبدأ سردية أزمة الطاقة السورية من الطريق، فصهاريج عراقية تدخل من الشرق، وتقطع مئات الكيلومترات، ثم تصل إلى بانياس لتفرغ حمولتها قبل نقلها إلى أسواق خارجية، وعلى الطريق نفسه يحتج سوريون على سعر المازوت ويوقف بعضهم مرور الشاحنات.
النفط والمعابر والأنابيب حاضرة بكثافة إعلاميا واقتصاديا، لكن الوقود في السوق المحلية يرتفع بوتيرة مقلفة.
يوحي المشهد بأن الحكومة تصدر مادة يحتاجها المواطن، لكن الوقائع أكثر تعقيدا، فالحمولة عراقية ومقيدة بعقود، وجزء كبير منها زيت وقود مخصص لإعادة التصدير، وليس بنزينا أو مازوتا جاهزا للتوزيع.
يبقى السؤال مشروعا؛ فماذا تكسب سوريا من تحولها إلى ممر للطاقة، ولماذا لا يظهر ذلك في قدرتها على تأمين احتياجاتها؟
العبور شيء والإمداد شيء آخر
بدأ العراق استخدام المسار السوري بصورة أوسع بعد اضطراب الشحن في الخليج، فملايين البراميل من زيت الوقود نقلت إلى بانياس، وتم تفريغها في خزانات متصلة بمنصة بحرية قبل إعادة تحميلها على السفن، من دون دخول المصفاة، وحسب التصريحات الرسمية فإن بانياس قادرة على استقبال ما يقارب 900 صهريج يوميا.
وفي أواخر حزيران، نقلت شبكات الإعلام عن مسؤول في الشركة السورية للبترول أن ما بين 900 وألف صهريج عراقي كان يدخل يوميا عبر التنف واليعربية، وهي حركة تجارية واسعة لكنها لا تجعل الكميات جزءا من المخزون السوري.
تكمن الإشكالية في السياسات السورية، حيث تقول وزارة الطاقة إن إنتاج البلاد يدور حول 100 ألف برميل يوميا، بينما تتراوح الحاجة بين 300 و325 ألفا.
تزيد صيانة مصفاة بانياس، المقرر استمرارها نحو شهرين، الاعتماد على استيراد مشتقات جاهزة، وتملك سوريا الطريق والمرفأ، لكنها لا تملك بعد سلسلة متماسكة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بوقود مستقر في المحطات.
رسوم تمر في الظل
تحصل سوريا على رسوم لقاء نقل الشحنات وتخزينها ومناولتها، غير أن قيمة هذه الرسوم وطريقة تحصيلها وأوجه إنفاقها لم يتم الإعلان عنها، وهذه مشكلة سياسية، لأن المواطن يرى الصهاريج ولا يرى الحساب.
تتحمل الطرق المتضررة أصلا الوزن والحركة الكثيفة، فيما تواجه البلدات الواقعة على المسار الازدحام واحتمالات التلوث والحوادث، ففي حزيران أدى اصطدام صهريجين قرب حمص إلى تسرب آلاف الليترات من الوقود، ووفاة مواطنين سوريين!
عمليا عوائد العبور تعود للمركز بينما تصل الكلفة مباشرة إلى الطريق والقرية والسائق، فالعبور يشكل إيرادا مهما لدولة، لكن الحكم على فائدته يحتاج إلى أرقام معلنة، فكم دخل إلى الخزينة؟ وكم أنفق على صيانة الطرق؟ وهل حصلت المحافظات التي تمر فيها الشاحنات على منفعة مقابلة؟
حين تصبح الصهاريج رمزا
بعد رفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، خرجت احتجاجات في مناطق من الحسكة والرقة ودير الزور، ثم ظهرت تحركات في حلب وإدلب وعلى طريق M5، ومنع محتجون مرور بعض الصهاريج، وسط مخاوف من ارتفاع أجور النقل وكلفة الزراعة والسلع.
وقف الشحنات العراقية لن يحل نقص الوقود، لكن اختيار الصهاريج هدفا للاحتجاج يحمل معنى واضحا، فسكان المناطق القريبة من الحقول ومسارات النقل يشعرون بأن الثروة تمر أمامهم من دون أن تخفف أعباءهم، وحين لا تشرح الدولة أين تذهب العوائد، تملأ الصور اليومية هذا الفراغ على حساب الثقة العامة.
السعر العالمي يصل أسرع من الحماية
تقول الحكومة إن رفع الأسعار ضروري لشراء شحنات جديدة، لكن الأرقام تجعل هذا التبرير بحاجة إلى كشف حساب.
في الأسبوع السابق للقرار، ارتفع خام برنت عالميا بنحو 8.6%، بينما قفز سعر المازوت في سوريا 40%، وارتفع البنزين بنحو 28 إلى 30%؛ أي إن الزيادة المحلية تراوحت بين ثلاثة وخمسة أضعاف ارتفاع الخام خلال الفترة نفسها.
سوريا تستورد مشتقات مكررة، وكلفة الشحن والتأمين ترتفع بوتيرة أسرع من سعر النفط الخام، كما تتضمن التسعيرة تعويض زيادات تراكمية سابقة؛ لذلك لا تكفي المقارنة وحدها للحكم بأن الزيادة غير مبررة، لكنها تجعل نشر معادلة التسعير ضرورة.
دون البيانات، يتحول الحديث عن “الكلفة العالمية” إلى مبرر لا يستطيع المواطن اختباره، والبيع بأقل من الكلفة إلى الطوابير والتهريب، لكن استرداد الكلفة لا يعفي الحكومة من إثباتها، ولا من توضيح موعد انعكاس أي انخفاض عالمي على السعر السوري.
في المقابل، يؤدي تمرير الصدمة العالمية كاملة إلى أسر محدودة الدخل إلى مشكلة مختلفة، فسعر الوقود يتحرك مع الخارج، بينما الأجور والنقل العام وأدوات الحماية لا تتحرك بالسرعة نفسها.
يزداد الغموض عندما توصف الزيادة بأنها “مؤقتة” من دون معادلة تبين متى تنخفض الأسعار وكيف تحتسب كلفة الاستيراد.
ممر يتسع ورواية رسمية تضيق
تكشف الصورة فجوة لا تحسمها عبارة “الأسعار مؤقتة”، فينما تتحدث الجهات السورية عن توسيع قدرة بانياس وتحويل البلاد إلى ممر إقليمي للطاقة، تقول وزارة الطاقة إن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى ثلث الحاجة، وإن توقف مصفاة واحدة للصيانة فرض زيادة الاستيراد ورفع الأسعار.
المفارقة أن البنية السورية قادرة على خدمة حركة تصدير إقليمية واسعة، بينما تظل السوق الداخلية شديدة الهشاشة أمام تعطل مصفاة أو اضطراب خارجي.
يزداد الالتباس مع اختلاف الأرقام المقدمة رسميا، فتحدثت وزارة الطاقة عن استيراد74% من المازوت و81% من البنزين، بينما أظهر تفصيل آخر منسوب إليها أن المستورد من المازوت يبلغ 4.63 ملايين ليتر من أصل 7.72 ملايين، أي نحو 60%، وأن المستورد من البنزين يقارب 775 ألف ليتر من أصل 2.32 مليون، أي نحو 33% فقط.
يظهر الغموض نفسه في وصف الأسعار بأنها مؤقتة، من دون تحديد مدة واضحة أو معادلة معلنة تشرح متى وكيف ستنخفض.
تتمحور المسألة حول عجز الرواية الرسمية عن جمع هذه الصور في حساب واحد: بلد تتوسع أهميته على خريطة الطاقة، لكنه يستورد معظم حاجته وفق تصريح، ونسبا أقل بكثير وفق تصريح آخر؛ ويحصل على رسوم عبور غير معلنة، ثم ينقل ارتفاع الكلفة إلى المستهلك بنسبة وصلت إلى 40%.
ستبقى الصهاريج، في نظر المواطن، دليلا على المسافة بين قيمة سوريا الجغرافية وأمنها الطاقي، فالنفط يعبر البلاد فعلا، لكن أثر العبور في الخزينة والسوق والسعر ما يزال أقل وضوحا من أثره على الطريق.
بين عبور الصهاريج العراقية إلى بانياس، وارتفاع المازوت 40%، وفجوة الاستيراد غير المعلنة
الزيادة المحلية مقابل الخام العالمي
مرّر المؤشر على كل شريط لعرض القيمةأي أن الزيادة المحلية تراوحت بين ثلاثة وخمسة أضعاف ارتفاع الخام خلال الفترة نفسها. سوريا تستورد مشتقات مكررة، وكلفة الشحن والتأمين ترتفع بوتيرة أسرع من سعر الخام، كما تتضمن التسعيرة تعويض زيادات تراكمية سابقة؛ لكن هذا يجعل نشر معادلة التسعير ضرورة لا مبرراً مطلقاً.
أرقام الاستيراد: روايتان لنفس البلد
الأرقام المنسوبة إلى وزارة الطاقة في التصريح الأول.
التفصيل الآخر: المستورد من المازوت 4.63 ملايين ليتر من أصل 7.72 ملايين، ومن البنزين نحو 775 ألف ليتر من أصل 2.32 مليون.
| المادة | التصريح الأول | التفصيل الآخر | الفارق |
|---|---|---|---|
| المازوت | 74% | ≈60% | 14 نقطة |
| البنزين | 81% | ≈33% | 48 نقطة |
المفارقة: بلد تتوسع أهميته على خريطة الطاقة، لكنه يستورد معظم حاجته وفق تصريح، ونسباً أقل بكثير وفق تصريح آخر؛ ويحصل على رسوم عبور غير معلنة، ثم ينقل ارتفاع الكلفة إلى المستهلك بنسبة وصلت إلى 40%.
مسار العبور: من الحقل العراقي إلى السوق الخارجية
حمولة عراقية مقيّدة بعقودالمنشأ العراقي
زيت وقود مخصص لإعادة التصدير، وليس بنزيناً أو مازوتاً جاهزاً للتوزيع المحلي.
المعابر
دخول عبر التنف واليعربية من الشرق، ثم قطع مئات الكيلومترات داخل الأراضي السورية.
مرفأ بانياس
تفريغ في خزانات متصلة بمنصة بحرية، من دون دخول المصفاة، قبل إعادة التحميل على السفن.
إعادة التصدير
الكميات تغادر إلى أسواق خارجية، ولا تدخل في المخزون السوري ولا في محطات الوقود المحلية.
الفجوة بين الإنتاج والحاجة
بالبرميل يومياًصيانة مصفاة بانياس، المقرر استمرارها نحو شهرين، تزيد الاعتماد على استيراد مشتقات جاهزة. سوريا تملك الطريق والمرفأ، لكنها لا تملك بعد سلسلة متماسكة تبدأ بالإنتاج وتنتهي بوقود مستقر في المحطات.
العبور مقابل الكلفة: من يحصل على ماذا
قراءة توزيع الأثرما تحصل عليه الدولة
- رسوم على نقل الشحنات وتخزينها ومناولتها.
- قيمة الرسوم وطريقة تحصيلها وأوجه إنفاقها غير معلنة.
- إيراد مهم من الناحية العملية، لكن الحكم على فائدته يحتاج أرقاماً.
ما تتحمله المناطق
- طرق متضررة أصلاً تتحمل وزناً وحركة كثيفة.
- ازدحام واحتمالات تلوث وحوادث في البلدات الواقعة على المسار.
- في حزيران: اصطدام صهريجين قرب حمص وسرب آلاف الليترات من الوقود.
أسئلة بلا إجابات معلنة
- كم دخل إلى الخزينة من رسوم العبور؟
- كم أنفق على صيانة الطرق؟
- هل حصلت المحافظات التي تمر فيها الشاحنات على منفعة مقابلة؟
معادلة غير منشورة
دون البيانات، يتحول الحديث عن «الكلفة العالمية» إلى مبرر لا يستطيع المواطن اختباره. البيع بأقل من الكلفة يؤدي إلى الطوابير والتهريب، لكن استرداد الكلفة لا يعفي الحكومة من إثباتها، ولا من توضيح موعد انعكاس أي انخفاض عالمي على السعر السوري.
حين تصبح الصهاريج رمزاً
مناطق خرجت بعد رفع سعر المازوتلماذا الصهاريج؟
وقف الشحنات العراقية لن يحل نقص الوقود، لكن اختيار الصهاريج هدفاً للاحتجاج يحمل معنى واضحاً: سكان المناطق القريبة من الحقول ومسارات النقل يشعرون بأن الثروة تمر أمامهم من دون أن تخفف أعباءهم.
حين تغيب الأرقام
حين لا تشرح الدولة أين تذهب العوائد، تملأ الصور اليومية هذا الفراغ على حساب الثقة العامة. منع محتجون مرور بعض الصهاريج، وسط مخاوف من ارتفاع أجور النقل وكلفة الزراعة والسلع.
المفارقة في سطر واحد
| البُعد | الصورة |
|---|---|
| خريطة الطاقة | بلد تتوسع أهميته كممر إقليمي، وبنيته قادرة على خدمة حركة تصدير واسعة. |
| السوق الداخلية | هشاشة شديدة أمام تعطل مصفاة واحدة أو اضطراب خارجي. |
| الرسوم | عبور يُدرّ إيراداً، لكن قيمته وأوجه إنفاقه غير معلنة. |
| المستهلك | ينقل إليه ارتفاع الكلفة بنسبة وصلت إلى 40%. |
ستبقى الصهاريج، في نظر المواطن، دليلاً على المسافة بين قيمة سوريا الجغرافية وأمنها الطاقي؛ فالنفط يعبر البلاد فعلاً، لكن أثر العبور في الخزينة والسوق والسعر ما يزال أقل وضوحاً من أثره على الطريق.

