تكشف عملية العسكرية مع بداية تشرين الأول 2026 بين القنيطرة وحوض اليرموك كيف تستطيع “إسرائيل” توسيع نفوذها داخل الأراضي السورية عبر عمليات تنتهي بالانسحاب.
تكرار العبور والمداهمات يمنحها قدرة على تقييد الحركة، ويضع سلطة دمشق أمام مأزق يتجاوز وقف التوغلات، ويرتبط مباشرة بسيطرتها الفعلية على طرق وقرى باتت القوات “الإسرائيلية” تصل إليها بصورة متكررة.
ضمت القوة “الإسرائيلية” 12 آلية ودبابتين، وشملت التحركات والمداهمات قرابة عشر قرى في القنيطرة ودرعا، وتمت مداهمة منزل في جباتا الخشب، والتقدم نحو حوض اليرموك ثم الانسحاب باتجاه ثكنة الجزيرة غربي درعا.
الجغرافيا التي تربط عمليتين
عمليا يظهر المسار للقوة في الجنوب قدرة على التحرك عبر شبكة طرق تربط القنيطرة بحوض اليرموك، فمرت عبر صيدا الجولان وجملة وعابدين ومعرية، فيما تمركزت دبابتان عند أطراف وادي الرقاد.
أما مداهمة جباتا الخشب شمال القنيطرة، فترد ضمن التحركات الإسرائيلية في ذلك اليوم، دون معلومات كافية لربطها بمسار الرتل نفسه.
تظهر الأهمية العسكرية هنا في اتصال المواقع، فالقرية تمنح طريقا يتيح الوصول إلى مرتفع أو واد، والموقع الذي يمكن بلوغه بصورة متكررة يصبح جزءا من الحساب الأمني للقوة المتوغلة.
الحدود الإدارية بين القنيطرة ودرعا لا توقف هذه الحركة؛ وما يحددها هو إمكان العبور والحماية والانسحاب.
لا تثبت عملية واحدة انتقالا استراتيجيا مكتملا، فالدلالة الأقوى من تكرار العمليات السابقة في حوض اليرموك، وتبدو بداية تشرين الأول حلقة في توسيع حرية الحركة “الإسرائيلية”، أكثر من كونها ظاهرة مفاجئة.
ما الذي تقوله أرقام أيلول؟
وثق مركز “سجل” خلال أيلول 113 توغلا بريا و24 حادثة قصف مدفعي، مسجلا أعلى حصيلة شهرية لكل من الفئتين منذ بداية عام 2026.
كما بلغ مجموع الانتهاكات بمختلف أنواعها 280 انتهاكا، وهو ثاني أعلى إجمالي شهري بعد آذار، الذي سجل 321 انتهاكا.
تشير المقارنة مع شهر آب، الذي سجل 109 توغلات، إلى استمرار كثافة مرتفعة أكثر مما تشير إلى قفزة مفاجئة.
أما تصريح الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بأن “إسرائيل” نفذت أكثر من 1,200 توغل منذ أواخر 2024، فيعبر عن التقدير السوري الرسمي لحجم الضغط.
الانسحاب لا يمحو أثر المرور
بالنسبة إلى السكان، تنتهي العملية حين تصبح العودة إلى الحقول والطرق آمنة، وعلى أرض الواقع رصد “سجل” قيودا على حركة المزارعين والرعاة والوصول إلى الأراضي الزراعية ومجاري المياه خلال أيلول، وتوضح هذه الوقائع تحول العمليات القصيرة إلى ضغط اقتصادي متراكم، حتى دون سقوط قتلى أو تدمير واسع.
تكشف القيود على الحركة فجوة بين السيادة القانونية وقدرة المؤسسات السورية على حماية السكان، ويتجاوز أثرها تعطيل العمل الزراعي إلى إضعاف الثقة بالدولة العاجزة عن ضمان الوصول الآمن إلى الأرض ومصادر الرزق.
هذا الضغط لا يؤدي تلقائيا إلى قبول الوجود “الإسرائيلي”، لكنه يضع سلطة دمشق أمام مطلب صعب، فحماية السكان دون فتح مواجهة ليس من أولوياتها وتتجاوز قدراتها بعد حل الجيش في عهد النظام السابق، ومنع تحول ضبط النفس إلى وضع دائم يدفع المدنيون ثمنه.
اتفاق 1974 أمام واقع متحرك
أنشأ اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 منطقة فصل ومناطق لتقييد القوات والتسلح، مع رقابة أممية على التنفيذ.
قام هذا الترتيب على تحديد خطوط انتشار القوات على جانبي الجبهة وإخضاعها للمراقبة، أما التوغلات الإسرائيلية المتكررة اليوم، فتجعل أي اتفاق مقبل مطالبا بتحديد مواقع تمركز القوات ومنع تحركها خارج الخطوط المتفق عليها، مع آلية للتحقق من الالتزام بذلك.
تتوقف فاعلية أي تفاهم مقبل على انسحاب محدد بجدول زمني وخاضع للتحقق، ينهي قدرة القوات الإسرائيلية على العودة إلى المناطق التي تخليها بذريعة تنفيذ عمليات مؤقتة.
دمشق وكلفة الانتظار
يظهر قصور مقاربة سلطة دمشق في المسافة بين مطالبتها بالعودة إلى اتفاق فض الاشتباك وقدرتها على وقف تآكل الوضع الذي تريد استعادته.
التمسك بالاتفاق يمنحها مرجعية واضحة، لكنه يحتاج إلى رؤية أكثر وضوحا ترسم ملامح التعامل مع “إسرائيل” التي مازالت عدوا في مقابل “النوايا” السورية المرنة، فالمسألة تتجاوز الضغط الدبلوماسي إلى استراتيجية كاملة، وإلا تحول الوقت إلى مورد تستفيد منه القوات “الإسرائيلية” لتوسيع معرفتها بالميدان وترسيخ حرية حركتها داخله.
المشكلة أن استمرار العمليات يضعف الموقف التفاوضي السوري، فكل تأخير يضيف وقائع ميدانية يصبح تفكيكها موضوعا للتفاوض، بينما تتحمل القرى كلفة الانتظار.
تحتاج سلطة دمشق إلى قياس نجاح سياستها بما يتغير على الأرض، أما الاكتفاء بتكرار مطلب الانسحاب، فيترك لـ”إسرائيل” تحديد إيقاع الملف وحدود التصعيد، فهي تخاطر بالدخول في مفاوضات ينصب جهدها على استعادة أجزاء من سلطتها، فيما يصبح وقف التوغل نفسه تنازلا “إسرائيليا” ينتظر مقابلا.
الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري: أرقام أيلول 2026
ارتفاع كثافة التوغلات البرية والقصف المدفعي، واستمرار القيود على حركة السكان والوصول إلى الأرض
تكوين انتهاكات أيلول 2026
إجمالي الانتهاكات الشهرية في 2026
المصدر: مركز «سجل»؛ وتصريحات رسمية سورية. البيانات تخص توغلات وانتهاكات أيلول 2026.

