السلة الغذائية في سوريا: من يدفع ثمن الغلاء، ومن تحميه السياسات؟

تحتاج أسرة من خمسة أفراد، وفق مؤشر “جريدة قاسيون” المستند إلى أسعار الأسواق الشعبية في دمشق، إلى نحو 49 ألف ليرة جديدة لتغطية الحد الأدنى من غذائها الشهري في أيلول 2026.

قبل عام، بلغت التكلفة نحو 42.7 ألف ليرة، الفرق البالغ قرابة 6,477 ليرة ما يفرض على الأسرة محدودة الدخل سؤالا يمس احتياجاتها، فمن أي بند ستقتطع المال كي تشتري الطعام؟ من الدواء، أم المواصلات، أم احتياجات الأطفال؟

السؤال الاقتصادي الأعمق يتعلق بتوزيع هذه الكلفة، فارتفاع الغذاء يصيب الجميع، لكن قدرة الناس على تحمله متفاوتة، ومن هذه المسألة تبدأ قراءة تربط الغلاء بعدالة السياسات، ومسؤولية المؤسسات عن حماية الدخول وإصلاح شروط الإنتاج.

زيادة تحتاج إلى قراءة دقيقة

ارتفعت قيمة السلة المنشورة في “قاسيون” من 4,267,100 ليرة قديمة إلى 4,914,750 ليرة، بزيادة حسابية تبلغ 15.18%.

هذه الزيادة لا تعني أن أسعار الغذاء ارتفعت بالنسبة نفسها؛ فالمقارنة بين العامين تتضمن اختلافا في كميات بعض مكونات السلة، خصوصا الخضار والفواكه، ما يجعل تغير التكلفة يجمع بين أثر الأسعار وأثر الكميات المحتسبة.

لعزل الغلاء وحده يجب تسعير الأصناف والكميات نفسها في الفترتين، ويستند المؤشر أيضا إلى أسواق دمشق، بينما تختلف كلفة الحصول على الغذاء بين المحافظات تبعا للنقل وتوفر السلع وظروف الإنتاج.

عمليا تكشف الأرقام تغير تكلفة السلة التي يعتمدها المؤشر، دون أن تكفي وحدها لقياس تضخم الغذاء في سوريا كلها.

هذا الأمر لا يلغي دلالة الارتفاع، لكنه يحدد ما يمكن استخلاصه منه، فتكلفة السلة زادت، أما معرفة مقدار الزيادة الناتجة عن الأسعار وحدها فتتطلب مقارنة الأصناف والكميات نفسها في الأسواق نفسها.

لهذا التمييز أثر مباشر في سياسات مكافحة الفقر، لأن دقة قياس الغلاء تحدد حجم التعويض الذي تحتاجه الأسر للحفاظ على قدرتها على شراء الغذاء.

الفقر يتعمق قبل أن تتغير نسبته

قدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفقر العام في سوريا بنحو 90%، والفقر المدقع بنحو 66% لعام 2024، في تقييم نشره خلال شباط 2025.

هذه خلفية لحجم الأزمة، وليست قياسا لنسبة الفقر في أيلول 2026، ولا يمكن استخراج نسبة جديدة من ارتفاع السلة وحده، دون معرفة دخول الأسر وتوزيعها وخط الفقر المستخدم.

عدد الفقراء لا يروي القصة كاملة، فالأسرة الموجودة تحت خط الفقر يمكن أن تزداد فقرا دون أن يتغير تصنيفها الإحصائي، وحين يرتفع الطعام ويبقى دخلها ثابتا، تتسع المسافة بين مواردها واحتياجاتها، أو ما يسمى فجوة الفقر، ويظهر ذلك في تقليل الكميات، واستبدال الأغذية، وتأجيل العلاج، وتراكم الديون.

كما تواجه الأسر القريبة من خطر الانزلاق تحته، ويتوقف حجم هذا الانتقال على مقدار زيادة دخولها، واستمرار العمل، والمساعدات والتحويلات التي تتلقاها.

زيادة الأجر تكشف تفاوت الحماية

ارتفع الحد الأدنى العام للأجور من 7,500 ليرة جديدة في 2025 إلى 12,560 ليرة في 2026.

بمقارنته بالسلة المنشورة، تتحسن تغطيته لغذاء الأسرة من نحو 17.6% إلى 25.6%، هذا تحسن وفق الأرقام فقط، فهو يترك معظم تكلفة الغذاء دون تغطية، قبل احتساب السكن والخدمات.

رفع الحد الأدنى للأجور لا يكفي للحكم على نجاح السياسة في تخفيف الفقر؛ فالنتيجة تتوقف على وصول الزيادة إلى الدخول الفعلية، وعلى حماية الأسر التي لا تستفيد منها، فعدالة السياسة تقاس بمدى تغطية التعويض وانتظامه، إلى جانب قيمة الزيادة المعلنة.

الدولار يفسر جزءا من الكلفة

لا يصح إضافة ارتفاع الدولار إلى زيادة السلة؛ حيث تحمل أسعار السلع المرصودة بالفعل أثر سعر الصرف بدرجات متفاوتة، وتحويل السلة إلى الدولار مفيد لفهم وضع متلقي التحويلات، لكنه لا يصف وحده معاناة من يتقاضى أجره بالليرة.

وتقول وزارة الطاقة إن نحو 60% من إمدادات المازوت تعتمد على الاستيراد، وإن صيانة مصفاة بانياس تزيد الحاجة إلى المشتقات الجاهزة، وبهذا الشكل تنتقل تكاليف التوريد الخارجي إلى النقل والري والإنتاج المحلي.

كلما زاد اعتماد تأمين الغذاء على إمدادات تتعطل أو ترتفع كلفتها، ضاق هامش الدولة في حماية الدخول من الغلاء، فتتوقف فاعلية التعويضات في قدرتها على معالجة أسباب ارتفاع التكلفة؛ وإلا تحولت الحماية الاجتماعية إلى إنفاق متكرر لملاحقة أسعار تواصل الصعود.

كلفة الإمدادات لا تعفي الحكومة من الاختيار

تربط الحكومة رفع الأسعار بالحاجة إلى تمويل الواردات وضمان استمرار الإمدادات، بحجة أن اتساع الفجوة بين كلفة الشراء وسعر البيع يستنزف الموارد اللازمة لتأمين الشحنات التالية.

هذا التفسير يتطلب معرفة حجم الفجوة ومصادرها، وما إذا كانت تعكس ارتفاعا خارجيا لا يمكن تجنبه أو تكاليف تستطيع الإدارة خفضها، وحتى حين تكون الزيادة ضرورية لاستمرار التوريد، يبقى توزيعها قرارا سياسيا عبر تحديد مقدار ما تتحمله الخزينة وما ينقل إلى المستهلك، وكيف تحمى الأسر التي تعجز دخولها عن استيعاب الغلاء.

تحتاج هذه الخيارات إلى نشر تكاليف الشراء والتوزيع، وفحص المنافسة وهوامش الربح، وربط الدعم بمن يحتاجه.

المعيار الذي ينبغي مراقبته هو مقدار تحسن قدرة الأسر على تأمين غذائها، وانتظام التعويض، وانخفاض تكلفة الإنتاج.

حين تمول الأسرة الطعام بالتخلي عن الصحة والتعليم، تتحول وفورات اليوم إلى خسارة في فرص العمل والإنتاج مستقبلا، وسياسة مكافحة الفقر الجادة تحسب هذه الخسارة ضمن فاتورة الغلاء.

السلة الغذائية في سوريا: الكلفة والتغطية وخلفية الفقر

أرقام أيلول 2026 لأسرة من خمسة أفراد، بحسب مؤشر «جريدة قاسيون» وتقديرات الأمم المتحدة

تكلفة السلة الغذائية الشهرية (ليرة جديدة)

تغطية الحد الأدنى للأجور من تكلفة السلة (%)

خلفية الفقر في سوريا 2024 (%)

+6,477 ليرة جديدة زيادة في كلفة السلة عن أيلول 2025
15.18% نسبة الزيادة الحسابية في قيمة السلة، وتشمل أثر الكميات لا الأسعار وحدها
12,560 الحد الأدنى العام للأجور في 2026، مقابل 7,500 في 2025
60% من إمدادات المازوت تعتمد على الاستيراد، ما ينعكس على النقل والإنتاج

المصادر: مؤشر «جريدة قاسيون» لأسعار الأسواق الشعبية في دمشق؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (تقييم شباط 2025)؛ وزارة الطاقة. الأرقام تصف كلفة السلة المعتمدة في المؤشر، ولا تكفي وحدها لقياس تضخم الغذاء في سوريا كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *