تبدو مرتفعات علي الطاهر على الخريطة موقعا هامشيا في جنوب لبنان، لكن الأحداث التي أحاطت بها خلال الأسابيع الأخيرة نقلتها إلى قلب مواجهة تتجاوز الحدود اللبنانية.
التلة التي تبعد نحو 15 كيلومترا عن “إسرائيل” أصبحت موضع تحذير إيراني إلى واشنطن، وهدفا لعملية “إسرائيلية”، ونقطة اختبار جديدة لمعادلة الردع بين طهران و”تل أبيب”.
ترتفع علي الطاهر نحو 600 متر وتشرف على طرق تربط محيط النبطية بإقليم التفاح، ما يمنحها قيمة تتجاوز مساحتها، فالقدرة على مراقبة هذه المحاور تعني متابعة جزء من حركة حزب الله بين الجنوب ومناطقه الخلفية، كما تجعل السيطرة على المرتفعات أداة للضغط على خطوط الإمداد والتنقل التي اعتمد عليها الحزب في هذه المنطقة.
تعاملت “إسرائيل” مع علي الطاهر باعتبارها موقعا عسكريا، لا مجرد أرض مرتفعة. وتعاملت إيران معها بطريقة أكثر حساسية أيضا.
التحذير الذي وصل إلى واشنطن
في 3 أيلول، كشفت رويترز أن إيران وجهت تحذيرا إلى الولايات المتحدة بشأن أي عملية “إسرائيلية” شاملة للسيطرة على المرتفعات، فثلاثة مسؤولين مطلعين على الرسالة قالوا إن طهران لوحت برد واسع إذا مضت “إسرائيل” في الهجوم.
كما تحدث مصدران عن دور سلطنة عمان في نقل الرسالة، وقال مصدر آخر إن التحذير وصل في منتصف آب، وضغطت واشنطن بعده باتجاه تأجيل الاقتحام.
الرواية بقيت محاطة بقدر من الغموض، فمسؤول في البيت الأبيض أوضح لرويترز أن المعلومات المتعلقة بالرسالة والضغط الأميركي “غير دقيقة”، إيران لم تنشر نصا رسميا للتحذير، كما بقي الموقف العماني بعيدا عن التفاصيل العلنية.
ولكن يكفي وجود هذا المستوى من التواصل لفهم أن علي الطاهر خرجت من نطاق المعركة اللبنانية المحلية، فطهران ربطت ما سيحدث هناك بحساباتها المباشرة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
إيران وعلي الطاهر.. ما وراء الاهتمام بالتلة
مثل جنوب لبنان إحدى أكثر نقاط النفوذ الإيراني حساسية قرب “إسرائيل”، فوجود قوة مسلحة مرتبطة بطهران على مسافة قصيرة من الحدود منح إيران ورقة ضغط لا تحتاج إلى نشر قوات إيرانية كبيرة بصورة علنية، وأي تراجع كبير لحزب الله في هذه المنطقة يغير جزءا من المعادلة.
المعركة على علي الطاهر تأتي في سياق “إسرائيلي” يسعى إلى دفع البنية العسكرية للحزب بعيدا عن الحدود وإضعاف قدرته على العودة إلى المواقع السابقة، فالسيطرة على المرتفعات أو تعطيل استخدامها تعني أن مساحة الحركة أمام حزب الله تصبح أضيق.
تصبح المسألة أكثر خطورة مع المعلومات التي نقلتها رويترز عن احتمال وجود أفراد من الحرس الثوري داخل المنطقة، فمصادر الوكالة تحدثت عن أكثر من 12 عنصرا إيرانيا، بينهم ضابطان كبيران على الأقل.
لم تحظ هذه الرواية بتأكيد مستقل، فيما نقلت وسائل إعلام “إسرائيلية” تقديرات عسكرية تنفي وجود عناصر من الحرس الثوري داخل الموقع، ولكن احتمال وجود ضباط إيرانيين داخل منشأة محاصرة يضيف تفسيرا مهما لحدة التحذير الذي وجهته طهران إلى واشنطن.
سقوط عناصر من حزب الله في جنوب لبنان يدخل ضمن نمط المواجهة الجاري منذ سنوات، لكن تحييد ضباط إيرانيين خلال اقتحام “إسرائيلي” بري يمكن أن يفرض على طهران حسابا مختلفا تماما.
ما تحت التلة أهم مما فوقها
المواجهة حول علي الطاهر ليست معركة قمة فقط، فمصادر أمنية لبنانية تحدثت عن مركز قيادة ومخازن تحت الأرض، والجيش “الإسرائيلي” وصف بدوره شبكة من الأنفاق والمنشآت التي استخدمها حزب الله، بينما أقر الحزب بوجود “منشأة” من دون أن يكشف تفاصيلها.
هذا النوع من المواقع يناسب طبيعة الأرض، فالجبال تمنح المقاتلين حماية نسبية من الضربات الجوية وتجعل الاقتحام البري أكثر تعقيدا، والأنفاق تضيف مشكلة أخرى للجيش المهاجم، فمعرفة المداخل لا تعني معرفة كل المسارات الموجودة تحت الأرض.
اتبعت “إسرائيل” وفق الروايات المتاحة أسلوب الحصار التدريجي، عبر تضييق حركة الموجودين داخل الموقع وعرقلة وصول الإمدادات إليهم، بما في ذلك استهداف محاولات نقل الغذاء والمياه بواسطة الطائرات المسيرة.
يقلل ذلك الحاجة إلى دخول واسع دفعة واحدة، كما أنه يترك مساحة رمادية سياسيا.
التحذير الإيراني تحدث عن «هجوم شامل»، والعمليات المحدودة والحصار والقصف ثم التقدم التدريجي تجعل من الصعب تحديد اللحظة التي يمكن وصفها بأنها ذلك الهجوم تحديدا.
ماذا سيطرت عليه إسرائيل فعليا؟
أعلن “الجيش الإسرائيلي” لاحقا تحقيق “سيطرة عملياتية” على المرتفعات، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس تحدث عن اكتمال المهمة، وقال الجيش إن بعض مقاتلي حزب الله قتلوا فيما انسحب آخرون.
المصادر اللبنانية قدمت صورة أقل وضوحا، فضابط في الجيش اللبناني قال لرويترز إن “القوات الإسرائيلية” سيطرت على المداخل الجنوبية للمجمع، بينما تستطيع مراقبة مداخل أخرى بالمسيرات، وبقي مدى التوغل داخل شبكة الأنفاق مجهولا.
مصور وكالة أسوشيتد برس وصل إلى كفر رمان المجاورة ولم ير انتشارا “إسرائيليا” واضحا فوق التلة.
هذه التفاصيل تجعل مصطلح “السيطرة العملياتية” ضمن صورة خاصة، فالسيطرة العسكرية لا تحتاج دائما إلى انتشار دائم فوق كل نقطة، ويكفي أن يراقب الجيش المداخل، ويقطع الحركة، ويمنع الخصم من استخدام الموقع بالطريقة السابقة.
بالنسبة إلى حزب الله المشكلة تصبح عملية، فحتى إذا بقيت بعض الأنفاق قائمة، فإنها تفقد قيمتها إذا أصبحت الحركة منها وإليها تحت المراقبة والنار.
النبطية في الخلفية
النظر إلى الشمال يوضح سبب أهمية المعركة، فالطرق المحيطة بعلي الطاهر تتصل بالنبطية وبإقليم التفاح، وهي مناطق ارتبطت لفترة طويلة بوجود حزب الله وبشبكاته اللوجستية، كل تقدم إسرائيلي في هذا الاتجاه يقلص المسافة بين القوات الإسرائيلية والعمق الذي كان الحزب يعتبره أكثر أمنا.
تريد “تل أبيب” حدودا مختلفة عن تلك التي سبقت الحرب، فالمقصود بناء مساحة تستطيع فيها “إسرائيل” المراقبة والضرب والتدخل قبل أن يعود حزب الله إلى تشكيل البنية القديمة.
الحزب يرى المسألة من الاتجاه المعاكس، ففقدان سلسلة من المواقع المرتفعة يعني تراجعا في قدرة الانتشار والمراقبة والعودة جنوبا، وبين الطرفين يقف الجيش اللبناني.
دفعت واشنطن خلال الأشهر الماضية نحو صيغة ينتشر فيها الجيش اللبناني في مناطق ينسحب منها حزب الله و”إسرائيل”، وتطبيق هذا النموذج تعثر في علي الطاهر، وفق تقارير عدة، بسبب انعدام الثقة بين الأطراف.
حزب الله يخشى أن يخلي موقعا ثم تسيطر عليه “إسرائيل” التي تشكك في قدرة الدولة اللبنانية على منع الحزب من العودة، اما الجيش اللبناني فيجد نفسه أمام أرض ترتبط سيادته عليها بتفاهمات لا يملك وحده فرضها.
اختبار إيراني أصعب مما يبدو
التحذير الإيراني كان قويا في عبارته، لكن التطورات التي تلته وضعت طهران أمام مشكلة مألوفة في سياسة الردع.
كل خط أحمر يحتاج إلى تعريف واضح، فـ”إسرائيل” تستطيع التحرك قربه من دون أن تعلن تجاوزه، وحصار الموقع ثم دخول أجزاء منه ثم الإعلان عن “سيطرة عملياتية” يختلف سياسيا عن عملية اقتحام واسعة تبدأ في صباح واحد وتنتهي برفع العلم فوق القمة، وهذا النوع من الغموض يخدم الطرف الذي يغير الوقائع على الأرض.
إيران، في المقابل، تحتاج إلى حماية صورة الردع من دون الانجرار في كل مرة إلى حرب واسعة بسبب موقع واحد، فالعلاقة بين هذين الهدفين أصبحت أكثر تعقيدا مع اتساع المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن و”إسرائيل”.
لا يمكن قياس أهمية علي الطاهر بعدد الكيلومترات التي تسيطر عليها هذه الجهة أو تلك، فالقيمة الحقيقية تكمن في السابقة التي تنتج عنها.
أكثر من معركة على تلة
إذا استطاعت “إسرائيل” تعطيل موقع مثل علي الطاهر والاحتفاظ بحرية عسكرية حوله، فستحاول تكرار النموذج في نقاط أخرى.
أما إذا استطاع حزب الله منع تحول هذه العمليات إلى نمط دائم، فسوف يحافظ على جزء من قدرته على استخدام جغرافيا الجنوب، أما إيران، فتنظر إلى النتيجة من مسافة أبعد، فخسارة موقع واحد لا تغير وحدها ميزان الشرق الأوسط، لكن سلسلة خسائر صغيرة يمكن أن تفعل ذلك.
التلة صغيرة، لكن الطريق الذي تمر عبره المعركة يصل من جنوب لبنان إلى طهران وواشنطن و”تل أبيب”، وما يجري عليها يختبر إلى أي مدى تستطيع “إسرائيل” دفع حدودها الأمنية شمالا قبل أن تقرر إيران أن كلفة الصمت أصبحت أعلى من كلفة الرد؟
الأطراف وتكرار الظهور في التقارير
طبيعة الأنشطة حول التلة
التسلسل الزمني للأحداث الرئيسية
أبعاد الصراع في علي الطاهر
ترتفع 600 متر وتشرف على طرق النبطية وإقليم التفاح، ما يجعلها نقطة مراقبة حيوية لتحركات حزب الله وخطوط إمداده.
طهران لوّحت برد واسع إذا نفّذت إسرائيل هجوماً شاملاً، وواشنطن حاولت تأجيل العملية، مع غموض حول دقة الرواية.
تقارير عن وجود أكثر من 12 عنصراً من الحرس الثوري بينهم ضابطان، ما يفسر حدة التحذير ويجعل الموقع أكثر حساسية.
إسرائيل أعلنت السيطرة، لكن المصادر اللبنانية تشير إلى سيطرة على المداخل الجنوبية فقط، بينما بقيت الأنفاق تحت المراقبة.
واشنطن دفعت نحو انتشار الجيش اللبناني، لكن انعدام الثقة أعاق التطبيق، مما جعل التلة ساحة اختبار للسيادة اللبنانية.
إيران تواجه معضلة: كيف تحمي صورة الردع دون الانجرار لحرب واسعة، خاصة مع تقدم إسرائيلي تدريجي لا يُعتبر “هجوماً شاملاً”.

