في المقاربات التي اشتهر بها وارن كرافتشيك، خبير شفافية الموازنات العامة، أن الموازنات العامة لا تقرأ باعتبارها جدول أرقام ، بل الوثيقة السياسية الأكثر كثافة في الدولة؛ من يدفع، ومن يستفيد، وما الذي تفضله السلطة، وما الذي تؤجله، ومن يملك حق السؤال عن ذلك كله.
وفق المقاربة فإن إطلاق وزارة المالية السورية في 9 نيسان 2026 ما سمته “نسخة المواطن لموازنة 2026” حدث يستحق التوقف، لا لأنه يقدم صياغة مبسطة للمالية العامة، بل لأنه يكشف تناقضا بنيويا، حيث تقدم السلطة أداة للشفافية في لحظة ما تزال فيها المساءلة المؤسسية منقوصة.
عمليا أعلنت الوزارة أن الوثيقة تهدف إلى شرح الموازنة بلغة مبسطة، مع بيان الإنفاق والإيرادات والفرضيات الاقتصادية وانعكاسها على حياة المواطنين، في وقت ماتزال البنية التشريعية الانتقالية تعاني من نقص واضح في الاكتمال والفعالية.
ما الذي تقوله الأرقام؟
بحسب الأرقام الرسمية التي أعلنها وزير المالية محمد يسر برنية، تبلغ الإيرادات المتوقعة في موازنة 2026 نحو 958.8 مليار ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل8.716 مليارات دولار، فيما تصل النفقات إلى نحو1156.7 مليار ليرة سورية جديدة،10.516 مليارات دولار.
الفارق بين الرقمين يعني عجزا يقارب197.9 مليار ليرة سورية جديدة، أو نحو1.8 مليار دولار، وأوضحت الوزارة أن هيكل الإنفاق يتوزع على 27% إنفاقا استثماريا، و60% إنفاقا جاريا، و13% دعما وضمانا اجتماعيا، فيما تتوزع الإيرادات بواقع 50% ضرائب ورسوم وجمارك، و28% من النفط والغاز،و22% إيرادات متنوعة أخرى.
هذه الأرقام مهمة، لا لأنها كبيرة أو صغيرة في ذاتها، بل لأنها تقول شيئا أساسيا عن فلسفة الدولة في هذه المرحلة، فحين يكون60% من الإنفاق جاريا، فهذا يعني أن الجزء الأكبر من الموازنة مخصص لتسيير الدولة ودفع التزاماتها الجارية، لا لتوسيع قدرتها الإنتاجية.
حين يكون الإنفاق الاستثماري 27% فقط، فإن الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد يظل محدودا بحدود ما تسمح به بنية مالية ما تزال محكومة بأعباء التشغيل والدعم، وعندما تعتمد الإيرادات بنسبة 27% على النفط والغاز، فإن الموازنة تبقى حساسة تجاه مورد شديد التقلب سياسيا وأمنيا.
موازنة المواطن: تقدم شكلي أم خطوة تأسيسية؟
لا ينبغي الاستخفاف بفكرة “موازنة المواطن” بحد ذاتها، فالمعايير الدولية الخاصة بالشفافية المالية تعتبرها أداة أساسية لتبسيط المالية العامة وإتاحة المعلومات للمواطنين بلغة مفهومة، بما يوسع الفهم العام ويجعل النقاش حول الموازنة أقل احتكارا من قبل البيروقراطية والخبراء، وتعد هذا النوع من الوثائق جزءا من بنية الانفتاح المالي، لا تفصيلا ثانويا فيها.
لكن المسألة السورية لا تقف عند حد نشر وثيقة مبسطة، فالسؤال لمن تقدم هذه الوثيقة، وما القناة المؤسسية التي تمكن المواطن من تحويل المعرفة إلى تأثير؟ فالموازنة، في معناها الديمقراطي، لا تكتمل ببلاغة الشرح، بل بوجود ثلاث حلقات مترابطة؛ الإفصاح، النقاش العام، والرقابة التشريعية والتنفيذية اللاحقة، وإذا غابت الحلقة الثالثة أو ضعفت، تصبح “موازنة المواطن” معرضة لأن تكون أداة تواصل سياسي أكثر من كونها أداة مساءلة عامة.
المشكلة في غياب المؤسسة التي تلزم بها
نقلت التغطية الرسمية وغير الرسمية عن وزير المالية أن مشروع موازنة 2026 سيعرض على مجلس الشعب لمناقشته قبل إقراره، لكن حتى مطلع نيسان 2026، كانت وكالة سانا نفسها تتحدث عن استمرار التحضيرات الانتخابية في الحسكة، ما يعني أن المؤسسة التشريعية الانتقالية لم تستقر بوصفها هيئة مكتملة وقادرة على أداء وظيفة تشريعية ورقابية مكتملة الأركان.
كما أن الإطار الدستوري الانتقالي الصادر في آذار 2025 نص على تشكيل مجلس شعب خلال المرحلة الانتقالية، لكنه لم ينتج، حتى ذلك التوقيت، مشهدا برلمانيا مكتملا ومستقرا يضمن مناقشة عامة ومحاسبة منتظمة على الموازنة.
المشكلة ليست فقط أن البرلمان ضعيف أو متأخر؛ بل أن جوهر الموازنة بوصفها عقدا عاما يفترض وجود طرف يمثل المجتمع في مواجهة السلطة التنفيذية، ومن دون هذا الطرف، تصبح الدولة هي التي تكتب الموازنة، وتشرحها، وتبررها، وتنفذها، وتقيمها، في دائرة.
هذا تحديدا ما كان كرافتشيك يحذر منه دائما، أن تتحول الشفافية إلى عرض معلومات من أعلى بدل أن تكون حقا مجتمعيا ينتج عنه تفاوض ومحاسبة.
هل تكشف الأرقام انحيازا اجتماعيا واضحا؟
تقول الحكومة إن الموازنة تركز على الشفافية والانضباط المالي، وتحفيز النمو، ودعم المؤسسات الإنتاجية، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، ومكافحة الفقر، وهذه لغة واعدة في ظاهرها، لكن الموازنة لا تقاس بالنيات المعلنة، بل بقدرتها على تحويل الأولويات إلى تخصيصات واضحة وقابلة للتتبع.
حين يقال إن 13% فقط من الإنفاق مخصص للدعم والضمان الاجتماعي، فإن ذلك يطرح سؤالا مشروعا: هل تعكس هذه النسبة حجم الأزمة الاجتماعية الفعلية في بلد خرج من حرب طويلة وما يزال يعيش ضغوط النزوح، وتآكل الأجور، وضعف الخدمات، واتساع الفقر؟
الحديث عن زيادات في الرواتب تراوح، بحسب تصريحات الوزير، بين 350% و 2000% لبعض الشرائح، لا يكفي بذاته لقياس الأثر الاجتماعي الحقيقي، فالزيادة الاسمية لا تعني تلقائيا زيادة حقيقية إذا لم توضع في سياق التضخم، وكلفة المعيشة، وسعر الصرف، وقدرة السوق على امتصاص السيولة الجديدة دون موجة ارتفاع أسعار.
هنا تحديدا تظهر الحاجة إلى ما هو أعمق من “نسخة المواطن”، فهناك ضرورة إلى بيان أثر توزيعي يوضح من الذي سيربح فعليا من الموازنة، ومن الذي سيظل على هامشها. (عنب بلدي)
ماذا تعني الموازنة حين تمول الفجوة بالسندات والصكوك؟
قال الوزير إن تمويل العجز سيكون عبر السندات والصكوك، إضافة إلى عوائد مرتبطة بالصندوق السيادي، وهذا خيار يمكن فهمه بوصفه محاولة للابتعاد عن التمويل التضخمي المباشر، لكنه ليس قرارا تقنيا محضا؛ إنه قرار سياسي أيضا، لأن تمويل العجز بالدين يعني ترحيل جزء من كلفة الإنفاق الحالي إلى المستقبل، ويعني أن سؤال الاستدامة المالية سيظل قائما، فمن سيشتري هذه الأدوات؟ وبأي ثقة؟ وبأي شروط؟ وما أثرها على القطاع المصرفي والسيولة والائتمان؟
في البلدان التي تمتلك مؤسسات تمثيلية حقيقية، تناقش هذه الأسئلة علنا داخل البرلمان، وتختبر أمام الإعلام والمجتمع المدني والخبراء المستقلين، أما حين تغيب تلك الحلقة، فإن خيار التمويل يصبح قرارا تنفيذيا مفسرا بعد وقوعه، لا سياسة عامة خضعت لنقاش مسبق.
الشفافية الحقيقية تبدأ من الحق في الاعتراض
الإنصاف يقتضي القول إن إصدار “موازنة المواطن” في سوريا خطوة يمكن ان تكون مفيدة، لكنها تظل خطوة ناقصة ما لم تستكمل بثلاثة شروط واضحة؛ نشر كامل للوثائق التفصيلية، وجدول زمني علني للتنفيذ والتعديل، ومؤسسة تشريعية قادرة فعلا على المناقشة والاعتراض والتصويب.
المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يفهم الموازنة؛ بل إلى أن يعرف كيف يعترض عليها، ومن يمثله في ذلك الاعتراض، وكيف تقاس النتائج بعد عام.
وثيقة مفيدة في المكان الخطأ
المفارقة في “موازنة المواطن” السورية أنها تحمل في جوهرها فكرة سليمة؛ حق الناس في فهم المال العام، لكن هذا الحق يبقى ناقصا حين يفصل عن حق آخر لا يقل أهمية عن حق الناس في أن يكون لهم ممثلون يقرون الموازنة ويراقبون تنفيذها.
الوثيقة ليست بلا قيمة؛ لكنها تفضح حدود التحول نفسه؛ شفافية من دون سيادة تشريعية مكتملة، ومشاركة من دون تمثيل كامل، وموازنة تخاطب المواطن أكثر مما تخضع نفسها له، فالموازنة لا تصبح “موازنة مواطن” حقا عندما تبسط لغتها فقط، بل عندما يصبح المواطن، عبر مؤسساته، شريكا في إقرارها ومساءلتها.
موازنة المواطن في سورية: حين تغدو الشفافية خطاباً بلا سيادة تشريعية
هيكل الموازنة: ماذا تقول الأرقام؟
توزيع الإنفاق والإيرادات حسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية السورية
هيكل الإنفاق
هيكل الإيرادات
فجوة التمويل: الدين بدلاً من التضخم
تمويل العجز عبر السندات والصكوك وعوائد الصندوق السيادي · ترحيل كلفة الإنفاق إلى المستقبل
مكونات الإنفاق (%)
مكونات الإيرادات (%)
الشفافية الحقيقية تبدأ من الحق في الاعتراض
مقاربة وارن كرافتشيك: ثلاث حلقات مترابطة – الإفصاح، النقاش العام، والرقابة التشريعية
جميع الرسوم البيانية تفاعلية (تمرير الماوس أو النقر لعرض التفاصيل)

