جاء يوم 24 تموز 2026 بصورة تختصر المعضلة السورية الجديدة.
تحركت خمس آليات “إسرائيلية”، بينها دبابتان، إلى تلة الدرعيات قرب المعلقة في ريف القنيطرة، بينما دخلت أربع آليات إلى وادي الرقاد ثم أطراف جملة في ريف درعا، حيث أقامت حاجزا وأوقفت المارة وضيقت على المزارعين وعطلت المرور ساعة ونصف.
في اليوم نفسه كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في طريقه إلى المنطقة، على أن يصل دمشق في 25 تموز ضمن أول زيارة له إلى سوريا.
تتجاوز المفارقة الحدثين السابقين، فسوريا تستعيد موقعها الدبلوماسي أسرع مما تستعيد قدرتها على فرض حرمة حدودها، فهل تستطيع سلطة دمشق تحويل الاعتراف الدولي إلى كلفة تكبح “إسرائيل”، أم تبقى الشرعية الخارجية منفصلة عن السيادة الفعلية؟
الاعتراف وحده لا يعيد الجغرافيا
تمنح زيارة غوتيرش السلطة السورية رصيدا رمزيا، فدخول الأمين العام إلى دمشق يعيد تقديم سوريا بوصفها دولة تتعامل معها المنظمة الدولية مباشرة، لا مجرد ساحة أزمة تديرها وكالات الإغاثة.
هذا الرصيد أداة أولية، لا نتيجة نهائية، فالاعتراف يفتح أبواب التمويل والتفاوض والتوثيق، لكنه لا يوقف دبابة ولا يزيل حاجزا.
تظهر الفجوة عندما تتحكم قوة أجنبية بطريق محلي لحظة عودة الدولة إلى الخريطة الدبلوماسية، وتتحدد قيمة الزيارة بما تنتجه بعدها؛ لغة أممية صريحة، وتقارير منتظمة، وحركة أوسع للمراقبين، وضغط يربط الانتهاك بثمن سياسي.
أما الصورة التذكارية فتضيف شرعية إلى المركز من دون إعادة السلطة إلى الأطراف.
بعثة صنعت لمعادلة أقدم
تعمل قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك داخل ترتيبات أمنية ظهرت عام 1974، مع اتفاق فض الاشتباك بعد حرب تشرين 1973.
كانت مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على فصل القوات، مع استخدام الاتصال لمنع التصعيد، وجدد مجلس الأمن بالإجماع في القرار 2824 ولايتها حتى 31 كانون الأول 2026، وشدد على احترام الاتفاق وحظر النشاط العسكري في منطقة الفصل.
البعثة تراقب وتسجل وترفع التقارير وتسهل الاتصال، لكنها لا تملك تفويضا قتاليا لإجبار قوة منتهكة على الانسحاب، فهي ظهرت وفق توازن للقوى يختلف كليا عن الواقع الحالي، حيث عملت على ضبط دولتين داخل توازن مستقر نسبيا، لا لمعالجة توسع أحادي يستفيد من انتقال هش وتفاوت كبير في القوة.
تبدو مطالبة سلطة دمشق الجديدة، على عكس عام 1974، خارج موازين القوة الإقليمية، وتحتاج لدور أممي مختلف، في ظل حلها للجيش الوطني، وعجزها عن فرض توازن خاص ضمن معادلة إقليمية أوجدها هنري كيسنجر، وزبر الخارجية الأمريكية الأسبق، في سبعينيات القرن الماضي.
الطريق هو وحدة القياس الحقيقية للسيادة
تحمل خريطة التحركات “الإسرائيلية” معنى يتجاوز عدد الآليات، فـ”تلة الدرعيات” تمنح إشرافا موضعيا، وجسر وادي الرقاد عقدة عبور، وطريق صيصون – جملة يصل القرى بحقولها وأسواقها.
القوة “الإسرائيلية” أوقفت المارة وضيقت على المزارعين وعطلت المرور، فيما دخلت خمس آليات بينها دبابتان قرب المعلقة، وهذه التحركات تؤدي ثلاثة أمور مباشرة:
- اختبار حرية الحركة.
- قياس سرعة الاستجابة.
- وتعويد السكان على سلطة مؤقتة تظهر وتختفي بلا محاسبة.
السيادة في الجنوب قدرة يومية على ضمان وصول المزارع إلى أرضه وعبور المدني الطريق من دون تفتيش أجنبي، وعندما تعطل دورية صغيرة الحركة ساعة ونصف، فإنها تحول التفوق العسكري إلى إدارة مؤقتة للمكان، ويصبح التكرار أخطر من المدة، لأن الاعتياد ينقل التوغل من الاستثناء إلى الإجراء الروتيني، ثم يمنح الوضع الميداني قوة تفاوضية لا توفرها النصوص القانونية.
دمشق بين كلفة الرد وكلفة الصمت
تواجه السلطة السورية معضلة استراتيجية حادة، فالرد العسكري المباشر، بعد حل الجيش السابق بالكامل، يضع الدولة أمام خصم يملك تفوقا ناريا واستخباريا، أما الصمت الطويل فيمنح “إسرائيل” فرصة تثبيت سوابق جديدة وإظهار الحكومة عاجزة أمام سكان الجنوب.
أولويات سلطة دمشق اليوم تظهر في طبيعة التركيز على “افتراض” التعافي، ما يجعل الجنوب الغربي لسوريا خارج إطار التركيز الإعلامي، والمطالبة بالعودة لاتفاقية فض الاشتباك تحمل أوهاما سياسية، فسلطة دمشق مختلفة نوعيا عما كان سائدا عام 1974.
يمكن تحويل كل توغل إلى ملف متعدد السويات، لا إلى بيان احتجاج منفرد، ويحتاج هذا المسار لتحرك دبلوماسي مختلف، ولاستراتيجية دفاع بالدرجة الأولى ماتزال مفقودة منذ سقوط النظام نهاية عام 2024.
التفسير المنافس وحدوده
تقدم التفسيرات “الإسرائيلية” هذه التحركات باعتبارها دوريات تكتيكية قصيرة مرتبطة بمخاوف أمنية محلية، لا خطة لضم أراض جديدة.
يتم دعم هذا التفسير بانسحاب القوات “الإسرائيلية” بعد فترات محدودة وعدم إنشاء مواقع ثابتة في الحادثتين، غير أن السيطرة على الأرض لا تتطلب دائما احتلالها بصورة متواصلة، فتستطيع القوة المتفوقة فرض ما يشبه “السيادة الزمنية”، فتدخل عندما تختار، تحول الطريق إلى حاجز وتقيد حركة السكان، ثم تنسحب قبل أن تتحمل كلفة الانتشار الدائم أو مسؤوليات إدارة المنطقة.
يراكم التكرار امتيازا أحاديا بحكم الأمر الواقع، فـ”إسرائيل” تستطيع استخدام المجال السوري متى رأت ضرورة أمنية لذلك، بينما تعجز المؤسسات السورية عن ضمان استمرار سلطتها عليه.
تقاس الخطورة هنا بمن يحتفظ بقرار العودة، لا بعدد الساعات التي تمكثها القوة داخل المنطقة، فكل توغل يختبر طرق الحركة، ويقيس زمن الاستجابة، ويجمع معرفة جديدة عن السكان والمؤسسات، ثم يدفع الأهالي إلى تنظيم حياتهم على أساس احتمال تكراره.
مع تكرار التوغلات، تنتقل الواقعة من خرق منفرد إلى نمط يعيد توزيع سلطة القرار في المكان، فجوهر السيطرة لا يكمن في مدة الإقامة، بل في احتكار المبادرة، فـ”إسرائيل” تقرر متى تدخل ومتى تنسحب، بينما لا تملك سلطة دمشق ضمان عدم عودتها.
يخفض غياب المواقع الثابتة كلفة السيطرة ومسؤولياتها من دون أن يلغي أثرها، ويكفي الاحتفاظ بحرية دخول لا تستطيع الدولة منعها لنشوء نطاق نفوذ عملي بلا ترسيم رسمي؛ تصبح فيه السيادة السورية قائمة قانونيا ومعلقة فعليا كلما قررت القوة الإسرائيلية التحرك.
ما الذي ستتركه زيارة غوتيريش؟ ثلاثة مسارات
زيارة غوتيريش بالتطورات اللاحقة لا تغير ميزان القوة الميداني، لكنها تستطيع إنتاج متابعة سياسية وتقارير موثقة وتوسيع حركة قوة فض الاشتباك.
يتوقف تأثير الزيارة في التطورات اللاحقة على نتائجها العملية، فإذا اقتصرت على دعم سلطة دمشق سياسيا ستستمر التوغلات، أما إذا رفعت آمال سكان الجنوب من دون نتائج ميدانية فسيزداد الإحباط والتوتر المحلي.
يمثل المسار الأول بقاء الزيارة في حدود دعم شرعية السلطة السورية، من دون تحويل التوغلات إلى ملف أممي خاضع للمتابعة، ما يسمح لـ”إسرائيل” بمواصلة دورياتها القصيرة بكلفة منخفضة، وتظهر مؤشرات هذا المسار خلال ثلاثة أشهر في غياب إحاطة خاصة لمجلس الأمن، وعدم نشر توثيق تفصيلي للانتهاكات، واستمرار تقييد حركة المراقبين.
المعطيات الحالية تجعل هذا المسار هو الأرجح، مع بقاء تنفيذه مرتبطا بنتائج الزيارة وحجم الضغط الدولي على “إسرائيل”.
يفترض المسار الثاني تحويل نتائج الزيارة إلى متابعة أممية، عبر توصيف التوغلات انتهاكا لاتفاق 1974، وتوسيع وصول قوة المراقبة، وربط الوساطة الأميركية بجدول انسحاب، وتظهر مؤشراته خلال ستة أشهر في زيادة الدوريات والتقارير العلنية واجتماعات المتابعة وتراجع الحركة الإسرائيلية.
لا يملك هذا المسار احتمالا قويا فالأمم المتحدة تفتقر إلى أدوات تنفيذ مستقلة.
ينشأ المسار الثالث إذا رفعت الزيارة توقعات سكان الجنوب من دون نتائج ميدانية، فتتسع الفجوة بين شرعية السلطة وعجزها عن حماية أراضيها، ويمكن أن يقود الإحباط خلال ستة أشهر إلى سنة لاحتجاجات أو مقاومة خارج مؤسسات الدولة، بما يمنح “إسرائيل” مبررات للتوسع، وتظهر مؤشراته في تصاعد الاحتكاكات والاعتقالات، وظهور مجموعات مسلحة محلية، وتراجع الثقة بالقنوات الرسمية والأممية.
يبقى احتمال تحقق هذا المسار منخفضا إلى متوسط، مع كلفة مرتفعة على التعافي.
الاختبار يبدأ بعد مغادرة الضيف
تقاس زيارة الأمين العام بما يحدث على طريق صيصون – جملة بعد مغادرته، لا بعدد الاجتماعات في دمشق.
تحتاج سوريا إلى تحويل شرعيتها الدولية من اعتراف رمزي بالسلطة إلى نفوذ سياسي يرفع كلفة التوغلات ويعيد لاتفاق عام 1974 صفته الملزمة.
تكشف أحداث 24 تموز أن المعركة الأساسية ليست استعادة الاعتراف بالدولة، بل استعادة قدرة الدولة على جعل الاعتراف نافذا فوق الأرض.
عندما يصبح مرور دبابة أجنبية أغلى سياسيا من بقائها، تبدأ الشرعية في التحول إلى سيادة، أما بقاء الطريق مفتوحا أمام القوة ومغلقا أمام المزارع، فيعني أن الحدود القانونية عادت إلى الخطاب، بينما بقيت الحدود الفعلية رهينة ميزان القوة.

