غارات الأردن واختبار السيادة السورية.. من تهديد عابر للحدود إلى ضربة داخل سوريا

حين استهدفت الطائرات الأردنية مواقع في جنوب سوريا مساء 26 تشرين الأول، انتقلت تداعيات هجوم الكرك من داخل الأردن إلى أرض سورية، وانتقل معها السؤال عن هوية منفذي الهجوم إلى حق سلطة دمشق في معرفة ما يجري داخل حدودها والمشاركة في ضبطه.

حسب الرواية الأردنية فإن العملية استهدفت جماعات مرتبطة بالهجوم على كنيسة في محافظة الكرك؛ أما التصريحات السورية فأوضحت أن الضربات نفذت من دون تنسيق مسبق، وفي المسافة بين الروايتين يظهر عمق القضية، فأمن الأردن لا ينفصل عن أمن سوريا، لكن هذا الترابط لا يمنح أي طرف حق تقرير شكل القوة المستخدمة داخل أراضي الطرف الآخر.

السيادة جزء من أمن الحدود

يكشف الخلاف عن تصورين متعارضين لأمن الحدود، حيث تنظر عمان إلى التهديد بوصفه شبكة عابرة للحدود تقتضي ملاحقتها حيثما تحركت، فيما تتمسك سلطة دمشق بأن معالجة الخطر داخل أراضيها تمر عبر مؤسساتها وقرارها السيادي.

وحين يغيب إطار متفق عليه يجمع هذين التصورين، يتحول التنسيق من أداة لاحتواء التهديد إلى موضع نزاع، وتصبح قنوات التحقيق والتواصل اختبارا لقدرة البلدين على منع الخلاف من التحول إلى نهج متكرر.

يتجاوز هذا الخلاف التفاصيل العادية للعلاقة بين البلدين، فحين تنفذ ضربة عسكرية داخل دولة من دون موافقتها، تصبح سيادتها موضع اختبار عملي، وتطرح سابقة تتجاوز هذه الحادثة، فهل يمكن لجار أن يحدد منفردا التهديد داخل سوريا، ثم يتصرف عسكريا على أساس تقديره؟

إن ترك هذا السؤال بلا جواب يضعف قدرة الدولة السورية على إدارة حدودها، ويجعل أراضيها ساحة تحسم فيها حسابات الآخرين.

الجنوب منطقة مأهولة لا هامش فارغ

توزعت الضربات، وفق حصيلة فرق الطوارئ السورية، على أربعة مواقع في ريفي درعا والسويداء، وتحدثت التقارير عن خيمة في قرية الطف بمنطقة اللجاة، ومزرعة في الشياح قرب نصيب، ومنزل في محيط المزيريب، وآخر في بلدة شهيب.

هذه ليست نقاطا معزولة على خريطة عسكرية؛ إنها أماكن يعيش فيها مدنيون، وترتبط بقرى وطرق ومعابر وأسواق محلية.

من هذه الزاوية تتضح طبيعة الأمن الإقليمي، الخطر لا يبقى داخل حدود الدولة التي نشأ فيها، لكن استجابة الجار له تعود آثارها إلى السكان والمؤسسات في الجانب الآخر، وإغلاق معبر نصيب أمام حركة المسافرين والتجارة يوم 27 تشرين الأول، على خلفية التطورات الميدانية في درعا، أظهر كيف تمتد كلفة الضربة من الموقع المستهدف إلى حركة العبور والتبادل بين البلدين.

المدنيون ليسوا هامشا في الحساب

أعلنت فرق الطوارئ السورية حصيلة أولية بلغت سبعة ضحايا وثلاثة مصابين حتى الساعة 11:55 مساء الاثنين.

كان بين الضحايا ثلاثة أطفال وامرأة، فيما قالت التقارير إن خمسة أفراد من عائلة واحدة سقطوا في ضربة أصابت خيمة، وظهرت لاحقا تقارير بحصيلة أعلى، بلغت ثمانية ضحية وأربعة مصابين، ما يبقي العدد النهائي غير محسوم في المواد المنشورة.

هذه الخسائر تفرض على الأردن مسؤولية تقديم تفسير قابل للفحص عن طبيعة الأهداف والاحتياطات التي اتخذها لتجنب إصابة المدنيين، وتضع سلطة دمشق، في الوقت نفسه، أمام اختبار لا يقل صعوبة، من حماية سكان الجنوب، وإيصال الإسعاف والإغاثة، وكشف ملابسات الضربات للرأي العام.

يتضرر أمن سوريا حين يقتل مدنيون في أراضيها، كما تتضرر الثقة بالعملية الأردنية حين لا تتوافر معلومات علنية تشرح لماذا ضربت هذه المواقع تحديدا.

رواية الردع تحتاج إلى برهان

لا يمكن تجاهل أن الأردن يواجه تهديدا أمنيا خطيرا؛ حيث أوقع هجوم كنيسة الكرك تسعة قتلى، وأعلنت السلطات توقيف ثلاثة مشتبه بهم.

لكن الانتقال من هذا الهجوم إلى قصف مواقع داخل سوريا يتطلب أكثر من وصف الأهداف بالإرهابية، حيث نقلت “أسوشيتد برس” عن مسؤول أمني أردني أن الموقوفين لا ينتمون إلى جماعة منظمة، بينما قال الجيش إن منفذي الهجوم مرتبطون بالتنظيمات المستهدفة في سوريا، وهذا التباين لا ينفي وجود صلات محتملة، لكنه يجعل نشر الأدلة وتوضيحها ضرورة سياسية وأمنية.

لا يقاس الردع بعدد المواقع التي أصابتها الغارات، بل بقدرتها على خفض التهديد من دون فتح جبهة توتر جديدة، ومن دون تفاهم أمني يضبط ما يجري على الحدود، تدفع الضربة سلطة دمشق إلى التشدد في التعامل مع عمان، فيما تتحمل بلدات الجنوب كلفة المواجهة المباشرة.

بهذه الآلية يمكن لعملية تستهدف حماية الأردن أن تزيد البيئة التي تسمح بعودة الخطر، عبر إضعاف الثقة والتعاون اللذين يحتاج إليهما الطرفان.

التنسيق مصلحة سورية وأردنية

سلطة دمشق ملزمة بحماية السكان وإثبات أن الدولة تملك قرارها على الحدود، لا إلى الاكتفاء بالاحتجاج بعد وقوع الضربات.

ويحتاج الأردن إلى قناة سورية موثوقة تمنع انتقال التهديدات وتتيح تبادل المعلومات قبل أن تتحول إلى عمليات عسكرية، وينبغي أن تقود الاتصالات المعلنة إلى آلية إنذار وتنسيق واضحة، بالتوازي مع تحقيق سوري يحدد الأضرار والمسؤوليات.

تظهر الغارات أن أمن البلدين متشابك، لكنها تكشف أيضا أن هذا التشابك يتحول إلى مصدر تهديد عندما يغيب الاتفاق على قواعد التعامل، فالردع الذي يتجاوز الدولة المجاورة يوقف خطرا آنيا، لكنه يترك وراءه حدودا أكثر هشاشة وسيادة سورية أضعف.

الغارات الأردنية واختبار السيادة السورية

عملية عسكرية عابرة للحدود أعادت طرح أسئلة التنسيق، وحماية المدنيين، وأمن المعابر بين سوريا والأردن.

تاريخ الغارات: 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026المحافظات: درعا والسويداءاسم العملية الأردنية: الردع الأردني – حمود
7
قتلى في الحصيلة الأولية
بينهم 3 أطفال وامرأة
3
مصابين في التقرير الأولي
رجلان وطفل
4
مواقع استجابت لها فرق الطوارئ
3 في درعا وموقع في السويداء

توزيع القتلى والمصابين في الحصيلة الأولية

أطفال بين القتلى
3
رجال بين القتلى
3
نساء بين القتلى
1
رجال بين المصابين
2
أطفال بين المصابين
1

الأرقام أولية، وتشير تقارير سورية لاحقة إلى حصيلة أعلى بلغت 8 قتلى و4 مصابين؛ لذلك لم يُحسم العدد النهائي في التقارير المنشورة.

المصدر: بيانات القوات المسلحة الأردنية ووكالة بترا؛ بيانات الحكومة السورية ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ووكالة سانا. الحصيلة البشرية أولية ومتغيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *