بعبارة صادمة، أعلنت إدارة معهد الحرية (اللاييك) في دمشق تخصيص صفوف وباحات منفصلة للطلاب والطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع إبقاء المرحلة الابتدائية مختلطة.
دلالة القرار ثقيلة لأنها صدرت عن “اللاييك”، الاسم الذي ارتبط منذ عشرينيات القرن الماضي بأحد مشاريع التعليم المدني الحديث في دمشق، وأصبح جزءا من ذاكرة المدرسة السورية، لا مجرد اسم لمبنى تعليمي.
وضوح الخبر يخفي كل التفاصيل التي أوصلت المدرسة إلى هذا الإجراء، فالطريق الذي قاد إليه بقي ضبابيا، فالقرار يغير نظام مدرسة عامة عريقة، ولا يمكن أن يقاس بحسن نية أصحابه، إنما بالمشكلة التي يريد حلها، والأدلة التي يحملها، والجهة التي أجازته، والنتائج التي ستترتب عليه.
المشكلة حقيقية.. فهل العلاج مناسب؟
تحدثت إدارة المدرسة عن تحرش وتنمر على “طالبات”، وشجارات بين طلاب، وعلاقات عاطفية أثرت في الدراسة، وأسر نقلت بناتها رفضا للاختلاط، وهي مسائل استوجبت تدخلا جديا قبل تفاقمها.
توقفت رواية الإدارة عند تشخيص عام لا يسمح باختبار العلاقة بين المشكلة والحل، فافتراض أو اختلاق حدوث اضطرابات سلوكية داخل بيئة مختلطة لا يثبت أن الاختلاط هو سببها، كما لا يثبت أن الفصل هو الإجراء الأقل تقييدا والأكثر فاعلية.
كان يفترض بالدراسة المعلنة أن تحدد حجم المشكلة وأنماطها إن وجدت فعلا، وتقيم التدابير السابقة، ثم تشرح لماذا عجزت وسائل الرقابة والمساءلة والحماية عن معالجتها.
غياب هذه المعطيات يحول القرار من سياسة تربوية قابلة للفحص والمراجعة إلى مطالبة الأهالي بالثقة في تقدير إداري مغلق، فالشفافية ليست صفة تمنحها المؤسسة لدراستها، وإنما قدرة المجتمع والجهة المشرفة على مراجعة أدلتها ومنهجها واختبار مدى تناسب النتيجة معها.
بين ضبط السلوك وإلغاء الاحتكاك
يعيد الفصل تعريف المشكلة بطريقة تبعد المساءلة عن أصلها، فبدلا من التعامل مع مشكلة مفترضة هي التحرش والعنف بوصفهما سلوكين يقتضيان المحاسبة والحماية، يصبح وجود الطلاب والطالبات في مساحة مشتركة هو موضع الخلل.
تتخلى المدرسة عن دورها في تعليم احترام الحدود وإدارة الاختلاف، وتستبدله بتنظيم يقوم على إلغاء اللقاء، بينما يبقى السلوك المؤذي من دون معالجة تربوية حقيقية.
عند مقارنة حجم المشكلة بنوعية القرار، تظهر قفزة واضحة بين التشخيص والحل، فالقرار شمل الصفوف والباحات من دون نشر ما يثبت تجربة إجراءات أضيق أو بيان أسباب فشلها، فالفصل يظهر كاختيار مسبق أسند إلى مشكلات عامة، فالقرار يستلزم أدلة توازي أثره، لا مجرد إحالة إلى دراسة بقيت محجوبة.
ينقل القرار كلفة السلوك المؤذي من مرتكبيه إلى الجماعة كلها، ويحول حماية الطالبات إلى مبرر لإخراجهن من الفضاء المشترك بدلا من جعله آمنا، كما يفتح توزيع الطلاب على أساس الجنس بابا لتفاوت جديد في الكوادر والجداول والمخابر والأنشطة، فيتجاوز الفصل حدود تنظيم المكان، ليعيد توزيع الفرص داخل مدرسة عامة وفق هوية الطالب الجنسية، من دون ضمانات معلنة للمساواة.
سنة سبقت القرار
يستحضر توقيت الخطوة واقعة يصعب تجاوزها، ففي تموز 2025 قالت لجنة حي ساروجة إنها رفعت كتابا إلى مديرية التربية تطلب فصل الطلاب عن الطالبات في المعهد، وإن طلبها استجيب له ليطبق خلال العام الدراسي 2026–2027.
اللجنة ربطت مطلبها بمبادئ دينية وبـ”دراسات أوروبية حديثة” من دون أن تسمي واحدة منها.
بعد أكثر من عام، تبنت الإدارة الفصل، لكنها قالت إن القرار صدر عنها وحدها ومن دون تدخل رسمي، ما يضع روايتها في تعارض مباشر مع إعلان لجنة حي ساروجة حصولها على رد إيجابي من مديرية التربية.
تحسم هذا التعارض وثيقتان غائبتان هما كتاب اللجنة ورد المديرية. فمن دونهما يتعذر معرفة ما إذا كان القرار بدأ بضغط اجتماعي، أم بتقدير تربوي داخلي، أم بتقاطع المسارين.
من يملك تغيير القاعدة؟
آلت ملكية “معهد الحرية” إلى وزارة التربية عام 1978، ولذلك يختلف وضعه عن مدرسة خاصة تختار العائلات نموذجها مسبقا، فالمدرسة العامة تعمل باسم الدولة وتخدم مجتمعا متنوعا، وتعديل نظامها يمس أهالي يفضلون الفصل كما يمس أهالي اختاروها بسبب طبيعتها المختلطة.
الصمت الرسمي هنا يتجاوز مسألة غياب تعليق إعلامي، فيترك إدارة محلية ولجنة حي وأولياء أمور يتنازعون عمليا سلطة تعريف المدرسة، من دون أن توضح مديرية تربية دمشق من يملك القرار أو ما قواعده.
عندما تحل الضغوط الاجتماعية محل سياسة منشورة، تصبح حقوق الأسر مرتبطة بميزان الأصوات والنفوذ حول كل مدرسة.
القرار يحتاج إلى ما هو أكثر من التبرير
يحمل القرار وزنا يتجاوز توزيع الطلاب بين الصفوف والباحات، فمعهد الحرية، الذي بقي اسمه التاريخي “اللاييك” حاضرا في ذاكرة دمشق، يمثل معلما للتعليم الحديث في المدينة.
تغيير طابعه ليس شأنا تنظيميا داخليا لأنه يغير صورة المدرسة العامة بوصفها مساحة مشتركة لأبناء مجتمع متنوع، وما يبدأ فيه كإجراء محلي يتحول إلى سابقة تتيح للضغط الاجتماعي إعادة صياغة هوية مؤسسات عامة من دون نقاش مجتمعي أو سياسة تعليمية معلنة.
يبدو الفصل أقرب إلى استجابة للضغط وليس علاجا تربويا ثبتت ضرورته، فالإدارة لم تنشر الدراسة التي استندت إليها، ولم تقدم وثيقة توضح الجهة التي أجازت القرار، كما غابت الضمانات التي تكفل المساواة بين الطلاب والطالبات بعد تنفيذه.
لا يقتصر السؤال على جدوى فصل الجنسين، بل يمتد إلى من يملك تعريف وظيفة المدرسة العامة، وبأي أدلة، وتحت أي رقابة.

